لست أعلم أن لي إرادة رَبَّيْتُهَا، ولكني أعلم أن الزمن من رباني ورباها لي إلى حد ما، أليس الشاعر يقول: «من لم يؤدبه والداه، أدبه الليل والنهار»؟ وأنا ذلك الرجل الذي حُرِمَ تأديب الوالدين فتولى الزمن تأديبه، وتاللهِ ما أغلظ عصا الزمن، وأوجع وقعها على الطفل.

وأحسب أن إرادتي — إذا كانت لي إرادة — ليست إلا ضربًا من «العناد» الصبياني، وقد يستغرب القارئ قولي هذا، ولكنه الحقيقة فيما أعتقد. وأشرح ذلك فأقول إن أبي مات وأنا طفل فتولت أمي تربيتي بلا مُعين سوى لطف الله في قضائه … وكانت سيدة صالحة صريحة، ليس في طباعها التواء، وكانت مزيتها الجلية: الصدق، والصبر، والجلَد، والتعفف، والتوكل على الله، والتواضع الذي كله كبر؛ فلم يكن يخجلها أو يضعضع نفسها أننا صرنا إلى الفاقة بعد أبي، ولم تكن تتطامن أمام الأثرياء من أهلنا الذين كانوا يوقرونها لعقلها وحكمتها وصلابة عودها.

وعلى الرغم من فقرنا، ونضوب الموارد جميعًا، وعلى الرغم من معارضة ذوي قربانا الأدنين، أبت كل الإباء إلا أن أمضي في التعليم إلى نهايته المقدورة، وكانت تبيع حُلِيَّهَا، وما لا حاجة إلينا به من أثاث، بل ما كان عنها من ثياب، (اعتاضت منها السوادَ الذي ظلت تلبسه ثلاثين عامًا ولم تخلعه إلا قبل وفاتها بشهور) لتنفق على تعليمي، حتى وسع الله رزقنا قليلًا، وكانت تقول لي — فيما بعد: «ثق بالله دائمًا، وكن على يقين أنه ساترنا وأنه لن يفضحنا، ألست ترى كيف أدركتنا رحمته ونحن على حرف الهاوية التي لا قرار لها؟» ولم تقل هذا بلفظه، بل بمعناه، فقد كانت لا تقرأ ولا تكتب. لا، لم تكن أمية، فقد كان أبوها وأخوها عالِمَيْن، وتزوجت عالمًا ابن عالم، فحفظت سورًا من القرآن الكريم، وبعض الأحاديث، وكثيرًا من الحكم والمواعظ والأدعية«والأوراد»، ولم يكن عجيبًا أن تحفظ هذا كله، وإنما العجيب أنها كانت نادرة زمانها في «الأمثال العامية».

وكان أول ما علمتني — وأنا طفل — أني «رجل البيت» و«سيد الأسرة ومعوِلها» بعد الله، وعودتني — تبعًا لذلك — الاستقلال والحرية، وبغَّضت إليَّ الكذب، والعبث الصبياني، وكل ما لا يليق بالرجل ذي الكرامة والمروءة. وكانت تحترم رأيي وتنزل على رغبتي، لا تدليلًا لي، بل لتعودني احترام النفس، وتقرر في ثرى نفسي أن لي كرامة، وأني ذو شأن ومكانة، وكانت إذا خالفتني في رأي تجادلني مجادلة النِّدِّ للنِّدِّ، وإذا بدا لها مني طيش أو إسراف أو حماقة، تبسط لي الأمور على وجهها الصحيح، وتكلني بعد ذلك إلى رأيي. وكانت تؤثر في توجيهي سبيل الإيحاء الخفي، فلا تأمر ولا تزجر ولا تعترض، بل تلقي بالكلمة، وكأنها غير مقصودة أو متعمَّدة، ثم تتركني لأفكر فيما سمعت، وما أكثر ما كنت أرجع إليها مقرًّا بالخطأ، فتقول: «كل إنسان يا ابني يخطئ، والمهم هو الرجوع إلى الحق إذا تبينته.»

