أيام الشباب!

هل وَلَّت؟

ركبت الترام مرة، وكان لا موضع فيه لقدم، ولكني تعلمت أن أزاحم، ووقفت وظهري إلى باب، وإذا بفتاة صغيرة تنهض عن مقعدها وتقول «تفضَّل» فشكرتها، وقد ظننت أن محطتها أقبلت، غير أن المحطة جاءت ومضت، وهي واقفة لا تنزل، فأردت أن أردها إلى مقعدها فأبت، وقالت إني رجل كبير كوالدها! ولم يكن في هذا مبالغة؛ فقد كانت غضة السن جدًّا، وبني كلهم أكبر منها، وكان المعقول أن أرضى عن هذا الأدب، ولكني امتعضت وتعجبت، وما زلت إلى الساعة، بعد أكثر من عام، مغيظًا محنقًا لما سمعت منها.

لم يغضبني أن أكون كوالدها، فإني مستعد أن أكون أبًا لجيل بأسره، وقد خُلِقْتُ لتعمَّر الدنيا بنسلي، وإنما ثقل على نفسي أن أسمع أني «رجل كبير»، وأنا أكره المغالطة والمكابرة، وعلى الخصوص مغالطة النفس، ولكني أرى أن سني التي ترتفع على الأيام قد جعلتني «كبيرًا»، ولا أشعر أني «كبرت» وإن كان مظهري قد اختلف، من هنا كان امتعاضي من وصفي بالكبر، لأنه كان منافيًا لشعوري، أو صدمة كما يقولون.

ولا حاجة بي أن أقول إن المعول ليس على عدد السنين، بل على مبلغ امتلاء العمر، ونوع الشعور بالذات، وأنا أحس إحساسين متباينين: إذا اعتبرت ما مر بي وما حفل به كثير من أيامي، فأنا أحس أني أعلى سنًّا من نوح الذي يقال إنه عمر ألف سنة، أو أن الدهر كله عمري، وإذا اعتبرت إحساسي بنفسي، فأنا ما زلت مجتمع القوة لا أعبأ بشيء، ولا أجعل بالي إلى هذا الشيب الذي شاع في رأسي «كنار الحريق ذات الوقود»، وما أراني في الحالتين إلا مبالغًا — كذلك يقول لي عقلي — فما اكتظت حياتي الاكتظاظ الذي يسوغ الشعور بأني قديم كالجبال، وقد استبانت فيَّ السن بلا مراء، فليس في وسعي أن أزعم أني ما زلت شابًّا أو فتى يافعًا، ولكن كلام العقل غير الشعور المستفيض المالئ لشعاب النفس، وهذا شعوري الذي يستغرقني قد وصفته في الحالتين.

قبل أن أعود من بغداد بيومين أقيمت لي حفلة في نادي المحامين، وكان من خطبائها الأديبة «نزيهة أديب»، فكان مما قالت: «أحسب أن المازني يقول اليوم ألا ليت الشباب يعود يومًا». وقد هممت بالرد عليها حين نهضت لأشكر القوم، ولكني كبحت نفسي، لأني تعودت أن أنام على الخاطر ليلة أو ليلتين لأرى ماذا يكون من أمره، وعلى أني قلت لها بعد الحفلة، إني لو خُيِّرت لاشترطتُ أن أعود إلى الشباب بعقلي هذا وبما أفدت من خبرة وأكسبت من تجربة، غير أني لما عدت إلى الفندق في تلك الليلة ألفيتني أتناول القلم وأكتب:

«فتحت عيني — أول ما فتحتها في حداثتي — على دنيا تنزع الكرة من يد الطفل وتقول له: أتظن نفسك طفلًا، له أن يلهو ومن حقه أن يلعب! لَشَدَّ ما ركبك الوهم يا صاحبي! لا كرة ولا لعب، وعليك أن تثب الآن وثبًا من هذه الطفولة التي كان ظنك أن ترتع في ظلها، إلى الكهولة دفعة واحدة — حتى الشباب يجب أن تتخطاه وثبًا أيضًا.

كلا، ولم تكن لي طفولة، لأن الأيام أَبَتْ إلا أن أشب عنها فجأة، وإلا أن تقلع ما نجم من عودي من منبتة، وتغرسه بين الربوض والدوحات، وتكلفه أن يغالب مثلها الرياح، وأن يعجل بالتنوير والإثمار والينع.

ولا كان لي شباب؛ لأني قطعته وثبًا كما قلت، وماذا يبقى من الطفولة أو الشباب لغلام احتاج في صدر حياته أن ينظر بعينه، ويفكر بعقله، ويتدبر مصائر الخلق، وأُرغِم على أن يدرك أن عليه تبعات يجب أن ينهض بها غير متململ، وأن له غايات ينبغي أن يدركها بسرعة البرق الخاطف، وأن له شأنًا غير شأن الناس — غلام لم يسع أمه إلا أن تقول له وقد سألها أَلَا يلعب؟ «بلى، ولكن بغير كرة يضيع فيها مال في حاجة إليه لقوتنا، إن الكرة تشجع على الركض، وتغري بالنط، فاركض بدونها ونط بغيرها، وسترى أنك لن تخسر شيئًا.»

