يظهر أن صلات جديدة تريد أن تنشأ بين لندرة والقاهرة، قوامها الصراحة والوضوح إلى حَدٍّ ما. أو قل إن لندرة تريد أن تعود — فيما يظهر — إلى سياسة الصراحة والوضوح التي كانت بينها وبين القاهرة، قبل أن تنهض هذه الوزارة القائمة بأعباء الحكم؛ فتضطرها إلى العدول عن الصراحة والوضوح إلى المواربة والغموض. وتفسد بذلك العلاقة بين شعبين كانا يخطوان إلى المَوَدَّةِ الصادقة خطوات واسعة بعيدة المدى.

نعم، كل شيء يدل على أن لندرة تريد أن تستأنف سياسة الصراحة والوضوح، بعد أن سئمت سياسة المواربة والغموض، أو بعد أن قضت أوطارها من هذه السياسة وظفرت أثناء عامين من الوزارة القائمة بما كانت تريد. فقد أخذت بيئاتها السياسية المختلفة منذ أسابيع تُظهر شيئًا من التبرُّم يزداد وضوحًا وجلاءً كل يوم بالعلاقات الرسمية القائمة بين مصر وإنجلترا في هذه الأيام، وكانت مسألة المفاوضات مصدر هذا التبرُّم والملل؛ فلم يكَد رئيس الوزراء يطلب إلى الحكومة الإنجليزية بأسلوبه غير المعروف البَدء في المفاوضة حتى أظهرت البيئات السياسية الإنجليزية نفورًا شديدًا، وقد حملت إلينا الأهرام مظهر هذا النفور منذ أسابيع، ثم أكدته المقطم، ثم أمعنت الديلي تلغراف في تأكيده، ثم حاول رئيس الوزراء في ختام الدورة البرلمانية أن يلقي على أمر المفاوضات ستارًا. فلم تلبث الأهرام أن أزاحت الستار أمس بمقال جاءها من مكاتبها يصور رأي المقامات السياسية الإنجليزية في المفاوضات والانتخابات الحرة والوزارة القومية.

ومقال الأهرام موعز به من غير شك. فهو إذن صورة مقاربة — إن لم تكن صادقة كل الصدق — لرأي المقامات السياسية الإنجليزية في هذه المسائل الثلاث، فأما المفاوضات فترى هذه المقامات السياسية أن لا سبيل إليها مع رئيس الوزراء ووزارته؛ لأنهما لا يمثلان مصر ولا يستطيعان تقييدها بما قد يتم عليه الاتفاق بينهما وبين الإنجليز. وقد كانت الديلي تلغراف صريحة واضحة، فأعلنت أن المفاوضة غير مرغوب فيها مع رئيس الوزراء؛ لأن بقاءه في الحكم حتى يتم تنفيذ المعاهدة غير مضمون، ولأن خصومه مع الوفديين والأحرار والدستوريين لا بد أن يحسب لهم حساب في كل اتفاق مع مصر. وإذن فالإنجليز لم يغيِّروا مذهبهم الذي أعلنوه غير مرة، وهو أنهم لا يريدون أن يعاهدوا حكومة وإن كان رئيسها صدقي باشا، وإنما يريدون أن يعاهدوا شعبًا. وما دام صدقي باشا لا يمثل الشعب ولا ينطق بلسانه ولا يستطيع أن يقيده بما يمضي من اتفاق، فمفاوضته لون من العبث والاتفاقُ معه لغو لا خير فيه.

وليس من شك في أن تفكير البيئات السياسية الإنجليزية في هذا الموضوع مستقيم لا عِوَج فيه، صريح لا غبار عليه، ملائم كل الملاءمة لتفكير المصريين الذين تمثلهم المعارضة فيما يظهر أصدق تمثيل، وإن لم يعجب ذلك رئيس الوزراء. فالمصريون يريدون أن يتفقوا مع الإنجليز اتِّفاقًا يرضونه ولا يُكرَهون عليه إكراهًا. اتفاقًا قوامه الإخلاص والصراحة والنصح، لا يختلس منهم اختلاسًا، ولا يُفرض عليهم فرضًا. ومن الواضح أن هذا الاتفاق لا يمكن أن يكون على يدي رئيس الوزراء.

أما مسألة الانتخابات الحرة فقد يظهر — إن صح ما يقوله مُكاتب الأهرام — أن الإنجليز قد يئسوا منها واعتقدوا أن ليس إليها في مصر سبيل، وأن ما يؤخَذ به صدقي باشا يمكن أن يتهم به الوفديون لو أنهم أشرفوا على الانتخابات. لهذا لا تعتمد البيئات الإنجليزية فيما يقول مُكاتب الأهرام على الانتخابات الحرة لتعرف رأي المصريين ورضاهم عن المعاهدة، ورأي البيئات الإنجليزية في هذه المسألة خاطئ لا يحتاج إلى التصحيح، معوج يحتاج إلى التقويم. وإثم هذا الخطأ والاعوجاج في الحكم على أخلاق المصريين وكرامتهم وفَهمهم للحرية وتقديرهم للديموقراطية، ورعايتهم لديموقراطيتهم الناشئة يقع على الوزارة القائمة. فلولا أنها سلكت في انتخاباتها طريقها التي نعرفها نحن ويعرفها الإنجليز، والتي ننكرها نحن وينكرها الإنجليز، والتي تحول بينها وبين المفاوضة والمعاهدة؛ لما رأى الإنجليز رأيهم هذا في مبلغ تقدير المصريين للحرية والكرامة والديموقراطية.

