تفيضين من كل صوب يا ينابيع المدينة الخالدة، وتهزجين من كل ناحية، وتنادين بالنابه والخامل على السواء، ولك مساجلة مع المحروب والمحبور، وصوتك يأبى إلا المُضيَّ في اصطحاب محكم مع جوق الأجيال التي تمر وتنقضي، ومع البيان الناطق في آثار التاريخ وأطلال الحدثان!

على مقربة من المعابد والبِيَع والمحاريب وفي المساحات والميادين والحدائق، عند أبواب المتاحف وتحت أروقة القصور، في جانب مدافن العامة والدهماء، كما لدى ضرائح الآلهة والقياصرة والأبطال ومضاجع البابوات والقديسين والشهداء، على ضفتي نهر «التيبر» الأشهب كما في غياض الهضاب السبع المحدقة بواديه، في جوار أنقاض الماضي وعلى مشهد من الأعمدة والرتائج والأفاريز وأقواس النصر التي يزعم شاعرها أنها ما زالت منتصبة في انتصار مواكب ظفر جديدة، أنت — يا نوافر روما — حاضرة في كل مكان، متفجرة منبجسة في كل مكان، شادية في كل أين وآن!

للإشادة بصنيعك وتمجيد حسنك وتفخيم قدرتك عمدت يد الفن إلى مقالع الرخام الملون ومناجم المرمر الشفاف، ودرست عبقريات العصور خصائص الجمال والحب والحزن والحماسة والبطولة والطغيان، وأحكام القدر ومظاهر الطبيعة واحتجاب الروح الشاملة؛ فصاغت لها جميعًا نفيس الشخوص والدُّمى والهراكلة والكواسر والضواري والأنصاب، وأقامتها عند فوهاتك وعلى حفافيك تُمثِّل للأجيال اختلاج الكائنات ونزعات الأرواح.

أنت بعثت في تلك التماثيل نسمة الحياة إذ لامسها تيارك العذب، وها هي على الدوام تتلقى فيض أمواهك من أحشاء الأرض لترسلها في الهواء شكولًا من الجمال وأنغامًا من الطرب، وأنَّى توجهنا جابهناكِ يا ينابيع الفن والألحان، فإذا أنتِ في الجو البديع أعمدة من النور الراقص أو حزم من البلور المصحون، لهب وشهب من الرغو المتضامن، أو بروق ونبال من الكوثر المتناثر، شراع وألوية من السناء أو شجيرات وأدغال من الضياء.

وما تَجُول أطيافُك جولتها في الفضاء حتى تنقضَّ مهرولة في الأجران والأحواض، ومن هناك تنتظم شلالًا دافقًا من الخبائب لتعود من حيث أتت، فتتقمَّص في صور جمال جديد!

***

كم ذا طلب عطشِي الارتواء من المثول لديك — يا عيون روما — وكم ذا سألت خريركِ أن يُنسِيَني نفسي الجريحة!

كم ذا تمليت أوضاع تماثيلك وملامحها، وأنا أحسبها سعيدة بامتصاص روحها من روحك وارتباط نصيبها بنصيبك في خدمة الفن وتمجيد العبقرية!

ولكني أراها تمتثل حزينة وتؤدي وظيفتها المحتومة وهي ساهية غائبة، شأن من يقف من أهل المقامات أبيًّا كريمًا في موقف العز والفخار، على أنَّ في جنانه نقرة فاجعة وصدعة قارحة.

أتُرى يشجيهن ذكرى الجبال البعيدة حيث كانت هذه التماثيل هاجعات في كتلة الهيولي قبل أن ينقشهن إزميل الحفَّار؟ أتراهن يتلهفن على الحرية الماضية ولذاذة الغفلة؟ أتراهن يشكون هذه الوتيرة الواحدة في نسيج الليالي والأيام، وأنَّ طرزها تقلب الحوادث بوشي الدم والخراب واللهيب؟

