الدنيا خلصت!

كنت في أسوان منذ خمس سنوات أو ست، وكان الأوان أوان الموسم الشتوي في إبَّانه، وأما بالنسبة إلى السنة الدراسية فقد كان أوان البعثات التي يشترك فيها الطلاب والتلاميذ من الجامعات إلى المدارس الابتدائية، ومنها مدرسة عالية أو متوسطة للبنات.

وَسَمِعتُ تعليق الجدات الموقرات على بعثة البنات بصفة خاصة، فلم تسمع إحدى الجدات الموقرات بنبأ هذه البعثة الأنثوية إلا سألت هذه الأسئلة جميعًا مع اختلاف الترتيب:

هل لهؤلاء البنات أهل؟

وهل حضر معهن أحد من أهلهن؟

وما هي أعمارهن؟ وهل يجري ذلك كثيرًا في بلاد البحاروة … أي بلاد الوجه البحري بعبارة أخرى؟

ولما علمت الجدات الموقرات أن هؤلاء البنات لهن أهل، وأن أحدًا من أهلهن لا يصحبهن في هذه الرحلة، وأن أعمارهن تتراوح من الرابعة عشرة إلى العشرين أو ما فوقها بقليل، وأن هذه الرحلات كثيرة في بلاد «البحاروة» …

ولما علمت الجدات الموقرات بذلك كله دَقَّت كلٌّ منهن كفًّا بكف، وقلن جميعًا إحدى كلمتين:

آخِر زمن …!

أو الدنيا خلصت!

***

وخلصت أكثر من مرة

فلا أدري ماذا تقول هؤلاء الجدات الموقرات إذا سمعن برحلة البنات الثلاث، فيما بين العشرين والخامسة والعشرين من العمر، بغير دليل ولا زميل، من إنجلترا إلى فرنسا إلى إسبانيا إلى أفريقية الشمالية من أقصاها إلى أقصاها، إلى مصر، إلى السودان، إلى أفريقية الوسطى، فأفريقية الشرقية؟

لا يكفي أن تكون الدنيا «خلصت» مرة واحدة، بل ينبغي أن تكون خلصت وخلصت مرات وراء مرات.

هؤلاء ثلاث بنات، لا يعرفن أحدًا في البلاد التي زرنها، ولا تعرف إحداهن صاحبتيها في الواقع … لأن صاحبة الفكرة في الرحلة جمعت صاحبتيها بطريق الإعلان في الصحف، واختارتهما من نيف وثلاثين طلبًا بعد النظر والمحادثة … ثم أَسْلَمْنَ أنفسهن للمقادير …

ماذا تَعَلَّمْنَ لهذه الرحلة التي استغرقت أكثر من مائة يوم بين العمار والخراب؟

بل ماذا قصدن في الحقيقة أن يتعلَّمْنَ؟

إنك لتطالع قصة الرحلة من الفاتحة إلى الخاتمة، فلا ترى فيما عدا المسير وشد الرحال وصور الآثار والرمال، غير التعرف إلى بضعة رجال، وبقيت خرافات التاريخ بعد شهود مواقعها كما كانت على البعد، حتى حمام كليوباترة ومارك أنطوني في مرسى مطروح …!

وكل ما نشرنه في كتابهن من الصور معلوم مسبوق إليه، وكل ما روينه من أخبار البلاد قد أصبح اليوم بعض حوادث الصحف اليومية، ولا جديد في الأمر غير المصادفات الشخصية التي صادفنها مع بعض الرجال.

وإحدى دواعي التسلية في هذه الرحلة أن صاحباتها لا يكلفن أنفسهن وصف امرأة واحدة في الطريق بالجمال أو الجاذبية، ولا يذكرن وصف الجمال والجاذبية إلا في اللحظة التي يتحدثن فيها عن رجل … ولا سيما الرجل طالب القُبلة أو طالب الزواج.

***

بغير مصباح ديوجين

فبغير مصباح ديوجين العتيق وَجَدْنَ عدةَ رجالٍ، والفيلسوف الخائب لم يعثر على رجل واحد بمصباحه في رائعة النهار؛ لاختلاف الشروط واختلاف العينين.

وجدن في إسبانيا الفتى المغامر الذي تطارده الدولة، ولكنه مع هذا الخطر الذي يلاحقه قد عرَّضَ نفسه للموت من أجلهن؛ لأنهن يجهلن مداخل الطريق ومخارجها بغير هدايته.

ووجدن التونسي «علي» ذا العينين السوداوين، وفارَق إحداهن وعيناه (السوداوان) تغرورقان بالدموع، وهي كذلك لا تُخفي دموعها في موقف الوداع.

