لم يترك العهد البغيض بيئةً من البيئات المصرية إلا نشر فيها الظلم، وأقر فيها الجور، وبسط عليها سلطانَ الفساد، وغرس فيها أشجار الشر تؤتي ثمرها منكرًا قبيحًا مرذولًا، في غير ريث ولا إبطاء. وأنت لا تلم ببيئة مصرية إلا وجدت فيها آثار الشر ومظاهر الضُرِّ، ولا تتحدث إلى رجل مصري إلا سمعت منه الشكوى وأحسست منه الألم، ولا تفكر في مصلحة من مصالح المصريين إلا تبيَّنت فيها آثار العبث، وعرفت أنها قد وكلت إلى قوم لا يرعون للوطن وحقوقه ومنافعه كرامة ولا حرمة.

هذا شيء لا شك فيه، قاله الناس فأكثروا من قوله، وسيقولونه فيكثرون من قوله، حتى يُرَدَّ العدل إلى نصابه وتستقرَّ الأمور في قرارها، ويعود إلى القلوب والنفوس والضمائر ما هي في حاجة شديدة إليه من الأمن والهدوء والاطمئنان. ولكن هناك ظاهرة غريبة يلاحظها الناس جميعًا، ويتساءل عنها الناس جميعًا، وقد بدءوا يتحرَّوْنَها ويتبيَّنون مصادرها الخفية؛ فالمصريون جميعًا مظلومون، وهم جميعًا يطالبون برفع الظلم، ولكنهم جميعًا يُقَدِّرون موقف الوزارة، ويعلمون أنها لم تكد تنفق في مناصبها أسبوعًا، وأن أكثر هذا الأسبوع قد ذهب في استقبال المهنِّئين ورد الزيارات والأخذ في أسباب الدرس والبحث والتهيؤ لما لا بد منه من إلغاء النظام الممقوت، فهم يعلنون ابتهاجهم بقيام الوزارة وانتظارهم لما ستقدم عليه من إصلاح، وهم يرفعون إليها المظالم، ويعرضون عليها الاقتراحات، لا يشقُّون عليها ولا يُسْرِفون في الإلحاح، ولا يطلبون إليها أن تغيِّر كل شيء في يوم أو يومين؛ الموظفون المظلومون يثقون بأن الظلم سيرفع عنهم وينتظرون مطمئنين، والعمد المظلومون يثقون بأن الظلم سيرفع عنهم وينتظرون مطمئنين، وغير الموظفين والعمد من الأفراد والجماعات الذين أصابهم الضر ومعهم (…) ينتظرون في غير تعجل، ويطلبون في غير إلحاح، ومن المصريين كثيرون (…) ظلم لا سبيل إلى رفعه، ومنهم (…) لا سبيل إلى محوه، فالأسر التي (…) حين سفكت دماء (…) لا تنتظر من الوزارة أن تنشر لها الموتى، ولا أن تردَّ عليها الشهداء، وإنما هي تحتسب هؤلاء الأبناء عند الله وعند الوطن، وهي مع ذلك لا تضطرب ولا تُظهِر ميلًا إلى الاضطراب، وإنما تصبر كريمة، وترضى بالتضحية الأليمة طيبة النفس قريرة العين، مؤمنة بالقضاء.

والمصريون الذين مسَّهُم الأذى في أجسامهم، لا ينتظرون إصلاحًا لما أصابهم، فكيف السبيل إلى أن يرفع عنهم الشر وقد وقع عليهم؟! وكيف السبيل إلى أن يُكشَف عنهم الضر وقد نزل بهم؟ وللطلاب مظالم قد رفعوها وآمال ينتظرون تحقيقها، ولكنهم رفعوا مظالمهم وصبروا، وأعلنوا أهلهم وانتظروا، ومضوا فيما ينبغي لهم أن يمضوا فيه من درس وتحصيل، إلا الأزهر والمعاهد الدينية؛ فإن طلاب الأزهر والمعاهد الدينية لم يذهبوا مذهب غيرهم من الناس، ولم يسلكوا طريق غيرهم من طلاب الجامعة المصرية وطلاب المعاهد الأخرى، وإنما أضربوا أو مضوا في الإضراب، واحتجوا ومضوا في الاحتجاج، وشرطوا للرجوع عن موقفهم شروطًا، وأصروا على موقفهم حتى تنفَّذ هذه الشروط. فكان غريبًا من غير شك أن يشذَّ طلاب الأزهر والمعاهد الدينية عن إجماع الشعب كله، وأن يسلكوا طريقًا غير طريق الطلاب الآخرين، وأن يقفوا موقفًا ظاهره طلب الإنصاف، وهو مع ذلك لا يخلو من التحدي والعناد.