وقد نط الغلام وركض ولعب بغير كرة، ولم يحل نزع الكرة من يده دون ذلك، ولكنه خسر؛ لأنه صار ينط ويلعب لأن هذا واجب، لأنه ما تتطلبه الحيوية التي لا تزال مقصورة على أعضائه، على حين كان يركض غيره لاهيًا متسليًا غافلًا عن معنى الواجب فيما يفعل أو يترك، وخسر لأن نفسه امتلأت مرارة، ولأن الحوادث أرهفت إحساسه حتى صار كما المبراة يخز قلبه ويقطعه، وخسر لأنه ثار على دنيا يستطيع فيها واحد أن يجني، وهو آمن على جماعة لا ذنب لهم، ولأن ما أصابه وهو طري العود أورثه عقدة نفسية، أو «مركب نقص» كما يقولون.

وصارت حياته في شبابه — وما زالت على الأرجح — خليطًا متنافرًا متناقضًا، وهو متمرد، يعد الذين نشئوا في حجر النعمة ولم يُمتحنوا مثله، من «المنبوذين»؛ لأنهم يتكلفون غير مخلصين لأنفسهم ولآدميتهم، ولأنهم مترفون متطرون خرعون يعيشون عيشة الفضول والتطفيل، ولا يحيون حياة صحيحة ملأى بحركة العقل والشعور، ويرى أن الدنيا لا احتفال بها، والحياة لا قيمة لها، وأن له أن يستمتع بما شاء كيف يشاء، وأن لا يبالي بمخلوق أو يعبأ بعُرْف، أو يكترث لرأي الناس.

ولكن المحنة التي أفادته صلابة وعزمًا وثقة بالنفس وجرأة على الحياة والمغامرة فيها، أفادته أيضًا الاتزان واحترام النفس والاعتزاز بالكرامة، والحرص عليها، ورحبت أفقه، ووسعت نفسه وعمَّقتها، وحمته أن يسرف على نفسه وعلى الناس، وعرَّفته بالقيم الحقيقية لمُتَع هذه الدنيا ولذاتها، ورققت قلبه وإن كانت قد جفَّفت عبراته، وأرضته عن الحياة، وشرحت صدره للناس، وعلَّمته التسامح الذي مبعثه الفهم وصحة الإدراك، فصار يعذر ولا يستنكر، ويسكن أكثر مما يثور، ويسرُّه أن يرى الناس مغتبطين راضين.

وصارت مشكلته الكبرى أن يفهم نفسه لكثرة ما يرى من تناقضها — أي إنسان هو؟ إنه نافر ناقم، ولكنه راضٍ جذل، ورشيد متزن إلا أنه طيَّاش، وجادٍّ ولاهٍ في آنٍ معًا، صارم العزم، ولكنه لينٌ سهل الانقياد جدًّا، يضحك كثيرًا ومن أعماق قلبه فيما يُخيل إليه، وإذا به يقطع الضحكة ويتساءل فيما بينه وبين نفسه: «أكانت هذه الضحكة من القلب؟ أتراني مسرورًا حقًّا؟» ويشرب ويسكر ويجعل همه أن يضحك من الناس وأن يركبهم بالسخر والعبث، وإذا به يدرك أنه هو أضحوكتهم، فيفيق جدًّا كأنما ما كان ذاق شيئًا، ويشتهي ثم ينتهي ولا هو راضٍ عن الاشتهاء، ولا هو ساكن إلى الانتهاء، ولا هو مقتنع بالصواب أو الخطأ في الحالين.

ومتى راح الشاب يفكر ويتساءل على هذا النحو، فماذا يبقى له من هذا الشباب؟

ولم تكن الحياة في ذلك الزمن السالف تعين على ازدهار عود الشباب، وتفتُّح أكمامه، فكان قصارانا أن نتمشى على شط النيل، أو نركب زورقًا نقضي فيه ساعة، أو نشرب بضع أقداح من البيرة الألمانية، ثم نكر راجعين إلى بيوتنا لنعكف على كتبنا عكوف العابد على صنمه، ثم ظهرت «الزحلقة» بالقباقيب فصارت مَسْلاتي الكبرى، وكان شغفي بها هو الذي هاض ساقي اليسرى، ومهَّد لما أصابها فيما بعدُ، فأورثني هذا العرج المزعج، لا لأني أعرج، فما أبالي هذا، بل لأني أتأذَّى منه.

