منيرة المهدية! اسم عذب جميل يطرق الآذان من عهد بعيد، عهد تعدُّد القهوات في الأزبكية، حيث كان يذهب الناس لسماع الطقاطيق الجميلة تنشدها المغنية الفاتنة، فتخرج من فمها أنغامًا شجية تتخللها تلك البحة الناعمة التي كانت تنزل على نار القلوب بردًا وسلامًا، هناك كان يذهب سراة القوم وحثالتهم لينفقوا ساعات الليل عن طيبة خاطر، حيث كانت تجلو منيرة صدأ القلوب. أيام قديمة ولكن تذكارها لم يزل جديدًا في طيات القلوب، ثم انقضى ذلك العهد فأصبح مرعى الأنس ومغنى الصحاب قفرًا يابس الأعشاب بعد أن كان ملتف الأفنان يانع الأزهار، وظلت منيرة بعده تناضل زمنًا، ثم رأينا اسمها على إعلانات جوق الفودفيل إدارة عزيز عيد، فوقفنا نسائل النفس: حقًّا ما نرى أم كذبًا؟ وحلمًا ما نشاهد أم حقيقة؟ وقفنا أمام تلك الكلمة المكتوبة بالثلث: «دخول منيرة المهدية التمثيل العربي» — وكان الأجدر بهم أن يكتبوا: «دخول منيرة المهدية الغناء التمثيلي» — وقفة المدهش الحائر، ونحن نحدث أنفسنا قائلين مَن الذي دفع بها للتمثيل؟ أميلٌ في نفسها لهذا الفن؟ أم طرق باب للتكسُّب؟ أم غرام بالفن استقرَّ في قلب زوجها أيام كان من المعجبين بصوت الشيخ سلامة حجازي دفعه لأن يزج بزوجته في غمار التمثيل؟ وقفنا نحدث أنفسنا ونحن لا نعرف أي نوع من أنواع التمثيل سترفع منيرة لواءه وتمشي به إلى الأمام. هل التمثيل الغنائي أم الدرام أم الكوميدي؟ ولكنَّا كنَّا على كل حال مغتبطين بدخول منيرة دار التمثيل والوقوف في ساحته؛ لشوقنا إلى وجه ممثِّلة مصرية تقف بجوار الممثلات السوريات بعد أن احتكرن خشبة المسرح، وأصبح ملكًا لهن يفعلن به ما يروق لهن.

مثَّلَتْ منيرة مع عزيز عيد أيامًا معدودة، ولكنها لم تقف معه على المسرح في رواية واحدة، بل كانت تمثِّل بعض مشاهد روايات الشيخ سلامة، أو بالحري كانت تقف على المسرح لتغنِّي قصائد الشيخ، فنشط لها الجمهور وأقبل عليها يسمع صوتها الجميل، وكان هذا الإقبال سببًا في انفصالها عن عزيز عيد وتأليفها جوقًا يحمل اسمها تطوف به جميع بلاد مصر.

وانضمَّ إليها حسن أفندي ثابت، وانحصر مجهودها في ذلك العهد في تمثيل روايات الشيخ سلامة التي يسهل تمثيلها، وكانت تقوم بأدوار الشيخ، ولكن صوتها الضعيف الجميل كان يخونها في كثير من الألحان؛ لهذا وجدناها تغني قصائد الشيخ، ولكن من غير الطبقة التي كان يفخر الشيخ بالوصول إليها، ووجدنا الشيخ في ذلك العهد يغني قصائده على طريقة أخرى يهزُّ بها القلوب، فتميل الأجسام طربًا وحنانًا، والشيخ في كل وقت كان الأسد في بأسه وامتناع حماه، ثم رأينا بعض إعلانات منيرة الصغيرة مكتوبًا عليها اسم رواية «السارق» لبرنشتين معرَّبة بقلم حسن ثابت عميد الجوق في ذلك الوقت، فقلنا لقد خرجت الثمرة من أكمامها، وسوف تغدو رطبًا جنيًّا، وتعجَّبْنا لهذا الانقلاب في حياة سيدة جميلة الصوت حلوة البحة، ولكنا قلنا لأنفسنا إن التمثيلَ الحق مآلُ كلِّ مَن اشتغل به، ومَن وجَدَ كلأً رتع، ومَن صادف غيثًا انتجع.

