تتردد الشكوى من التليفزيون كثيرًا باعتباره المسئول عن انصراف كثيرين عن القراءة، أو عن المصدر الحقيقي للثقافة الجادة. وهذا يدعونا للتساؤل عن الموقف الذي يجِب اتخاذه بإزاء الاختراعات الجديدة التي تخلقها الحضارة في نموها وتقدمها. هل نطالبها بألَّا تأتي بجديد من شأنه أن يُضعف من مكاسبنا القديمة؟! نحن لا نملك ذلك بطبيعة الحال، لا نملك أن نُوقِف الخيال عن الإبداع، ولا أن نجمد الحضارة عند نقطة لا تتعداها. فعلى الإنسان أن يبدع، وعلى الجديد أن يولد، وعلينا نحن أن نتكيَّف مع كل جديد بحيث نطوعه لخيرنا وخير الإنسانية. فالحق أن التليفزيون ليس مسئولًا عن انصراف مَن انصرف عن القراءة، أما المسئولية فتقع علينا نحن الذين لم نزود أبناءنا بالمناعة الثقافية الكافية التي تمكنهم من الاستمتاع بالتليفزيون دون تفريط في القراءة والثقافة الجادة، نحن الذين لم نهيئ لهم التربية الضرورية في سني الطفولة والشباب، ونحن الذين نيسر لهم وسائل الاطلاع بالمجان أو بالأسعار الزهيدة، ونحن الذين حرمناهم من المناخ الحر الصالح لازدهار الفكر والفن، من أجل ذلك جاء التليفزيون فوجدهم ضحايا جاهزة على تمام الأهبة للارتماء في أحضانه دون قيد أو شرط، بل وإدمان التعامل مع برامجه الترفيهية وتجنُّب عروضه الجادة والثقافية. هذه هي المشكلة في جوهرها، إنها كامنة فينا لا في التليفزيون، فعلينا نحن أن نقوم بواجبنا نحو أنفسنا ونحو أبنائنا لنعدهم لمواجهة الحياة كما ينبغي لهم، وعند ذاك يصبح التليفزيون مصدر إشعاع للثقافة والترفيه تتكامل به حياتنا الرُّوحية دون خسارة لقيمة من القيم الرفيعة التي نحرص عليها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.