ووجدن في القاهرة يونانيًّا يصحب إحداهن إلى الصور المتحركة، ووجدن مصريًّا يحرسهن على طريق الهرم؛ لأنها أيام انتخابات ومظاهرات!

ووجدن في أسوان كنزًا من الرجال بين مصريين وغير مصريين، وأحدهم شاب أرمني بعينين وَطْفَاوَيْنِ، وملامح ساحرة تحكي ملامح الرب المعبود بين قدماء الإغريق إله الربيع «أدونيس».

أما المصريون الأسوانيون — ولهن الشكر — فوصفنهم على الجملة أنهم على حظ نبيل من الوسامة Nobly Handsome.

وأما في الخرطوم فقد حضرن وليمة تضم بين ضيوفها ثمانية أجناس غربية وشرقية، وحمدت إحداهن ربها لأن المصري الجذاب — من المصريَّين اللذين لقياها في الفندق — هو الذي صحبها إلى النزهة دون المصري الآخَر، وكان ذلك المصري الجذَّاب مهندسًا في مصلحة الري المصرية.

والرَّحَّالات المغامرات — والشهادات للحق — منصفات.

لأنهن ذكرن «المضايقات» التي تعرَّضْنَ لها، فلم يخصصن بها المصريين أو الشرقيين، بل شملن بها الأوربيين من كل وطن وطبقة وسن، على مدى الطريق.

والمضايقة الكبرى التي يروينها عن مصر بدأت على الحدود وانتهت في الإسكندرية، ولم تتكرر بعد ذلك إلا مرة واحدة في الخرطوم.

تذاكر

تزوَّدَتْ كلٌّ منهن للرحلة بمائة وخمسين جنيهًا من لندن إلى لندن كرة أخرى عودًا على بدء بعد ثلاثة أشهر وأسبوعين! …

وذهبن في مرسى مطروح ليركبن القطار، فاتخذن مقاعدهن في الدرجة الثالثة من باب القصد، وباب المشاهدة والاستطلاع.

وجاءهن التذكري — أو الكمساري — فدعاهن إلى الدرجة الثانية، وقال لهن إنه لا يتقاضاهن زيادة في الأجر على هذه النقلة!

وقادهن إلى ديوان مخصص (للحريم).

قالت كاتبة الرحلة: ولكنه ترك القطار وجلس معهن، ولاح عليه أنه ينوي أن يطلب منهن ثمنًا لهذه الدعوة لا يقدرن على بذله، وتحقَّقن من ذلك حين استطرد من التحيات — غير المباركات — إلى وصف مَسْكَنِه بالإسكندرية، وعنده فيه سرير يسع أربعة بالراحة!

ولم تكتم المؤلفة أنهن ذهبن معه إلى ذلك المسكن، ولكنهن ذهبن جميعًا في وقت واحد للفرجة والاستطلاع، وانتظرن ريثما خلع ملابس المصلحة وتهيَّأ للخروج معهن بملابس النزهة، ثم أرشدهن إلى فندق يوناني استأجرن فيه حجرة واحدة، وما يشعرن بعد الفجر إلا وصاحبنا يفتح الباب ويزعم أنه نسي صحيفته بالأمس، ثم يميل إلى إحداهن وَيُسِرُّ إليها كلامًا لم تسمعه صاحبتاها، ولكنها قالت لهما بعد ذلك إنه سألها قبلة فرفضتها.

ومن صور البنات الثلاث يتبيَّن أن صاحبنا التذكري هذا صاحب ذوق، وإن لم يكن صاحب عفة … لأن البنت التي سألها القُبلة من بينهن أجمل البنات!

وعلى هذا، أو من أجل هذا فيما يظهر، يتكرَّر في الرحلة ثناء الرحَّالات المغامرات على المصريين.

قالت المؤلفة: «لقد حذرونا مرارًا من المصريين وقالوا لنا إنهم قوم يبغضون الأوربيين وسيصيبنا منهم بعض الكدر لا محالة، فكان من أسباب الغبطة الزائدة عندنا أننا وجدنا كلَّ واحد على درجة من اللطف تفوق المألوف خلافًا لما توقَّعنا.»

ووصلن إلى «إدفو» بأعلى الصعيد، فتلقَّاهن بها موظف في مصلحة الري على أهبة الزواج، وَسَرَّهُنَّ أن يستمعن منه تفاصيل العادات المرعية في الخطبة والمعيشة البيتية، وقالت له إحداهن: «أتعلم؟ إنه لينعشنا أن نراك ونرى أبناء وطنك قومًا لطافًا على خلاف ما سمعنا وَأُنْذِرنا قبل السفر.»