مكثنا ننتظر رواية «السارق» حتى مللنا الانتظار، ولعل أصدقاء السيدة نصحوا لها بالعدول عن هذا المنهج لئلا يضل بها السبيل في رقي التمثيل الغنائي، وتستهدف لأخطار الفن ومصائبه. ثم انفصل حسن أفندي ثابت من جوق منيرة، وانضمَّ إليها عبد العزيز أفندي خليل، فمكثنا نحدِّث النفس منتظرين النتيجة، ووقع خلاف بين فرح أفندي أنطون وجورج أفندي أبيض، هجر الأول من أجله الروايات التمثيلية إلى الروايات الغنائية، وظهرت من ذلك العهد إعلانات كرمن، وبظهورها ظهرت منيرة في ثوب جديد.

كرمن

رأينا إعلانات كرمن ملصقة في شوارع العاصمة تملأ جدران البيوت والحوانيت في كل حي من أحياء القاهرة؛ وبظهورها عرفنا أن السيدة منيرة أحجمت نهائيًّا عن طَرْق باب التمثيل، ووقفت إلى الأبد تحت لواء الغناء التمثيلي، فإذا كتبنا عنها اليوم، فنحن نكتب تاريخ الغناء التمثيلي غير متعرِّضين لقيمة الروايات الفنية، ولا محلِّلين أشخاصَها؛ إذ كل ذلك لا علاقةَ له بما تشتغل به منيرة في هذا الوقت.

رواية كرمن رواية مشهورة في أوروبا، مؤلِّفُ ألحانها الموسيقيُّ الشهير «بيزيه»، ومُثِّلت للمرة الأولى فلم تصادف إقبالًا، وكانت تلك الهزيمة سببًا في انتحار مؤلِّف ألحانها، ولكن الرواية بلغت شأوًا آخَر بعد موت ملحنها، حتى إنها أصبحت تُغنَّى في كل بلد من بلاد أوروبا. ثم ظهرت إعلاناتها في مصر، فانتعشت قلوب المصريين بعد أن تصرمت آمالهم وتقطعت أحبالهم، وقفوا أمام الإعلانات يتساءلون كيف تغني منيرة تلك الألحان الإفرنكية وهي لا تلائم ذوقهم ولا تتفق مع ميولهم؟ ولكنهم رأوا اسم الخلعي مكتوبًا على رأس باب الألحان، فعرفوا أن كرمن المصرية غير كرمن الإفرنسية، أو أنها صورة مشوَّهة منها تجمع أشخاصها ومناظرها وترجمة أشعارها، ولكنها بعيدة عن ألحانها بُعْد الأرض عن السماء. وألحان الرواية هي الجزء الذي يُقبِل الجمهور في أوروبا من أجله على الرواية، ولكن الجمهور بعد أن أدهشه ما في الإعلان من تنسيق الكلام وترتيب الكلمات بين كبيرة وصغيرة، لم يسعه إلا الذهاب إلى دار الكورسال حتى غصَّ به المكان، ثم ارتفعت الستار وابتدأ التمثيل والغناء.

استعدَّ الجوق للرواية استعدادًا كبيرًا، ولكن إقبال الجمهور كان أكبر من هذا الاستعداد، وليس في ذلك ما يحطُّ من قيمة المناظر والملابس التي صرَفَ من أجلها محمود بك جبر ما في جيبه من المال، ومحمود بك اعتاد ألَّا يبخل بما في جيبه في سبيل الفن الذي تقوم زوجته بإحيائه، وتلك حسنة من حسناته نشكره عليها شكرًا جزيلًا.

رأى الجمهور الرواية، وخرج من الكورسال ولا حديثَ له غير كرمن، وكان هذا الجمهور يجمع بين الطبيب والمحامي والقاضي والمهندس والأديب والشاعر وكل ذي حِرفة شريفة، بل كان يجمع أيضًا من الطبقات الأخرى كلَّ مَن وجد في جيبه أجرة الدخول لرؤية الرواية، والجمهور المصري يُقبِل على كل شيء جديد حَسَنًا كان أو قبيحًا.

