جهد ضائع هذا الذي تُنفقُه الوزارات والبرلمانات في وضع القوانين ودرسها وتمحيصها في مكاتب الوزراء، وفي اللجان الوزارية، ثم في هيئات الفقهاء، فمجلس الوزراء، فالمجالس النيابية، ما دام احترام هذه القوانين والنزول عليها عندما تريد أمرًا ليس مقطوعًا به، بل ليس مرغوبًا فيه.

فالرجل العاقل لا يأتي ما يأتي من الأمر عبثًا، وإنما يعمد إليه لأنه يريده وهو يريده؛ لأنه يلتمس من ورائه تحقيق غرض والانتهاء إلى غاية. فأمَّا أن توضع القوانين وتشرع لا لشيء إلَّا أنها تُوضع وتُشرع؛ فهذا لون من ألوان العبث لا أفهم كيف يقصد إليه العقلاء، وكيف يتورطون فيه.

والأمر في القوانين التي تشرع ثم لا تحترم ليس مقصورًا على العبث السخيف وحده، بل هو يتجاوز ذلك إلى أشياء أخرى خطيرة قبيحة الأثر في حياة الناس، شديدة الخطر على ما بينهم وبين حكوماتهم من صلة؛ فليس أشد خطرًا على العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وليس أقبح أثرًا في الصلة بين الوزارات والشعوب من أن تؤمن الأمم بأن الحكومات تعبث بها، وتهزأ بمرافقها، وتشرع القوانين ثم لا ترعى لها حرمة، ولا تنزل لها عند إرادة أو حكم.

نحب أن نعلم فيم غُيِّر قانون الجامعة، وفيم تكلَّفت الوزارة والبرلمان ما تكلَّفا فيه من جهد، وفيم أنفقت الوزارة والبرلمان ما أنفقا فيه من وقت، إذا لم يكن الغرض الأول من شرع هذا القانون إنما هو تنفيذه وتسيير أمور الجامعة على مقتضاه! لقد كنَّا ننكر تغيير القانون القديم، ونرى فيه هدمًا لاستقلال الجامعة ومحوًا لحقِّها في الحرية، وقضاءً على شخصيتها العلمية … وكنَّا نلوم الوزارة على هذا التغيير ونشتد في اللوم، وكنَّا نلوم البرلمان على إقرار هذا التغيير، وكنَّا نلوم الجامعيين في السكوت على هذا التغيير ونشتد في اللوم.

فقد ظهر الآن أنَّا كنَّا مخطئين أشد الخطأ؛ لأن القانون الجديد بعيد كل البعد عن أن يُرضي حاجة الوزير إلى العبث بالجامعة، فلا بدَّ من تغييره هو أيضًا، وظهر أن هذا القانون يُضيِّق من سلطان الوزير على الجامعة، ويضطره إلى مواقف يحسن أن لا يضطره إليها، فلم يغير الوزير إذن قانون الجامعة كما ينبغي، ولم يُوفَّق البرلمان حين أقرَّ هذا التغيير، بل كان ينبغي أن يطلب منه المزيد حرصًا على حق الوزير وسلطانه، ولم يُوفَّق الجامعيون حين سكتوا على هذا التغيير؛ لأنه لا يبلغ من إذلالهم ومحو حريتهم مقدار ما يطيقون، فهم يطيقون أكثر مما أطاقوا إلى اليوم، وهم يحتملون أكثر مما احتملوا إلى اليوم. وقد قام الدليل على هذا كله في هذه القصة الطريفة الظريفة؛ قصة اختيار العميد لكلية العلوم!

كان القانون القديم يجعل للوزير حق اختيار العميد بين الأساتذة ذوي الكراسي، بعد أن يستشير مجالس الكليات، وكان رأي مجالس الكليات لا يقيد الوزير، فكان من حقه أن ترشح له الكلية زيدًا فيختار هو عمرًا، ولكن وزراء المعارف لم يستمتعوا قط بهذه الحرية، بل نزلوا دائمًا عند اختيار مجالس الكليات، فعينوا من اختارتهم هذه المجالس لم يشذ منهم أحد في ذلك.

فلما كان وزير التقاليد، وأراد أن يغير نظام الجامعة، خيل إليه أن في تغيير هذا القانون فيما يمس انتخاب العميد بسطًا لسلطانه؛ فجعل لمجالس الكليات الحق في أن ترشح له ثلاثة من الأساتذة ذوي الكراسي، على أن يختار هو من بين هؤلاء الثلاثة واحدًا، ليس له أن يعدوهم في الاختيار، وأنفذ القانون في الكليات الطب والحقوق والآداب، فرشحت كل واحدة منها ثلاثة، واختار الوزير العمداء لهذه الكليات بين هؤلاء المرشحين.