والمصريون يعرفون طلاب الأزهر، ويعرفون أن شعورهم مصري كشعور غيرهم من الناس، وأن أمانيهم مصرية كأماني غيرهم من الناس، وأن ضمائرهم خالصة للوطن كضمائر غيرهم من الناس؛ وإذن فما سر هذا الموقف الغريب؟ وما تأويل هذا الشذوذ الذي لا يخلو من نُبُوٍّ عن المألوف؟ تحدثت الصحف منذ حين بأن قومًا يكيدون للأزهر والأزهريين، ويسعون بينهم وبين الوزارة بالفساد، ويريدون أن يحملوهم على إفساد الأمر وإحباط السعي، وشغل الوزارة بأنفسهم عن الإصلاح بل عن الشعب كله وعن حقوق الشعب كله، وعن إلغاء النظام البغيض. ثم أخذت الأمور تتكشَّف شيئًا فشيئًا عن أن الصحف لم تكن واهمة فيما ظنت ولا مخطئة فيما أذاعت، وها نحن أولاء نقرأ في الكوكب التي ظهرت مساء أمس تفصيلًا لهذه الظنون وتوضيحًا لهذا الكيد، وتقديرًا لأن هناك قومًا يوعزون إلى طلاب الأزهر أن يلحُّوا في إخراج الشيخ، ويوعزون إلى الشيخ ألا يستقيل ولا يظهر استعدادًا للاستقالة، يريدون بذلك أن يقفوا الوزارة موقف الحيرة والحرج والضيق.

ثم ها نحن أولاء نقرأ في الأهرام صباح اليوم أن هذا الكيد حقيقة واقعة فيما يظهر، وأن الوزارة قد عرفته وتبيَّنَتْ أصله، وأن رسلًا قد سعوا بالسوء، وأن أموالًا أنفقت في سبيل هذا السوء، وإذن فقد وضح ما كان غامضًا، وظهر ما كان خفيًّا، وتبيَّن أن أنصار النظام البغيض يحاولون أن يتخذوا الأزهر أداةً لاستبقاء هذا النظام، وأن الذين نشروا الفساد في الأرض يريدون أن يتخذوا الأزهر وسيلة لنشر الفساد؛ فقد نحب أن نعلم من هم هؤلاء الناس الذين سعوا بالشر بين الأزهر والوزارة، وجدُّوا في الإفساد بين الأزهر والشعب، واتخذوا معهدًا دينيًّا وسيلة لأبغض الأشياء إلى الدين وأبعدها عنه وهو الفساد. وقد نحب أن نعلم من أين لهم هذه الأموال التي أنفقوها؛ من الذي قدمها إليهم؟ ومن أين أخذها؟ ومن الذي تلقَّاها منهم؟ وكيف تلقاها؟

أو قد نحب أن نعلم ماذا تريد الوزارة أن تصنع مع هؤلاء المفسدين الذين يكيدون للسلطان، ويشترون الضمائر، ويفسدون الأخلاق، ويغرسون أشجار الشر في أرض لا ينبغي أن يصل إليها الشر. أتريد الوزارة أن تبحث عن هؤلاء الناس، حتى إذا وضعت يدها عليهم لم تقنع بكفهم عن الشر، بل عاقبتهم عليه وجعلتهم نكالًا للذين يريدون أن يفسدوا على هذا الشعب أمره، وأن يردوا كل شيء إلى الاختلاط؟

وكذلك تحدث الناس أن الشعب قد ابتهج بالوزارة في كل مكان، وأن ابتهاج الشعب لم يعقب أثرًا سيئًا إلا في مدينة واحدة هي الإسكندرية، ثم أخذت الجهاد تتحدث عنه منذ أمس بأن بعض الذين يكلفون حماية الأمن قد سعوا بالفساد في الإسكندرية حتى حدث ما حدث من شر أراد الله أن يكون يسيرًا، وكان من الممكن أن يتفاقم ويعقب آثارًا سيئة بغيضة، فقد نحب أن نعلم أحق هذا الذي أذاعته الجهاد أمس واليوم؟ وإذا كان حقًّا فمن هؤلاء الناس الذين حثوا على الشر ودعوا إليه؟ وعمن تلقوا الأمر بهذا الفساد؟ وماذا أريد بالوزارة أن تصنع معهم ومع الذين أمروهم بإحداث الشغب والاضطراب؟

نحب أن نعلم هذا، ونحب أن نقول في صراحة: إن أمور الإصلاح لن تستقيم للوزارة ما دامت لا تتخذ من الحزم ما يريحها من أسباب الكيد، ويكف عنها وعن الشعب شر هؤلاء الآثمين الذين لا يستطيعون أن يظهروا، ولكنهم يحسنون الكيد ويجيدون الإفساد من وراء ستار. إن للنظام البغيض أفاعي ما زالت حية لم تقطع إلا أذنابها، بل لم يكد يقطع من أذنابها إلا الشيء القليل الذي لا خَطَرَ له، فإذا كانت الوزارة تريد الإصلاح حقًّا وتحرص على أن تنهض بالوفاء بما أخذت على نفسها من عهد فإن أول ما يجب عليها هو أن تريح نفسها من هذه الأفاعي؛ لتقدم على الإصلاح وهي مطمئنة إلى أنها لن تنسى من وراءه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.