لا نغالي لو قلنا: إن أول فكرة خطرت في رأس الجمهور الراقي بعد انقضاء الليلة الأولى من ليالي كرمن هي فكرة ألحان الرواية، ولقد رأى هذا الجمهور الرواية تمثِّلها الأجواق الأوروبية على مسرح الأوبرا، فحق له أن ينتقد ألحانها الجديدة التي لم تطرق آذانه قبل تلك الليلة. ألحان الرواية كلها جديدة ما عدا بعض ألحان صغيرة إفرنكية لم يستحسنها الجمهور لأول مرة، ولكنه اعتاد سماعها بعد ذلك، وكل شيء جديد لا يتفق مع ذوقه، ولكنه يألفه فيما بعدُ فيطلب المزيد منه.

فما قيمة الألحان الجديدة التي نفضتها علينا رأس الخلعي؟

كامل الخلعي رجل يحفظ الكثير من التواشيح القديمة، وله كتاب كتبه عن الغناء العربي أفاض فيه بما له من علم وأدب، فكتابه من الكتب القيمة التي يرجع إليها كلُّ مشتغل بفن الغناء العربي، ولكن الألحان المسرحية التي لم يطرق بابها الخلعي قبل رواية كرمن — اللهم إلا بعض أناشيد صغيرة لحَّنَها لرواية الإيمان والشرف الياباني — تحتاج ذوقًا آخَر يوافق المسرح يجهله ملحِّنُنا الكبير؛ ولهذا كانت ألحانه في رواية كرمن ذات مقام رفيع من الوجهة الغنائية، ولكنه كان ينقصها الذوقُ المسرحي، على أن الرواية نجحت نجاحًا كبيرًا، وأقبَلَ الجمهور عليها في كل مرة مُثِّلت فيها، وكان بعض هذا النجاح راجعًا إلى سهولة الموضوع، وموضوع الرواية موضوع حب وغرام وهجر وانتقام، وكل هذا يفهمه الأديب والجاهل، كما أن صوت منيرة ذلك الصوت العذب الذي إذا سمعه السامع ترنَّح وهتف ومال وصفَّق بيديه استحسانًا وإعجابًا بتلك الرقة الكبيرة والبحة الناعمة الجميلة؛ كان أيضًا من الأسباب التي شفعت في ضعف الذوق المسرحي لألحان الرواية.