أم هن مللن عبء الجمال وأبهظتهن مسئولية العبقرية؟ أم تراهن وقد شهدن جميع مواكب التاريخ في الانتصار والاندحار، تعبن، تعبن، تعبن من هذه الحياة وما لا تفتأ تطويه وتنشره من تنوع الأضداد؟ أم تراهن وهن منتصبات أو منحنيات، مشرئبات أو ملتفتات، إنما هن ذاهلات عن الوقائع لا يعنين إلا بنجوى القلوب القاصدة إلى هنا تطلب الراحة والسلوان عند الماء الشادي؟ أتراهن يصغين إلى نجوى هذه القلوب فيحزنهن العطف ويأتين بهذه الإشارات ذات الهيبة والبلاغة التي يخلدها الرخام في قلب عاصمة العالم؟

***

تأملتك في الصباح والأصيل وعند انتصاف الليل — يا ينابيع روما — وسمعتك قرب الصروح الشامخة وبين الأخربة الدارسة تسوقين في نَفَس لا ينقطع معاني الضحك والبكاء، والعبث والتفجع، والتهليل والنحيب، والمجون والحكمة؛ ففهمت منك أن نسيج الزمان كنسيج المياه متماسك متناثر، وأن ركبه يمر ويبقى، وأن كل بداية تتلوها نهاية، وكل نهاية تعقبها بداية، وفهمت أنك أنت من أصدق الصور للأزمنة المتدافعة في المسافة، أبدًا في ابتداء وانقضاء، أبدًا في انقضاء وابتداء.

يا لفخامة الأسماء التي تمر في جوك بهدير المدافع ولعلعة الصواعق! إن ذاكرتي لتسردها اسمًا اسمًا، وترى لكل ذي اسم ما التصق به من الخصائص، أترى رأت مدينة أخرى مثلما رأت روما من فعال الآلهة والأبطال والطغاة المستبدين؟ في المياه الصافية المغرية المحضرة الأرواح كمرايا السحَّار، أرى المواكب تتهادى الفارس منها والراجل، السيد والعبد، القائد والأسير، الفيلسوف والخطيب، الإمبراطور والشارع، الظالم العاتي، والشهيد القديس، روما، روما! إنك العظيمة حقًّا!

إنك العظيمة حقًّا؛ لأن العظمة الصادقة كالحب الصادق تُذهِل المرء عن نفسه، وفي الوقت ذاته تلفته إلى نفسه وتجعله أتم معرفة بها فتنمو أمامه وتنجلي ظهورًا.

وأنا الساعة أنظر في مياهك على وقع شدو النوافر فأنفصل عن نفسي وأنسى اسمي ورسمي، أنظر في مياهك فيفارقني الكرب الذي لا يفارق، ويجفوني الألم الملازم العنيد، فلا أذكر بعدُ إلا أني مقيمة فيك، وأن ينابيعك حولي مترنمة، وأن آثارك على مقربة مني قائمة، وأني في قرارة هذا الحوض الجميل أرقب مواكب تاريخك المتتابعة.

نسيت نفسي، يا للرغد ويا للهناء! لكني أعود فأذكرها ويشتد عطشي الملهب العميق، فأتلقى بيدي من مائك — يا ينابيع روما — وأشرب شربة لها في فمي طعم الترياق والكوثر.

لحظة ليس غير! لقد رجعت إلى حالي فما ارتويت بقطرة إلا كانت لهيبًا في الأوام الذي لا يرتوي، وما فزت بفهم جديد إلا كانت الخاطرة المستحدثة وقودًا لعذاب فكري وطمعه إلى توسيع حدوده، وما نعمت بنفحة عطف إلا كانت زكوة لعاطفة الحنان التي لا تشبع فيَّ ولا تكتفي! لحظة هناء ليس غير! فعادت نفسي الجبارة أشد شكيمة وأمنع جبروتًا، فإذا بها وروما سواء، فيها مثل روما خلود وجمال ومجد وتاريخ وأقواس نصر ومتاحف آثار ونضارة وأطلال، فيها نهر أشهب يجري فخمًا بين التلول الشجراء، وفيها مثلك أيتها الينابيع الشادية في ظل إشارات الشخوص، وفي قراراتها حجرة بداهة وشعور وإدراك هي عاصمة العالم!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.