ومهما يكُن من شيء، فإن البيئات السياسية الإنجليزية لا تستطيع أن توجِّه إلى الوفد عُشر ما تستطيع أن توجهه إلى رئيس الوزراء ووزارته من التهم في أمر الانتخابات. فمن الأشياء الواضحة التي لا تحتمل شكًّا ولا جدالًا أن الوفد لم يُحِطْ الانتخابات في يوم من الأيام بما أحاطها بها رئيس الوزراء ممَّا يدعو إلى الشك، ويُضطر إلى الريب. فالوفد لم يُلْغِ حرية الكلام والخطابة، ولم يُلْغِ حرية الانتقال، ولم يكلف خصومه الصمت والسكون، ولم يُحِطْهم بالحرس والجند أثناء الانتخابات وقبل الانتخابات. والوفد لم يسلك مع الموظفين السبيل التي سلكتها الوزارة القائمة معهم في أمر الانتخابات. والوفد لم يعرض عملية الانتخابات نفسها لما عرضتها له الحكومة القائمة، ولم يعطل الصحف قبلها. وشيء يسير من المقارنة النزيهة بين انتخابات الوفد وانتخابات الوزارة القائمة يثبت في وضوح وجلاء أن ما تُعاب به انتخابات الوفد طبيعي مألوف في كل ديموقراطية ناشئة لم يبعد عليها العهد، ولم يمرن عليها الشعب. أما ما تعاب به انتخابات الوزارة القائمة فشيء غير ذلك، لا نستطيع أن نقوله مخافة القوانين الجديدة، ولكنا لسنا في حاجة إلى أن نقوله؛ لأن الإنجليز يعرفونه حق المعرفة، ويعلمون به حق العلم في إجماله وتفصيله، ويستطيعون أن يحكموا عليه، وما نراهم إلا قد فعلوا. وآية ذلك أنهم قد فاوضوا حكومة الوفد، وهم يأبون أن يفاوضوا رئيس الوزراء ووزارته.

رأي البيئات الإنجليزية إذن في الانتخابات الحرة عندنا معوج. وهو على ذلك لا يعنينا. فأمر الانتخابات من الأمور المصرية الخالصة التي يحسن — بل يجب — أن يتركها لنا الإنجليز، نصرفها كما نحب ونقضي فيها كما نشاء ما داموا هم واثقين بأن الذين سيفاوضونهم وسيعاهدونهم يمثلون الشعب تمثيلًا صادقًا صحيحًا.

وهنا نصل إلى المسألة الثالثة، وهي مسألة الوزارة القومية التي ينتظرها الإنجليز لمفاوضتها والاتفاق معها، والتي طلبها الأحرار الدستوريون وينتظرها الشعب المصري كله، لا للمفاوضة وحدها؛ بل لحل الأزمة الاقتصادية وتنظيم الإدارة وإصلاح ما أصاب الحياة العامة والخاصة في هذين العامين. وواضح جدًّا أن كل مصري يريد أن يخرج وطنه من هذا المأزق الذي هو فيه، والذي اضطرته إليه سياسة الحياد المزيف، يسره أن تشعر البيئات السياسية الإنجليزية بمثل ما تشعر به البيئات السياسية المصرية، لا نستثني من ذلك إلا رئيس الوزراء. فالمصريون جميعًا يريدون الوزارة القومية، وينتظرونها ويرغبون إلى جلالة الملك في أن يأمر بتأليفها، ويكل إليها استنقاذ مصر من هذا الشر الذي هي فيه. وما نظن أننا نخطئ أو نسرف في حسن الظن إذا قلنا وأكدنا أن أكثر الذين يلوذون برئيس الوزراء، ويؤيدونه يرون رأي الأحرار الدستوريين والبيئات السياسية الإنجليزية في الوزارة القومية، وأنها وحدها التي تستطيع أن ترد إلى البلاد ما هي في حاجة إليه من أمن ونظام وكرامة واطمئنان.

رئيس الوزراء وحده في أكبر الظن، هو الذي يكره الوزارة القومية ويشفق منها؛ لأنه يعلم علم يقين أنه لن يكون عضوًا فيها. فأما المصريون فهم يؤثرون حياة مصر على رضا صدقي باشا. وأما الإنجليز فلهم أن يختاروا منذ اليوم بين رضا الشعب المصري ورضا صدقي باشا، والظاهر جدًّا أنهم قد اختاروا وأن اختيارهم ليس من شأنه أن يسوء المصريين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.