ولقد اعترض الناس على صديقنا فرح أفندي أنطون إخراجه رواية إفرنجية مشهورة بألحانها الإفرنسية مبدِّلًا تلك الألحان بألحاننا المصرية، وكان الأجدر به أن ينتقي موضوعًا عربيًّا تتفق معه الألحان المصرية، ولكننا نجد له أعذارًا كثيرة: أولها أن هذا النوع الجديد يصعب علينا نجاحه في مصر إذا لم تحدث له ضجة تستلفت النظر، واسم كرمن أيضًا كفيل بذلك. وثانيها أن منيرة كانت تمشي على آثار الشيخ، ثم أرادت أن تأتينا بنوع جديد تظهر فيه براعتها، ويرقى فيه اسمها إلى سماء الشهرة، لتقف إلى جانب مَنِ انبروا لنصرة الفن وقاموا بإعلاء شأنه، واسم كرمن أيضًا كفيل بذلك، أما مسألة تمصير الألحان الإفرنجية فليس في مقدور فرح والخلعي، فَلْننتظر إذن مَن يذهب إلى أوروبا لإتقان الألحان الإفرنجية إتقانًا كبيرًا، ثم يأتينا بها ممصَّرة، حتى يرتفع شأن الموسيقى العربية بعد أن ظلَّتْ عهدًا طويلًا وهي خاملة الذكر؛ ولهذا نجرؤ ونقول إن منيرة سارت في كرمن على نهج الشيخ، وانتحت مناحيه في روايته التلحينية الأخيرة، والشيخ أول مَن قيَّدَ ألحانه بالكتابة، وعظمة الملوك تشهد بذلك، وإنْ كان للسيدة فضل في رواية كرمن، فهو لا يخرج عن أنها هجرت بها أدوار الرجال التي لا توافقها، وأنها قيَّدَتْ جميعَ الألحان بالكتابة بعد أن كان الشيخ يُطلِق لنفسه العنان في بعض القصائد التي كانت تتخلَّل رواياته التلحينية، أما تمثيل الرواية فلم يكن مُتقَنًا إتقانًا تامًّا، فممثل الترويادور في ذلك العهد لم يكن كفئًا لتمثيل دوره، كما أن عبد العزيز أفندي خليل أقْدَمَ فيها على تمثيل دورٍ من أدوار الفتى الأول «جون برمييه»، وهذه الأدوار لا تتفق بالمرة مع صوته ولا جسمه، ولكنه استعاض عنهما بما رآه من ممثِّل الدور في السينما توغراف من الحركات واللفتات؛ ولهذا أخرج الدورَ ناضجًا من هذه الوجهة ومهشمًا من الوجهة الطبيعية ووجهة الجسم والصوت. أما السيدة سرينا فقد أخرجت دورها ناضجًا لولا بعض ما علق في ذهنها من تقليد أصحاب المذهب القديم في النطق. أما السيدة منيرة فلا يسعنا إلا أن نقول إنها أتت بمجهود كبير لا ننتظره من ممثِّلة في بدء عملها، وساعَدَها على تمثيل دورها تمثيلًا متقنًا سمرةُ وجهها التي اتفقت مع لون بشرة الفتاة الإسبانيولية، ولكنه كان يُؤخَذ عليها ظهورها على المسرح طورًا ككرمن وطورًا كمنيرة، أي إنها كانت ترجع أحيانًا لطبيعتها ناسية أنها تمثِّل كرمن، ويُؤخَذ عليها أيضًا ضعف صوتها وهي تتكلم، حتى تسرَّبَ لعقل الجمهور أن هيبةَ المسرح وحياءَها النسائي أثَّرا عليها، فلم ترفع صوتها في الكلام، وظلَّتْ تتكلم بصوت منخفض يصعب على الناس سماعه.

هذا ما نقوله عن كرمن، وبختامه ننتقل إلى تاييس.

«تاييس» مكثنا سنة ننتظر تاييس إلى أن أُعلِن عنها، فذهبنا لرؤيتها، واليوم نكتب منتقدين الرواية والألحان والتمثيل. أول ما نؤاخذ به صديقنا فرح أفندي هو اختياره رواية مشهورة بألحانها الإفرنجية، وإن كانت مصرية الموضوع يُظهِرها لنا على المسرح المصري مشفوعةً بألحان عربية، مع علمه باختفاء الأعذار التي تذرَّع بها في كرمن، فالنوع الجديد الذي أتانا به لا يحتاج في المرة الثانية للضجة التي احتاج لها في المرة الأولى، ومنيرة حازت الشهرة التي كانت تصبو إليها، فعلامَ تخرج للناس رواية كتاييس وليست هي بتاييس من وجهة الألحان، وألحان تاييس مشهورة طبقت شهرتها الخافقين؟ وما هذا بأول نقد نوجِّهه لصديقنا، بل هناك نقد آخَر أهم في نظرنا من النقد الأول، وهو أن موضوع الرواية يصعب فهمه على الجمهور الذي يميل للتمثيل الغنائي في مصر؛ لأن موضوعها فلسفي، وكفى باسم أناتول فرانس مؤلِّف الرواية ليعرف الجمهور أنه يُقدِم على رواية يكد ذهنه كثيرًا لفهمها.

