الكهولة والشباب عهدان مختلفان في كل شيء، ولك أن تقول إنهما يجعلان من الإنسان الواحد إنسانين متميزين، لا يشبه أحدهما صاحبه، لا في المَخْبَرِ ولا في المظهر. ولا عجب؛ فإن سُنَّةَ الحياة التغيُّر الدائم، فلا بقاء لشيء على حاله، لأن قانون الطبيعة يأبى هذا الجمود. ولا قيمة لبقاء اسم الإنسان من البداية إلى النهاية دون أن يلحقه تبديل أو تعديل، فما يمنع بقاؤه طول العمر كما هو، إنه في الحقيقة اسم واحد لناس كثر جاء بعضهم في إثر بعض، وذهبوا على التوالي.

فأنا في كهولتي إنسان جديد من كل وجه، لا يشبه ذلك الإنسان القديم الذي كان أيام الشباب؛ فقد ذهب ذلك الإنسان إلى غير رجعة، وذهب معه كل ما كان له من خصائص، وصفات وسمات، ومعارف، ونزعات، وآمال، وآلام، ومخاوف، ومطامع، وشهوات إلى آخر ذلك. وحل محله — بعد ناس كثيرين آخرين اتخذوا اسمي — هذا الكهل الذي يدلف إلى الشيخوخة، والذي هو اليوم «أنا»، والذي سيصبح غدًا إنسانًا آخر يعقبه غيره فغيره، إلى أن يُمضي الله مشيئته في مخلوقه.

ولك أن تقول أيضًا إن الشباب والكهولة معنيان في النفس؛ فإن مِنَّا من يخطئ معنى الشباب في عهده المألوف ثم يجده في غير أوانه، وهذا ما وقع لي؛ فما عرفت طعم الشباب، ولا ركبت به ما يركب الناس به؛ لأني امْتُحِنْتُ في صدر حياتي وغضونة سني بما تركني أحس كأن الدهر كله عمري.

ودارت الأيام، وكبرت، وازددت بالدنيا والناس معرفة، وبنفسي أيضًا، فإذا كل شيء يتغير، التشاؤم انقلب تفاؤلًا واستبشارًا، والضغن أصبح عطفًا ورقة قلب، وحبًّا للحياة والناس، وكنت أظنني لن يطول عمري، وأحمد الله على هذا وأسأله في سري أن يعجل بالراحة الكبرى، وإن كنا لن ندري بأنَّا فزنا بها، فإذا بي واثق أني سأكون من المُعَمَّرِين جدًّا، وإذا بي قد صرت أحرص الناس على حياة، بل إذا بي أشعر شعورًا قويًّا أني رددت شابًّا، وإن كان رأسي قد شاب ولم يَبْقَ فيه سواد، وأذهلني هذا الشعور المستغرق عن سني التي لا تكف عن الارتفاع، وكنت في الترام ذات يوم وكان الزحام شديدًا، ولا موضع لقدم، ولكني كنت مستعجلًا، فجاهدت حتى دخلت ووقفت بين الناس، فنهضت فتاة صغيرة السن لا أظنها تتجاوز الثانية عشرة، وقالت: «تفضل!» فسألتها «نازلة؟» قالت: «كلا!» قلت: «إذن عودي إلى مقعدك، وشكرًا لك.» قالت: «لا يليق فإنك رجل كبير.» فكأنما لطمتني على وجهي، لا لأني أجهل، أو أكره أن أعترف أني كبرت، بل لأني لم أكن أشعر أني «رجل كبير»، ولم يكن يجري لي في خاطر أن من يراني يمكن أن يقول إني كبرت، وثقل على نفسي ظن الفتاة أنها أقدر مني على احتمال الوقوف المتعِب في هذا الزحام، وفقدت السيطرة على أعصابي، فأبيت أن تقف هي وأقعد أنا، فلما رأيت إصرارها نزلت في أول محطة، وانتظرت ترامًا آخر.