فلما كان انتخاب العميد لكلية العلوم ظهرت مشكلة لم يصبر لها الوزير، ولم يخلص منها إلَّا بمخالفة القانون ولمَّا يمضِ على صدوره شهر … اجتمع مجلس كلية العلوم ورشح ثلاثته، فكانت نتيجة الانتخاب السري أن أُقصِيَ العميد الإنجليزي السابق، وقدمت الكلية ثلاثة من المصريين. ولم يشك الجامعيون حين ظهرت هذه النتيجة في أن الوزير سيضيق بها، ولكنهم لم يقدروا أنه سيضعف عن احتمالها، وسيتجاوز حدود القانون الذي وضعه هو، ودافع عنه هو أمام البرلمان، وزعم أنه يحقق استقلال الجامعة، ويرعى حرمتها، ويحفظ لها الكرامة التي ينبغي أن تُحفَظ للجامعات.

ولكن عمل الوزير أثبت أن الجامعيين كانوا واهمين أشد الوهم، مخطئين كل الخطأ؛ فقد ضاق الوزير بنتيجة الترشيح كما قدَّروا، ولكن ثقل هذه النتيجة ناء به، وناء بالجامعة معه أيضًا. زعموا أنه كلف مدير الجامعة بالنيابة أن يقنع هؤلاء المرشحين المصريين بأن ينزلوا كلهم أو بعضهم عن هذا الترشيح؛ ليُعاد الانتخاب وينفذ العميد السابق بين المرشحين، وقبِل مديرُ الجامعة بالنيابة هذا التكليف لأنه يلائم القانون، ويلائم كرامة الجامعة وحرمة الجامعيين، ويحقق للجامعة استقلالًا لا شك فيه.

قبل مدير الجامعة بالنيابة هذا التكليف، وأنفذ مدير الجامعة بالنيابة هذا الأمر فيما يُقال، ودعا إليه هؤلاء المرشحين فحاورهم وجادلهم، ولكنه لم يبلغ منهم شيئًا. هنالك دعاهم الوزير فيما يُقال أيضًا، فحاور وجادل واشتد في الحوار والجدال، وزعم الزاعمون أن الأمر انتهى به إلى الوعيد والتهديد، وذكر النقل والتشريد، ولست أدري كيف انتهى الحوار، ولكن الشيء الذي لا شكَّ فيه هو أن الانتخاب الأول أُلغي، وأُعيد مكانه انتخاب جديد نفذ فيه العميد الإنجليزي السابق، ولم تكد نتيجة الانتخاب الثاني تُرفع إلى الوزير حتى اختار العميد الإنجليزي السابق، فعينه عميدًا جديدًا لكلية العلوم، وجعل إليه أمور هذه الكلية لثلاثة أعوام تبدأ منذ أمس.

في هذه القصة عِبَرٌ كثيرة، فيها تجاوز هذا القانون الذي وضعه الوزير نفسه ودافع عنه. وليس لهذا التجاوز مصدر إلَّا إرضاء الإنجليز، أو اتقاء غضب الإنجليز. وفي هذا دليل — لا يقبل الشك ولا يحتمل الريب — على أن وزارتنا مستقلة لا تحفل بالإنجليز، ولا تأبه لهم، ولا تحسب لهم حسابًا.

أليس رئيسها هو الذي ردَّ على مكدونالد ذلك الرد التاريخي الخالد؟

وفيها أن مدير الجامعة بالنيابة قَبِل أن يُنفِّذ أمر الوزير، فطلب إلى المصريين أن يتخلوا عن ترشيحهم لزميل إنجليزي، وألحَّ عليهم في هذا — إن صح ما قال الرواة — فكان هذا دليلًا ساطعًا ناصعًا على أن الجامعة تحرص على حقِّها، وتحتفظ بكرامتها، وترعى حرمة قانونها. وهي بذلك تكره الوزراء على أن يكبروها ويحترموها، ويحصلوا لها على الاستقلال!

وقام الدليل الساطع الناصع أيضًا على أن الجامعة تشعر بالقومية المصرية شعورًا قويًّا رهيبًا، يضطرها إلى أن تطلب إلى الأساتذة المصريين أن يتنحوا عن منصب العميد للأساتذة الإنجليز …

وفيها عبرة ثالثة، هي أن الأساتذة المصريين ليسوا أقل احترامًا لقوانين الجامعة واستقلالها، ولا أقل شعورًا بالقومية المصرية وكرامتها من مدير الجامعة بالنيابة، ومن وزير المعارف؛ فقد قبلوا أن يُخالَف القانون، وقبلوا أن يتنحُّوا للإنجليز، وقبِلوا أن يُعاد الانتخاب، وقنع مرشحهم الأول لمنصب العميد بأن يكون وكيلًا لهذا العميد الإنجليزي.

ثم يتهم المصريون بعد ذلك بأنهم متعصبون، يضيقون بالأجانب، ويؤثرون أنفسهم بالخير من دونهم.

وفيها عبرة أخرى، وهي أن المصريين لن يفوزوا بشيء، ولن يصلوا إلى شيء، ما دام وزراؤهم يُقدِّرونهم على هذا النحو، وما داموا هم يُقدِّرون أنفسهم على هذا النحو، وما دام خاصتهم، وهم الجامعيون، أشبه شيء بالعجينة المرنة يصورهم أصحاب السلطان كما يشاءون.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.