وقهقه الشاب مستغربًا وهو يقول لهن: «يا له من كلام متناقِض غريب … فقد كنتُ أفهم دائمًا أن الإنجليز هم الذين يوصفون بالجفوة ويستكبرون أن يتحدَّثوا إلى أحدٍ من غير الإنجليز.»

وكل الرحلة على هذا النمط.

وختامها في إفريقية الشرقية زَواجُ واحدةٍ من البنات الثلاث، وكان يمكن أن تتزوج صاحبتاها أيضًا لو أرادتا الزواج.

رحلة أخرى

والرحلة الأخرى تسلك الطريق نفسه مبتدئًا من ليبيا ومنتهيًا على شواطئ البحر الأحمر، بين إرتيريا والحبشة والسودان واليمن وعدن وسائر هذه الأقاليم.

كاتبها لم يقصد الرحلة، ولكنها فُرِضت عليه بأمر الدولة الإيطالية؛ لأنه كان طبيبًا من أطبائها في طرابلس، ثم أرادت أن تنتفع به في مستعمرات البحر الأحمر، لمعرفته باللغة العربية وعادات «الوطنيين».

واسم هذا الطبيب ألبرتو دي براجنو Pirajno.

واسم كتابه «ترياق الثعابين»؛ لأن رقية الثعابين ضَرْبٌ من الطب الوطني يصادف أمثاله في صناعتهم، وفيها إشارة مجازية إلى الثعابين الآدمية، وما أكثرها في هذه الرحلة التي لا تفرغ من الخبائث والسموم، ومنها سموم المخدرات والمهربات.

ما أكثر الثعابين وأكبر الأذى من بعضها في قصص هذا الطبيب!

وواحد من هذه الثعابين مضحك لا تنتهي أخباره من مضحكات إلا لتتصل بمضحكات أخرى من نوع آخر، وأول مَن يضحك ضحاياه، وأول مَن يضحكون منه أنفسهم بعد شفائهم من سم اللذعة التي قَلَّما تُميت.

ذَكَّرَنِي هذا الخبيث بالمحتال العالمي «بلسامو» الذي حيَّرَ الأوربيين منذ قرنين، وشاع العجب منه حتى كتب عنه فيلسوف البطولة «توماس كارليل» صاحب كتاب الأبطال الذي تُرجِم إلى اللغة العربية، فقال عنه الفيلسوف: إنَّ سِرَّه كله في تمام خباثته … فهو خبيث تام غير مغشوش بذرة واحدة من الطيبة أو الصدق والأمانة Perfect scoundrel.

وكذلك خبيث هذه الرحلة: رحلة ترياق الثعابين.

فإن الشذوذ التام في هذا الخبيث أنه فاشل كل الفشل في كل عمل أمين، مخلص كل الإخلاص في كل عمل مختلس، وبعض هذه الأعمال المختلسة تجارة الأعراض وتجارة الرقيق وتجارة السموم المخدِّرة، وتجارة السياسة الدولية …

فَمِن أَتَمِّ أنواع الشذوذ في هذا المخلوق أنه قضى حياته لا يُخلِص لأحد ولا يخلص في عمل، وأنه بدأ حياته طفلًا مشرَّدًا خائبًا لا شغلان له غير مطاردة الظلال: ظلال الفراش وأشباهها من ذوات الجناح.

وقالت أمه للطبيب إنها لا تفهم لسلوك هذا الولد الشاذ علةً، غير أنها ارتعبت رعبًا شديدًا وهي حامل به من جرَّاء انفجار مروع.

اسم هذا الخبيث «بوغيشة الكذَّاب» … وضحاياه مذكورون بأسمائهم المعروفة في مصوع وأسمرة والحديدة وعدن وصنعاء، ومنهم طبيب كبير تولَّى رئاسة مستشفى مشهور في القاهرة، لأن بوغيشة سئم تجارة الأعراض وانتقل من بلده إلى بلد آخَر فأظهر الاستقامة والمروءة، ودخل في خدمة الطبيب الكبير فأسلمه صيدليته عند سفره مطمئنًّا إليه … ثم عاد من السفر فإذا الصيدلية كلها أثر بعد عين، إذا بوغيشة نفسه «فص ملح» وذاب كما يقولون، ولم يسمع به أحد من عارفيه بعد ذلك إلا وقد أرسل لحيته وافتتح له مستشفى يعالج به المرضى والجرحى ممن يصابون في حوادث التهريب، ويتستر وراء هذه الصناعة لإدارة حركة واسعة من حركات الاتجار بالمحظورات على أنواعها، وتمتد تجارته إلى الشام وتركيا ومصر والحجاز.