أيسرنا أن نرى الجمهور يصفِّق استحسانًا عند سماعه أقوال الراهب المصري في الزهد والتقشف والاعتراف بقدرة الله وعظمته وذم الدنيا ونعيمها الموبق، ثم نراه متبرمًا بالمقال منقضًا للمطار عندما نرى الراهب في نهاية الرواية يغلبه حبه على إيمانه، فيصيح صيحته المنكرة أمام جثة حبيبته، خالعًا رداء التقشُّف والزهد مطأطئًا رأسه أمام صولة الحب والهيام، والجمهور معذور فيما فعل؛ لأنه لم يفهم الغاية التي يرمي إليها أناتول فرانس، وجمهور تاييس لم يكن كجمهور كرمن يجمع بين المتعلم والجاهل، والسبب في ذلك أن الجمهور الراقي لم يُقبِل على تاييس كما أقبَلَ على كرمن؛ لما تسرَّبَ إلى ذهنه من أن الرواية الثانية ستكون كالرواية الأولى، ليس فيها من الجديد غير تقييد جميع ألحان الرواية في عدم نجاح تاييس، أما السبب الثالث فهو ألحان الرواية، وَلْيعذرنا صديقنا الخلعي لو قلنا إنه لم يُوفَّق هذه المرة لا للذوق المسرحي ولا لإجادة التلحين، والسبب في ذلك قِصَر المدة التي لحَّنَ فيها تاييس بعد أن استنزف ما في رأسه من الألحان الجيدة في رواية كرمن، والملحِّن الأوروبي لا تكفيه الأعوام العديدة لتلحين رواية من الروايات مع غزارة المادة واختلاف النغمات، فكيف بالملحن المصري وهو قصير الباع لا يجمع في رأسه غير الألحان المصرية المتشابهة التي تكاد تسير كلها على نهج واحد؟ هذه هي الأسباب الثلاثة التي آلت بتاييس إلى السقوط بدل النجاح.

أما تمثيل الرواية فقد كان متقنًا أو أكثر إتقانًا منه في رواية كرمن، والسيدة منيرة ظهرت في تاييس خيرًا منها في كرمن، وابتدأت في رفع صوتها في الكلام وإن كانَتْ لم تصل به بعدُ للطبقة التي يتطلبها الجمهور، وأتقَنَ أحمد أفندي فهيم دوره، وكيف لا يتقنه والدور يوافق طبيعته، ويسرنا منه أنه فعله في دور ترزياس، أي إنه خرج فيه عن الدائرة القديمة التي رسمها لنفسه يوم احترافه التمثيل، تلك الدائرة التي لا يخرج عنها في كل دور يمثِّله، ولكن صوته وهو يغني كان خافتًا جدًّا، حتى إن أصوات الموسيقى الوترية كانت تعلو، غير أنه كان أكثر الممثلين إجادةً بإخراج النغمات خاليةً من العيوب. أما مناظر الرواية وملابسها، فليس لنا إلا أن نقول إن محمود بك جبر فعل أكثر مما يتطلبه الفن، مُعِيدًا لدار التمثيل العربي بهجتها التي كانت تتجلى على مسرحها في أيام الشيخ سلامة حجازي، فمناظر تاييس وملابسها لا تقل عن مناظر وملابس الأوبرا، ونحن لا يسعنا إلا أن نكرِّر له الشكرَ والثناءَ، وكلُّ شكر وثناء قليلٌ بجانب ذلك الإتقان المدهش وتلك الهمة العالية.

«أدنا»: لم نمكث عهدًا طويلًا لرؤية «أدنا» التي أرادت السيدة منيرة أن تُثبِت بها للجمهور أنها أخرجت له الأوبرا كوميك في «كرمن»، والأوبرا في «تاييس»، والأوبريت في «أدنا»، ولعل السبب في سرعة إخراجها هو سقوط تاييس واتباع الروح التقليدي في المسارح المصرية، ولماذا لا تقلِّد منيرة في «أدنا» الريحاني بعد أن قلَّدَه جورج في فيروزشاه؟ رأيت الرواية لأول مرة في مسرح الهمبرا بإسكندرية، فأعجبني أنها خالية من كلِّ لفظ بذيء تحمرُّ له خدود الشيخ قبل الفتاة، وهذه هي أول خطوة في ترقية التمثيل الكوميدي في مصر، ونحن نشكر صديقنا فرح أفندي أنطون على ذلك، ولكنا نلفت نظره للنقد الذي وجَّهناه إليه في تاييس وكرمن، وهو إخراج «أدنا» المشهورة بألحانها الإفرنجية بألحان مصرية، مع أن الموضوع يصحُّ تمصيره، خصوصًا وأن حوادثه تجري بين الفلاحين، وشوقُ الجمهور لروايةٍ ذات موضوعٍ ريفي مصري كبيرٌ جدًّا. أما الأسلوب فهو العربي الفصيح ممزوجًا بالنكات البلدية، وهي طريقة جميلة، ولكنا نلفت نظر المعرِّب إلى نكتة «يواش، يواش»، فهي مما لا يستمرئه الذوق المصري. أما الألحان فكلها سهلة، وهي من ضروريات الأوبريت، والظاهر لنا أن صديقنا الخلعي لم يجهد نفسه فيها كثيرًا. أما المناظر والملابس فليست في حاجة لبذل المال، ولم يفعل محمود بك شيئًا من أجلها، ونحن نعيب عليه ملابس الجنود، وهي ملابس جنود «كرمن»، وجنود إسبانيا كما نعلم لا تلبس ملابس جنود إيطاليا، كما أن الموسيقى العسكرية لا تسمع أهل إيطاليا في أعراسهم دور «أفراح القبة»، ولقد كانت السيدة منيرة في دور «أدنا» هي هي منيرة المصرية، فلم تتفق سمرتها مع لون بشرة «أدنا»، ولا كانت في الدور تلك الفلاحة الأوروبية، بل كانت مصرية اللفتات والإشارات والضحكات، ولعل السبب في ذلك إخراجها الدور بسرعة كبيرة لم تسمح لها لتلقيه على أساتذتها.

