لا يزال الأكثرون ممن يقرءون هذا المقال يذكرون اسمًا زال مسماه، رغم أنه اقترن بتاريخ مصر منذ الحملة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر، ورغم وجوده في كثير من كتب التاريخ والقصص والسياحة التي كانت تنشر إلى سنوات قليلة ماضية في مصر وخارج مصر. ذلك اسم فندق شبرد ذي الشهرة العالمية، والذي ظل قائمًا في قلب القاهرة إلى أن حرقته يد الإثم في ٢٦ يناير ١٩٥٢، ولا يزال الأكثرون يذكرون اسم هذا الفندق، ولا تزال صورته مرتسمة في ذاكرة الكثيرين، بطرازه العربي وأبهائه الفخمة الكثيرة، وبشرفته الفسيحة التي كانت في أشهُر الشتاء من كل عام معرضًا أنيقًا للسائحين والسائحات الذين يقصدون مصر من أرجاء العالم المختلفة.

وبعد بضع عشرات قليلة من السنين سينسى الكثيرون صورة هذا الفندق وطرازه العربي وأبهاءه الفخمة وشرفته الفسيحة، وسينسى الأكثرون موقعه في قلب القاهرة، إلا أن يقام مقامه فندق باسمه ومن طرازه. ذلك بأن الكثيرين والأكثرين من أبناء اليوم يختارون الانتقال من هذا العالم خلال بضع السنين أو العشرات القليلة من السنين المقبلة، وبأن القدر قد أنعم على الناس بنعمة النسيان؛ لأن ما يصيبهم في الحياة من البأساء والضراء يزيد أضعافًا مضاعفة على ما ينالونه فيها من سعادة ونعيم.

في البهو الكبير من أبهاء فندق شبرد وقف المرحوم عدلي (باشا) يكن في ٣٠ أكتوبر ١٩٢٢ يلقي على سامعيه خطابًا يعلن فيه تأليف حزب الأحرار الدستوريين، ويذكر فيه أن مصر لم تنل حقًّا من حقوقها في الاستقلال والحرية إلا باجتماع كلمة بنيها ووقوفهم صفًّا واحدًا يؤيدون مطالب وطنهم، ناسين أشخاصهم ومنافعهم، ذاكرين الوطن وحده، مؤمنين بأن ما ينال الوطن من خير قسمة بين أبنائه، وأن عليهم لذلك أن ينسوا خلافاتهم في سبيل مصر واستقلالها وحرية أبنائها، وأن هذا الاستقلال وهذه الحرية ليست حقًّا لطائفة بذاتها، أو لجيل بذاته، ولكنها حق المصريين جميعًا في حاضرهم ومستقبلهم، حق أبنائهم وحفدتهم على تعاقب الأجيال.

وفي اليوم نفسه، يوم ٣٠ أكتوبر سنة ١٩٢٢، ظهرت جريدة «السياسة» تنطق بلسان الحزب الذي أعلن عدلي (باشا) تأليفه، وكان طبيعيًّا أن تدافع السياسة عن فكرة القومية التي أعلنها عدلي (باشا)، وكنت أنا ولا أزال من أشد الناس إيمانًا بهذه الفكرة، وكان طبيعيًّا، وأنا رئيس تحرير السياسة، أن أؤيدها بكل ما أوتيت من قوة.

ومن شأن الدعوة لهذه الفكرة أن يطبعها الاعتدال، وأن لا يشوبها العنف، وأن يشعر سامعها أو قارئها أنها صادرة من القلب، خالصة لوجه الله والوطن، حتى تثمر ثمرتها، وقد جاهدت وجاهد زملائي في تحرير السياسة أن يكون ذلك شأنها، راجين أن تجد قلوب بني وطننا مفتوحة لها مستعدة للاستجابة إليها.

وكانت صحف الوفد يومئذ تهاجم الحزب الجديد بكل قوتها، وتتهم هذه الدعوة إلى الوحدة بأنها مظهر ضعف وآية تخاذل، وتتهم الحزب نفسه بأنه مستعد لأن يقبل ما دون مطالب الوطن، وأنه يلقي بهذه الدعوة للتفرقة وإضعاف العزائم.

ولم نكن نجيب على هذا الهجوم العنيف بشيء من العنف، بل كنا نجادل بالتي هي أحسن، وكنا نطمع في أن يؤدي اعتدالنا للتخفيف من عنف الصحف الكثيرة التي تهاجم الحزب وتهاجمنا، فقد كانت هذه الصحف صباحية ومسائية، يظهر بعضها باللغة العربية والبعض الآخر باللغة الفرنسية.