وأثرى بوغيشة من هذه التجارة، واستطاع أن يتصل بالسياسة الدولية، فظهر في صورة من صور الصحف السيارة يدلي بأقواله في مسألة من مسائل الخصومات الشرقية.

مخلوق مزيَّف من الفرع للقدم، وليست السياسة الدولية إلا إحدى «التزييفات» التي يدلنا عليها أنها تنتظم في سلك واحد، عند هذا الخبيث، مع تجارة الرقيق وتجارة الأعراض وتجارة الحشيش والأفيون والكوكايين.

وحتى المخدرات لا يَصدُق في تصنيفها ونسبتها إلى تجارها؛ فقد باع (كربونات الصودا) مرة باسم الكوكايين مع قليل من التمويه والتغفيل، وذكر للمشتري اسم بائعة لا تعرف عن هذه الصفقة شيئًا، فكادت تفقد حياتها بعد انكشاف الحيلة.

وأخطر ما في هذا الخبيث أنه خفيف الروح، وأن صرعاه أنفسهم يضحكون ويكادون يمسكون بجنوبهم ضحكًا كلما ذكروه وذكروا كيف يقعون في حبائله مرة بعد مرة، وهو ظاهر البراءة أمامهم كأنه لم يكذب في حياته كذبة واحدة، وربما كان الصحيح أنه لم ينبس في حياته بكلمة واحدة تخلو من الكذب والخداع، ثم ينساها لساعته حين يجني ثمرتها العاجلة، ولا يخطر له أنه قد صنع مع ذلك المخدوع المنكوب شيئًا يمنعه أن يلقاه بعد ذلك ليعيد عليه الكرة في براءة ظاهرة غير متكلفة … براءة يتمنَّاها أصلح الصالحين أو يتمناها أقدر الممثلين، ولكنها على اليقين لا تكلفه جهدًا كبيرًا أو صغيرًا ليتسم بها أمام صرعاه؛ إذ هو كما قال فيلسوف الأبطال: «خبيث تام غير مغشوش بذرة من الصدق والصلاح.» أو هو «خبيث مصفى» كما نقول في أحاديث كل يوم، وابن الحرام المصفى هو الخبيث التام والذي عناه ذلك الفيلسوف.

ما أجدر هذا الخبيث بقصة وافية تدار على حوادثه وخلائقه وعلاقاته مع الناس، وَأَوَّلُهم صرعاه وضحاياه!

إن قصص الخيال لا تجود لنا بكثير من أشباه «بوغيشة» خيبة الله عليه، فما خاب الملعون قط في رأي نفسه وإن كان كله خيبة في آراء الصالحين.

وما أضيع آراء الصالحين بين عامة الآراء!

الرحلة الثالثة

والرحلة الثالثة من قسمة آسيا الوسطى؛ لأن مؤلفها بيتر ماين Peter Mayne سبق له التأليف عن القارة الأفريقية أو عن المغرب الأقصى، وسمَّى كتابه عنه «أزقة مراكش» … وكان في الحق منصفًا غاية ما يستطيع الغربي أن ينصف في الكتابة عن الأمم الشرقية، ولا سيما الأمم التي تُبتلَى بمقاومة الاستعمار.

وأفريقيا من جهة وآسيا الشرقية أو الوسطى من الجهة الأخرى هما القبلتان اللتان يتنافس الرحَّالون في الاتجاه إليهما بعد الحرب العالمية الثانية، فلو أردت أن تمنح إحداهما الجائزة التي تستحقها بكثرة الرحلات المؤَلَّفَةِ عنها لما عرفت أيهما أحق بها، أو لصنعت كما صنعت الحسناء التي احتكم إليها حافظ إبراهيم وخليل مطران وسلَّمَاها جنيهين تراهَنَا عليهما ليأخذهما صاحب الملامح «العجيبة» منهما … فنظرت إليهما مليًّا ثم سَلَّمت جنيهًا لهذا وجنيهًا لذاك!

تتدفق كتب الرحلات عن آسيا وأفريقيا في الوقت الحاضر على منهج غير معهود من قبل.

ولسنا نعني أن الغربيين لم يؤلفوا عن القارتين من قبلُ، ولكننا نعني أن الاختلاف بعيد بين سبب الاهتمام بالأمس وسببه اليوم.