أما أحمد أفندي حافظ فقد ساعدته مواقف الدور المضحكة على أن يكون مضحكًا، ونحن ننصح له ألَّا يُقدِم على أمثال هذه الأدوار فيما بعدُ. وعبد المجيد أفندي شكري أتقن التمثيل إتقانًا لا يذهب بنفس المتفرج مذهب الثمل الذي تدور برأسه خمر جمال التمثيل، ويتمشَّى في قلبه سحر الدهشة والذهول، ولكنه أيضًا أزعَجَ الجمهور بصوته في الغناء.

ومحمد أفندي سعيد ممثِّل دور الضابط كان ضابطًا مصريًّا، ولا أرى السببَ في عدوله تلك الليلة عن صبغ وجهه.

هذا ما نقوله عن الروايات الثلاث منتظرين من ممثِّلتنا المصرية أكثر من ذلك، وما ذلك عليها وعلى زوجها بعزيز.

منيرة المهدية كمنشدة

منيرة وهبها الله صوتًا عذبًا جميلًا تتخلَّله بحة تهز أوتار القلوب، ولكنه ضعيف لا يقدر على أداء الطبقات العالية، كما أنه يظهر ضعفه في ختام أغلب النغمات، أما من الوجهة التلحينية فهي عاجزة عن التلحين، نحن لا نعيب عليها ذلك، فليس كل منشد بملحِّن، ولا كل ملحِّن بذي صوت جميل.

منيرة المهدية كممثلة

إذا أردنا أن نكتب عن منيرة كممثِّلة، فليس في استطاعتنا أن نحكم عليها كما نحكم على أبيض ورشدي؛ لأنها دونهما بمراحل، ولم تتلقَّ التمثيل في مدرسة، بل لم تمكث عهدًا طويلًا في مدرسة التجارب، فليس لنا إلا أن نقول إن الطبيعة وهبتها في وجهها وجسمها ما يؤهِّلها لأن تكون من كبيرات الممثلات، فإذا اجتهدت وصلت، وما من أحد ينكر على منيرة اجتهادها وخضوعها للنصائح والتعاليم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (28)