لكن مطمعنا لم يتحقق بعد أيام من ظهور السياسة، وجاء إلينا شبان ورجال من أعضاء الحزب وأنصاره يؤاخذوننا باعتدالنا، ويذكرون لنا أن الحملة على الحزب ستزداد عنفًا كلما ازددنا نحن اعتدالًا، وأن الناس سيؤمنون بأن القائمين بهذه الحملة العنيفة على الحق؛ لأن الناس يميلون إلى الظن بأن من يؤيد رأيه بعنف أكثر إيمانًا بما يقول ممن يؤيد رأيه في رزانة واعتدال.

وتحدثت في ذلك إلى عدلي (باشا)، وكان يقيم إذ ذاك في فندق شبرد، فلم يشارك المتبرمين برمهم، بل أثنى على أسلوب السياسة وخطتها، وطلب إليَّ أن أتابع هذه الخطة في إيمان منه بأن الزمن كفيل بإقناع أنصار الحزب أن المجادلة بالحسنى أفعل أثرًا في النفوس، وأنها ستؤدي إلى اقتناع الناس بالدعوة إلى الوحدة الوطنية، وإلى أننا نحن الداعين إليها أدنى إلى أن نحقق لوطننا ما يصبو إليه من خير.

وجاء إلى إدارة السياسة في مساء ذلك اليوم جمع من أنصارنا يكررون برمهم بخطتنا، وحاولت إقناعهم بنظرية عدلي (باشا) فكان جوابهم: إن عدلي باشا لا يواجه الناس كما نواجههم نحن، ولا يسمع منهم ما نسمعه، ولو أنه واجههم وسمع منهم مثلنا لكان أشد ثورة منا على هذا الذي تسمونه اعتدالًا.

ولم يكن لي أن أعدل عن الخطة التي أشار بها رئيس الحزب، وإن كنت قد بدأت أنا كذلك أضيق بمهاجمة الصحف لنا، وبرميهم إيانا بالضعف، هذا ولم يكن أيسر عليَّ وعلى زملائي من مواجهة اللهجة العنيفة بلهجة أعنف منها، فالعنف لا يحتاج من الروية والتفكير ما يحتاجه الاعتدال، لكن رئيس الحزب هو المسئول عن سياسته، وشخصه أكثر تعرضًا للهجوم عليه وتجريحه من أي شخص آخر، أمَا وهو يقبل هذا التجريح وهذا الهجوم العنيف ولا يريد أن يرده بمثله، فليس من حقنا أن نخالفه عن رأيه وأن نعارض إرادته.

وإنني لأقف من شباب الحزب ورجاله هذا الموقف إذ جاءني المرحوم محمد صالح (باشا) المستشار السابق بمحكمة الاستئناف، والشيخ الرزين المعروف باعتداله، وهو أكثر ثورة بنا وبخطتنا من الشبان والرجال الذين تحدثوا إليَّ قبله، وكان محمد (باشا) صالح عضوًا بمجلس إدارة الحزب، فما طالعته برأي رئيس الحزب وذكرت له أنَّا لا نستطيع أن نعدل عن خطتنا ونخالف رئيس الحزب إلا أن يبيح الحزب لنا العدول عنها، وأنَّا على استعداد لمواجهة الصحف التي تهاجمنا بأعنف من لغتها وأسلوبها إذا أباح لنا الحزب أن نسلك هذه الخطة، تركني وذهب فقابل عدلي (باشا) وطائفة من أعضاء مجلس الإدارة، ثم إذا الدكتور حافظ عفيفي صاحب امتياز جريدة السياسة وعضو مجلس إدارة الحزب يبلغنا غداة الحديث الذي دار بيني وبين محمد صالح (باشا) أن خطة المجادلة بالتي هي أحسن لم تنتج الثمرة المرجوة منها، وأَنَّا يجب لذلك أن ندفع عنف خصومنا بعنف مثله.

وكتبت الغداة مقالًا عنوانه «إذن فاسمعوا» ذكرت فيه أنَّا حاولنا جمع الكلمة فأبى خصومنا أن يستجيبوا لدعوتنا واتهمونا فيها، وأنَّا لذلك لم يبق لنا بد من منازلتهم في الميدان الذي أصروا على جرِّنا إليه، واندفعت واندفع زملائي في الأيام التالية يجادلون خصومنا بلغة كلغتهم.