وليس هذا من مغالطة النفس في الحقائق، وإنما هو وليد شعور عميق لم يكن لي به عهد في شبابي، ولو كنت في شبابي وقدمتني هذه الفتاة على نفسها، لكان الأرجح ألا أغضب، ولعددت هذا من الاحترام الذي أستحقه، أولا لأن الشاب هو الذي يشتهي — ويسره ولا يسوءه — أن يُعَدَّ رجلًا كبيرًا، وعلى ذكر ذلك أقول إني كنت أحلق لحيتي وشاربي ثلاث مرات في اليوم، لظني أن هذا أعون على سرعة ظهور الشعر. وثانيًا لأني — كما أسلفت — كنت أشعر أني هرم لا ينقصه إلا عصا يتوكأ عليها، وقد كنت أتخذ عصا وأتوكأ عليها ولا أتخلى عنها، وكنت أعلقها على شباك السرير لتكون قريبة المتناول.

أما الآن، فإني أستغرب أن يظن أو يقول أحد إني كبرت. نعم علت سني، ولكني لا أحس بهذا الكبر، ولا يدور في نفسي معناه، وصحيح أن حركتي أصبحت أبطأ، وأن ساقي المهيضة ضمرت قليلًا، فهي تتعبني وتؤلمني، وتصدني عن المشي والوقوف الطويلين، ولكن ما قيمة هذا؟

وكنت في شبابي قليل الثقة بنفسي على الرغم من غروري، فكنت أراجع الكتب أكثر مما أراجع عقلي؛ أي إني كنت أفكر بعقلي ولا أنظر بعيني، بل أفكر بعقول غيري وأنظر بعيونهم؛ ولهذا كانت شخصيتي مستسرة، وقلَّما تتبدى. وكان الذي يتبدى هو اطلاعي، أي ثمرة دراساتي وقراءاتي؛ ولهذا اتهمت بالسطو على آثار الأقدمين، وللتهمة وجه لأن عكوفي على الكتب كان يبدو أثره فيما أكتب أو أنظم، ثم إني طوال عمري ضعيف الذاكرة سريع النسيان، فكان معقولًا أن تعلق المعاني بذهني حتى إذا كتبت شيئًا أو نظمت شعرًا، وخطر لي بعض هذه المعاني؛ توهمتها من «ابتكاراتي». وقد تنبهت إلى هذا الضعف، لما رأيت غير واحد يتهمني بالسرقة الأدبية، فتحرزت جدًّا، وما أظن الآن أن أحدًا يذهب إلى أني أسطو على غيري، والحمد لله.

ذلك أني الآن لا أرجع إلى الكتب إلا إذا كان الرجوع لا مَفَرَّ منه للاهتداء بحقيقة علمية أو تاريخية أو ما يجري هذا المجرى، ولا أعتمد إلا على عقلي وحده، ولا أتخذ من الكتب أصنامًا تُعْبد، بل أقرؤها قراءة الناقد الذي لا يسلم إلا بما يقتنع به؛ فالمعول أولًا وآخرًا على نظري أنا، أما ما أقرأ فقد أصبح كله «محل نظر» عندي على خلاف الحال في شبابي، فقد كنت أتلقى كل ما أقرأ بالتسليم، وعلة ذلك أني لم أجد من يوجهني ويرشدني ويثقفني ويفقهني. نعم، استفدت من إخواني وتابعتهم في مجال الاطلاع، وتشجعت بهم، وأعدوني بغَيرتهم وإخلاصهم، فمضيت أَدِبُّ وراءهم في الطريق القويم، ولكني لم أكن قادرًا كقدرتهم على التمحيص والغربلة والنخل، فنضجوا هم في شبابهم، ولم أشعر أني في سبيل النضج وعلى الدرب إليه إلا في كهولتي. وما نضجت بعد، ولكني خير مما كنت، وأهدى سبيلًا فيما أعتقد، وأقدر على التفكير المستقل، وتلك نعمة حُرِمْتُهَا في الشباب.

لهذا ولغيره ممَّا لا يتسع المقام له، أقول في غير تردد إن كهولتي خير من شبابي، ولم لا؟ وما خير هذا الشباب إذا كانت حيويته تتبدد كالسيل الذي لا تقام له السدود والخزانات للانتفاع به؟ ولمادا لا تَفْضُلُه وتَرْجَحُ عليه الكهولة الناضجة التي تحسن الانتفاع بكل ذرة من الحيوية الباقية؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.