  • default avatar
    معتز علي فضل ·٩ ديسمبر ٢٠١٦، ٩:٢٦ ص

    http://trv-sa.com/ts5/register.php?ref=25

  • default avatar
    معتز علي فضل ·٩ ديسمبر ٢٠١٦، ٩:٢٥ ص

    http://trv-sa.com/ts5/register.php?ref=25

  • default avatar
    معتز علي فضل ·٩ ديسمبر ٢٠١٦، ٩:٢٤ ص

    http://trv-sa.com/ts5/register.php?ref=25

  • default avatar
    محمود ·٣ ديسمبر ٢٠١٦، ١٦:٥ م

    http://trv-sa.com/ts5/register.php?ref=19

  • default avatar
    محمود محمد ·٥ نوفمبر ٢٠١٦، ١٨:٣٨ م

    http://trv-sa.com/ts2/register.php?ref=24

  • default avatar
    sal7ful . ·٢٤ يوليو ٢٠١٦، ٢:٣٢ ص

    http://travianae.com/tx1/register.php?ref=95

  • default avatar
    sal7ful . ·٢٠ يوليو ٢٠١٦، ٢٢:٤٨ م

    http://travianae.com/tx1/register.php?ref=95

  • default avatar
    sal7ful . ·٢٠ يوليو ٢٠١٦، ١:٥٢ ص

    http://travianae.com/tx1/register.php?ref=28

  • default avatar
    muslah a ·١٤ يوليو ٢٠١٦، ٨:٣٠ ص

    http://trv-ae.com/tx2/register.php?ref=120

  • default avatar
    muslah a ·١٣ يوليو ٢٠١٦، ٢:٣٧ ص

    http://travianae.com/tx2/register.php?ref=115

  • default avatar
    muslah a ·١٢ يوليو ٢٠١٦، ٧:١ ص

    http://travianae.com/tx2/register.php?ref=103

  • default avatar
    muslah a ·١١ يوليو ٢٠١٦، ٥:٢٧ ص

    http://travianae.com/tx2/register.php?ref=103

  • default avatar
    muslah a ·١١ يوليو ٢٠١٦، ٣:٥٣ ص

    http://travianae.com/tx2/register.php?ref=102

  • default avatar
    muslah a ·١٠ يوليو ٢٠١٦، ١٥:٢٢ م

    http://travianae.com/tx2/register.php?ref=104

  • default avatar
    ابو فيصل العنزي ·٥ يوليو ٢٠١٦، ١:٣٧ ص

    http://travianae.com/tx2/register.php?ref=32

  • default avatar
    sal7ful . ·٢٣ يونيو ٢٠١٦، ١٠:٤٥ ص

    http://travianae.com/tx1/register.php?ref=5

  • default avatar
    هنو الخمعلي ·٢٢ يونيو ٢٠١٦، ١٣:٥٦ م

    http://travianae.com/tx1/register.php?ref=37

  • default avatar
    هنو الخمعلي ·١٦ يونيو ٢٠١٦، ٦:٣٠ ص

    http://travianae.com/tx6/register.php?ref=46

  • default avatar
    sal7ful . ·١٦ يونيو ٢٠١٦، ٥:٢٤ ص

    http://travianae.com/tx6/register.php?ref=10

  • default avatar
    sal7ful . ·١٦ يونيو ٢٠١٦، ٥:٢٣ ص

    http://travianae.com/tx6/register.php?ref=11

  • default avatar
    sal7ful . ·١٣ مايو ٢٠١٦، ٥:٧ ص

    http://travianae.com/tx1/register.php?ref=21

  • default avatar
    sal7ful . ·١٣ مايو ٢٠١٦، ٤:٥٣ ص

    http://travianae.com/tx1/register.php?ref=21

  • default avatar
    sal7ful . ·١٣ مايو ٢٠١٦، ٤:٥٢ ص

    http://travianae.com/tx1/register.php?ref=21

  • default avatar
    ابو فيصل العنزي ·١٢ مايو ٢٠١٦، ٢٢:٤٧ م

    http://travianae.com/tx1/register.php?ref=4

  • default avatar
    BDR911 . ·٣ مايو ٢٠١٦، ١٧:٧ م

    http://travianae.com/tx6/register.php?ref=50

  • default avatar
    sal7ful . ·١ مايو ٢٠١٦، ٢١:٥٧ م

    http://travianae.com/tx5/register.php?ref=19

  • default avatar
    ابو فيصل العنزي ·١٧ أبريل ٢٠١٦، ١٤:٣ م

    http://trv-ae.com/tx4/register.php?ref=14

  • default avatar
    sal7ful . ·١٦ أبريل ٢٠١٦، ٦:٦ ص

    http://travianae.com/tx4/register.php?ref=8

    • photo avatar
      ابو فيصل العنزي ·١٩ مايو ٢٠١٦، ٢١:٥٧ م

      http://travianae.com/tx1/register.php?ref=45

    • photo avatar
      ابو فيصل العنزي ·١٥ مايو ٢٠١٦، ١٤:٢ م

      http://travianae.com/tx1/register.php?ref=17