ولم يكن للمرأة وجود في هذا الصدر من حياتنا، فقد كانت تحتجب ولا تبرز، فكانت الحياة ذات صفحة واحدة مملة، وكان أحدنا ربما غالط نفسه وأوهمنا أنه يحب، وماذا بالله يحب؟ ملاءة وبرقعًا؟ وأذكر أني كنت ألتقي في طريقي إلى مدرسة المعلمين العالية — وكنت طالبًا بها — بطالبة يمشي وراءها خادمها الزنجي يحمل لها كتبها وكراساتها، فأنظر إليها بمؤخر عيني، وتلحظني هي من خَلَل البرقع، وحرصت على لقائنا كل صباح وكل عصر، فقد كان طريقنا واحدًا، ولكنَّا لم نكن نزيد على هذا اللحظان في استحياء، ولم يخطر لي قطُّ أن أتبعها لأعرف بيتها، ولو كنت فعلت لكان من الممكن أن أمنع وقوع مأساة، فقد أحَبَّها قريب لنا كان بيته أمام بيتها، وانتحر المسكين لأن أباها لم يَرْضَه لها زوجًا! وكانت هي تراني أزور قريبي هذا، فعرفتْ أني من أهله، ومضت أعوام فركبت الترام مرة، فإذا أمامي سيدة سافرة خُيِّلَ إليَّ أني أعرفها، أو أني رأيتها من قبلُ، وكانت هي أيضًا ترمقني وتحدجني بالنظر حين يكون وجهي إلى غيرها، وأخيرًا تشجعت وسألتها: «هل أعرفك؟»

فتبسمتْ وقالت: «أنا أيضًا أسأل هذا السؤال؟»

فقلت: «هذا موضوع يستحق البحث.»

وقد فعلنا، فتبيَّنت أنها هي الطالبة القديمة، التي انتحر قريبي من أجلها، فسألتها: «لماذا رفض أبوك أن يزوجه منك؟»

فكان جوابها الذي يكشف عن عقلية ذلك الزمان: «لأنه رآه «يشاغلني» فخشى المعرَّة.»

قلتُ: «أيُّ معرَّة في أن يحبك شاب ويخطبك؟»

قالت: «خاف أبي أن يظن الناس أنه كان بيننا علاقة.»

***

وأنا الآن في كهولتي، كما تقولون، أو في شباب الشيخوخة أو الشباب الثاني، وقولوا ما شئتم فإني لا أحس بعبء السنين، فما زال قلبي فتيًّا، ونفسي صبية، وأنا راضٍ عن الدنيا مغتبط بالحياة، ولكني أشعر كلما اختطف الموت واحدًا من لِدَاتي، كأن شجرة حياتي تتقصف أغصانها واحدًا بعد واحد، ويسقط عنها الورق والنور، وأمد بصري، فأستغرب أني سأقضي نحبي يومًا ما، ولا أكاد أفهم كيف يمكن أن يحدث هذا! أنا المحسُّ المدرك أصبح لا شيء؟ وعدمًا مطلقًا؟ وأفنى ولا أعود موجودًا؟ يعني ماذا؟ ولست أجزع من هذا الموت، ولكني أراني عاجزًا عن تصوره، ومن هنا أتفلسف فلسفة يطول شرحها، وأقول إن المادة ليست مادة، وإنما تتبدَّى لحواسنا القاصرة ومداركنا الناقصة كأنها مادة، ولست أنوي أن أثقل على القرَّاء بهذه الفلسفة، فما هي بأكثر من وسيلة للتعزي عن الفناء المحتوم.

وأحسب أن مخامرة هذا الخاطر لي، هو الدليل على أني جاوزت الشباب، وصحيح أني كنت في شبابي طويل التفكير في هذا الموت، ولكنه كان تفكيرًا لا يخلو من تكلُّف، وكان لا يورثني غمًّا ولا همًّا ولا حيرة ولا شعورًا بالعجز عن الفهم.

وعسى أن يكون من مظاهر الكهولة أيضًا أني صرت لا أشبع، ولا أقنع، ولا أكتفي بأي قدر من أي شيء، وأني أحس أني مستعجل، أريد أن أعلم كل علم، وأن أجرب كل شعور — كل ذلك في أوجز وقت، حتى أصبحت كمن يقول:

وقد قال فيَّ بعضُهم: «إن للمازني جانبًا ملائكيًّا، وجانبًا شيطانيًّا، وجانبًا صبيانيًّا». وأنا أقول: إن الناس كلهم كذلك، فأما الملائكية فعلمها عند ربي، وأما الجانب الشيطاني فأنا أحمد الله عليه، فما تطيب الحياة إلا به، وحسبنا إن شاء الله بعد عمر طويل جنة لا نشيب فيها ولا نهرم — والعياذ بالله، من الهرم والشيب لا من الجنة من فضلك! — وأما الصبيانية فأعترف بها، فما كنتُ قطُّ صبيًّا حين كان ينبغي أن أكون، فصبيانيتي المكبوتة تظهر إليَّ الآن كلما سنحت لها فرصة، وهذا طبيعي والله أعلم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    مروان المعيوف ·٥ نوفمبر ٢٠١٥، ٦:٤٧ ص

    من المقالات الجميلة التي قرأتها،فشكرا لكم