ولم تكن — كما قلتُ — تريد تدليلي، فقد كانت تروضني على السكون إلى حياة خشنة جدًّا، ولكن أسلوبها الاستقلالي في تربيتي جعل مني إنسانًا كثير النقائض: ففيَّ عناد شديد، لا أعرف أن لي قدرة على كبحه، فأنا أركب رأسي، أو أضعه على كفي وأمضي على وجهي غير عابئ بشيء مما كان أو ما عسى أن يكون، وليس هذا العناد إلا حماقة، أو قُلْ إنه مظهر صبيانية؛ فإن الرجل الرشيد ينبغي أن يفكر ويتروَّى ويتبصر العواقب.

وهذا العناد الصبياني لا يطول؛ فإني أراني لا أكاد أمضي راكبًا رأسي كما قلت، حتى أعود فأتردد وأراجع نفسي، ولكن بعد ماذا؟ بعد خراب مالطة — كما يقول العامة — فلا أنا بلغت شيئًا، ولا أنا بقيت حيث كنت. فإذا لم تكن هذه صبيانية، فماذا تكون الصبيانية غير ذلك؟ وأين مظهر الإرادة هنا إلا في الزجر بعد الأوان؟

وأفادتني تربيتها لي على هذا النحو، شعورًا دقيقًا بالمسئوليات فأنا أُقَدِّمُهَا حتى على الحقوق، أليست قد علمتني أني رجل مسئول منذ كنت طفلًا؟ ولكن مع حرصي على الاضطلاع بالتبعات أراني أخشى جدًّا أن أكون ظالمًا أو متعنتًا؛ فأنا لا أزال أرفع الميزان لنفسي قبل أن أرفعه لغيري، ولا أَنْفَكُّ أضع نفسي في موضع غيري لأرى كيف كنت خليقًا أن أتصرف لو كنت مكانه، فتكون النتيجة ماذا؟ تكون ألَّا أفعل شيئًا؛ لأن عقلي يقول لي شيئًا، وضميري يقول لي شيئًا آخر، وأنا أوثر أن أنقاد لضميري، ولكني لا أستطيع أن أُهْمِلَ ما ينادي ويشير به عقلي.

ثم إن حياتي أو نشأتي أرتني كيف تخبط الحظوظ خبط عشواء، وعلمتني أنه لا قيمة للحياة الفردية وإنما القيمة «لجملة» الحياة، حياة الجماعة الإنسانية بأسرها، وحياة الحيوان والنبات، من كل نوع وطبقة؛ ومن هنا أصبحت لا أغالي بشيء شخصي أو أعتز به، أو أقيم وزنًا لحياتي كفرد ليس إلا مظهرًا ضئيلًا لا يقدم أو يؤخر في جملة الحياة بمظاهرها المختلفة في هذا الكون الرهيب.

ومن هنا أيضًا أعتقد أن الإنسان آلة في يد الحياة وأنه مُسَيَّرٌ لا مُخَيَّر وأن ما يعتقد أنه رُزِقَه من المواهب والملَكات يصرفه عن النظر السديد والإدراك الصحيح، ويخدعه ويعينه على مغالطة نفسه.

ومن كان هذا رأيه، فكيف بالله تكون له إرادة! ما إرادة قطرة الماء في البحر الأعظم؟ ما إرادة من يدفعه التيار إلى هنا وههنا وهو يتوهم أنه في فُلك، وأن بيده السُّكَّان(دفة قيادة المركب أو السفينة)؟

قد تكون لي إرادة — وإن كان شكي كبيرًا — في هذا، ولكنها إرادة سلبية أو قل إنها الإرادة التي رباها لي الزمن وما لقيت فيه، والتي أحاول أن أفهم بها الحياة والناس على الوجه الصحيح على قدر ما أستطيع، أما أن أريد شيئًا وأسعى له حتى يكون، فلا! لم أرزق هذه القدرة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.