وبعد أيام قلائل من هذا الاتجاه قتل من رجالنا المرحومان حسن عبد الرازق (باشا) وإسماعيل (بك) زهدي، فكان طبيعيًّا أن نزداد عنفًا وأن نتهم خصومنا بأن سياستهم هي التي أدت إلى ارتكاب هذه الجريمة المنكرة الشنعاء.

واطردت الخصومة الحزبية بعد ذلك بالغة غاية العنف إلى الأيام الأخيرة من سنة ١٩٢٥ والأيام الأولى من سنة ١٩٢٦، حين تم الائتلاف بين الوفد والأحرار الدستوريين. ولم تكن دعوتنا إلى الوحدة هي التي أدت إلى هذا الائتلاف، ولم يؤد إليه تفكير هادئ في المبادئ من حيث هي، وإنما أدت إليه أحداث لم تكن من عمل أي من الهيئتين. أحداث أخرجت الوفد من الحكم على أثر مقتل الإنجليزي سردار الجيش المصري، وأخرجت الأحرار الدستوريين من الحكم لأنهم لم يقبلوا أن يستأثر القصر ورجاله بالأمر في البلاد، عند ذلك رأت الهيئتان أن لا مفر من ائتلافهما لمواجهة موقف لا تستطيع أيتهما وحدها أن تواجهه.

كثيرًا ما فكرت في هذا التطور من بعد، وفيما كان ينطوي عليه من خير وشر، وإنني لفي هذا التفكير إذ قرأت الخطابات التي تبودلت في سنة ١٩٢٧ بين عبد الخالق ثروت (باشا) رئيس الوزارة المصرية ووزير الخارجية فيها، وبين سير أوستن تشمبرلين وزير الخارجية البريطانية حين كانا يتفاوضان لعقد اتفاق بين مصر وإنجلترا، وفي خطاب لسير أوستن تشمبرلين قرأت عبارة وقفت عندها طويلًا، ورأيت فيها جوابًا على السؤال الذي شغل بالي عن سر التطور الذي حدث في مصر خلال السنوات الخمس الأخيرة وانتهى إلى الائتلاف الذي أشرت إليه. هذه العبارة هي قول الوزير البريطاني: «كثيرًا ما كانت الحوادث أقوى من الرجال»، وذلك تعقيبًا على ما ذكره من أن إنجلترا لم يكن في نيتها البقاء في مصر حين دخلتها بعد حوادث سنة ١٨٨٢، ولم يعنني من هذه العبارة أن أحقق صحة ما ذكره الوزير عن نوايا إنجلترا من الناحية التاريخية، وإنما عنتني هذه الجملة التي علق بها على هذه النوايا، وبأي مقدار تصدق في الحياة الفردية، وفي الحياة القومية، وفي الحياة الدولية.

فقد كنت أحسب يومئذ، وكنت في عنفوان الشباب، أن الإرادة الإنسانية قديرة على كل شيء، وكنت أومن بصحة القول الفرنسي «من أراد قدر» “vouloir c’est pouvoir”. ولم يكن يدور بخاطري أن يقول وزير الخارجية البريطانية ودولته في أوج قوتها أن الحوادث كثيرًا ما كانت أقوى من الرجال، فلما كتب هذه العبارة في خطابه إلى رئيس الوزارة المصرية وقفت عندها طويلًا، وعدت بذاكرتي إلى ماضي حياتي، وإلى حياة أهلي وحياة قومي، فتبينت صدق ما قال وأدركت على ضوئه السر في أن دعوتنا إلى الوحدة القومية أول ظهور جريدة «السياسة» لم تنتج الثمرة التي كنا نرجوها، كما أدركت السر في التطورات التي حدثت من بعد وأدت إلى ائتلاف سنة ١٩٢٦. لكني أدركت إلى جانب هذه الحقيقة المادية حقيقة مادية هي الأخرى، فإذا كانت الحوادث في كثير من الأحيان أقوى من الرجال فالإرادة الصادقة والنظر الثاقب وحسن البصر بالأمور يستطيع كل ذلك أن يوجه هذه الحوادث، بالغة ما بلغت قوتها، إلى الناحية التي يريدها صاحب هذه الإرادة والنظر وحسن البصر، إذا عرف كيف يجعل الزمن في صفه، وكيف يستهين بالتضحية، وكيف يقف عزمه إلى جانب إرادته فلا يضعف ولا يلين.

فإذا صح أن الحوادث كثيرًا ما كانت أقوى من الرجال، فصحيح كذلك أن للرجال من السلطان على الحوادث ما يجعلهم يتحكمون فيها كما يتحكم الرجل القوي في عود الحديد فيلويه إذا عرف كيف يحمِّيه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.