فبالأمس كان هناك مستشرقون يهتمون بالتاريخ أو باللغات، وجواسون — أو جواسيس — يرسمون الخرائط الحربية سرًّا لِيُستعان بها في الحملات الاستعمارية، أو مبشِّرون يشتغلون تارةً بهذه (الشغلة) وتارة بتلك.

أما الاهتمام اليوم فبالقوة الإنسانية في الشرق، ولعل الأصح أنها في نظر الغربيين «قوة طبيعية» تقاس وتوزن لحين الحاجة إليها، وربما احتاجوا إليها في هذا الحين.

أكاد أقول إنك تتناول أية رحلة عن أي بلد معلوم أو مجهول فتخرج منها بشيء طريف أو بخبر جديد، ولا استثناء لهذه الرحلة بين الأفغان والباكستان وفي بلاد «بختونستان» على الخصوص، وهي بلاد قبائل (الإفريدي) وما جاوَرَها من القبائل المشهورة باسم «البافان».

سيعلم الغربيون شيئًا لا يريدون أن يصدِّقوه عن منزلة المرأة في البلاد الشرقية، بين المدن وفي أعالي الجبال.

فالرحالة يصف لنا سيدات القبائل في باكستان الغربية فيقول: إن السيدة تُحسِن لقاء الضيوف كما تحسنه المضيفة الإنجليزية المهذَّبة في الحاضرة الكبيرة. ويقول عن إحداهن — زوجة زميله ميرعجم — إنها ذات جمال ساحر وذات مهابة طبيعية هائلة! Tremendous natural dignity.

ولا تنحصر «وجاهة» المرأة (الجبلية) هناك في آدابها الاجتماعية المطبوعة، بل توجد من النساء شاعرات يُحرِّضن شعوبهن على قتال المستعمرين، ويحفظ الرحَّالة الإنجليزي أبياتًا من إحدى القصائد أعجبته، وجعل يترنم بها في سيارة القافلة، وفيها تقول العمة شيتاق: «العيون الزرق والأنوف الطوال … أسأل الله أن يأخذهما جميعًا لديه!»

أما المدهش من أمر الرحلة كلها فهو قصة القبائل مع القديسين.

فلا يوجد بطن من بطون القبائل الأفريدية لا يفاخِر الآخَرين بمزارات قِدِّيسيه، ويسمون المزار باسمٍ قريب من اسمه العربي وهو «الزيارة»، ويحجون إليه بين آونة وأخرى للتفاهم والتصالح وعقد الصفقات وحلف الأيمان على الوفاء.

وتشكو إحدى البطون فقرًا في القديسين فتعيرها البطون الأخرى، وتفخر عليها بوفرة «الزيارات» لديها.

وليست وجيعة الفقر (القديسي) هنا أنه نقص في السمعة الدينية وكفى … كلا! بل الوجيعة العظمى أنه نقص في مصالح القبيلة ومرافقها؛ فإن القوم على تلك الجبال قد استحكمت بينهم العدواة حتى لا يأمن أحدهم غيره إلا بيمين على رأس ضريح، ولا تنعقد صفقة بينهم إلا بمثل تلك اليمين.

وكيف تنحل هذه المشكلة الدنيوية الأخروية حيث تستحكم أزمة القداسة؟

على وجهٍ غاية في البساطة والسهولة، فإن القديسين الذين تقام لهم الأضرحة بعد الممات، يشتهرون بكراماتهم ونوادر صلاحهم وتقواهم وهم بقيد الحياة.

ويخرج واحد من هؤلاء الأتقياء مع رفيق في السفر من أبناء القبيلة المفتقرة إلى الأضرحة، فما هو إلا أن ينفرد به في الطريق حتى يخطر للرفيق هذا الخاطر السريع!

أليس من المصلحة أن يموت هذا القديس على أرض القبيلة ليُدفَن فيها، أليس في استطاعة الزميل «الأفريدي» أن يسدي هذه اليد إلى قبيلته وعشيرته الأقربين؟

بلى، في استطاعته ذلك، وقد فعله.

فعل ماذا؟

قتل القديس قبل أن يخرج من أرض القبيلة ليُدفَن فيها ويُزَار ضريحه في قضاء مصالحها وإبرام عهودها وخداع المخدوعين بأقسامها وأيمانها.

ما أجهل الإنسان …!

ما أذكاه — على ظنه — في مساومات بني نوعه وأربابه ومغالطاته لضميره وضمائر ذويه.

وما أشبه هذه الغيرة على القداسة عند الأفريديين بقداسات شتى عند أمم التقدم والحضارة.

وكلهم — بعدُ — قاتلوا أنبياء ومرسلين، ومستغلون لكل شيء حتى قداسة القديسين!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.