والمشتري بالطبع هي الولايات المتحدة الأمريكية، والشعوب التي تراد على أن تبيع نفسها والتي يساومها المشتري فيما يمكن أن تطلب من ثمن، هي شعوب الشرق الأوسط. ولن يكون هذا البيع حرًّا، ولكنه سيكون محاطًا بكثير من الترغيب وبكثير من الترهيب أيضًا. فالدولة المشترية هي أغنى دول الغرب الديمقراطي وأقواها، أموالها لا تُحصى، وقوتها لا تُقاوم ولا تُطاق. والشعوب التي يمكن أن تبيع نفسها فقيرة وضعيفة بالقياس إلى دول الغرب كلها، فضلًا عن هذه الدولة الغنية كأوسع ما يكون الغنى، القوية كأشد ما تكون القوة.

هذه هي الخلاصة الدقيقة للاقتراح الذي يعرضه رئيس الولايات المتحدة على البرلمان الأمريكي مجتمعًا أو مفترقًا، أو يطلب مزيدًا من المال ليستطيع مساومة الشعوب في الشرق الأوسط في استقلالها وحريتها أو في حياتها إن شئت، فالشعوب التي تفقد استقلالها وحريتها إنما تفقد حياتها الصحيحة بأدق معاني هذه الكلمة وأعمقها وأوسعها.

والرئيس الأمريكي لا يطلب المزيد من المال فحسب، وإنما يطلب الإذن له في استعمال القوة إن احتاج إليها، فقد ينبغي أن يكون الترغيب مصحوبًا بالترهيب، وقد ينبغي كذلك ألا ينقق المال على معونة الشرق الأوسط في غير طائل وأن يعود هذا المال على من ينفقه بشيء من الربح؛ لأن إنفاق المال في غير طائل سرف وسفه وتبذير، والمبذرين هم إخوان الشياطين، وما ينبغي لدولة مسيحية مؤمنة أن يكون بينها وبين الشياطين إخاء أو حلف.

وكذلك ترى الإنسانية لأول مرة في تاريخها — إن ظفر الرئيس الأمريكي من برلمانه بما يريد — فنًّا جديدًا من فنون الاستعمار. وليكن الفن الثالث من فنونه بعد أن مضى الفن الأول إلى غير رجعة، وأوشك الفن الثاني أن يمضي إلى غير رجعة أيضًا.

فقد عرف التاريخ القديم نوعًا من الاستعمار كانت له بقية في أول هذا العصر الحديث، وهو أن تعمد دولة قوية إلى شعب ضعيف فتسحقه سحقًا وتمحقه محقًا، تقتل القادرين من رجاله ونسائه على حمل السلاح، حتى تفنيهم عن آخرهم، وتستعبد الصبية والضعفاء، وتستأثر بالأرض والثروة من دون أصحابهما، وتنشئ مكانهم دولة متحضرة قوية تنعم بالسعة والثراء.

كذلك فعل اليونان حين استعمروا بعض الأرض في آسيا الصغرى وفى إيطاليا، وفعل شيئًا من ذلك الأوروبيون في أول عهدهم بالاستعمار. ثم تقدمت الحضارة واستكشف العلم وارتقى العقل ورقت القلوب وسَمَت الأخلاق؛ فعرف التاريخ نوعًا ثانيًا من الاستعمار، وهو أن تعمد دولة غنية قوية إلى شعب فقير ضعيف، فلا تسحقه ولا تمحقه ولا تبيده؛ وإنما تفرض عليه سلطانها فرضًا، وتقهره بقوتها وبأسها على أن يكون لها عبدًا مطيعًا تسخره فيما تشاء وتستأثر من دونه بما يملك من سعة وثراء، وتزعم له مع ذلك أنها لا تريد استذلاله ولا استغلاله، وأنها تريد أن تحرره وتحضره وتمهد له إلى الرقي سبيلًا. وهذا فن جديد من الاستعمار تخترعه الولايات المتحدة الأمريكية في هذه الأيام، وهو فن يسير كل اليسر، فشعوب الشرق الأوسط تحب الاستقلال وتريد أن تتمسك به وتحرص عليه، وهي تطمح إلى الرقي وتريد أن تبلغ منه أقصى ما تستطيع؛ فلتعرض عليه الولايات المتحدة الأمريكية حماية استقلاله حتى لا يُغِير عليه الشيوعيون، ولتعرض عليه كذلك ما يحتاج إليه من المال ليستكشف ما في أرضه من ثروة، وليستثمر هذه الثروة ويشتري ما قد يحتاج إليه من وسائل الغنى والقوة من حيث يشاء ومن الولايات المتحدة الأمريكية خاصة، والمهم ألا يشتريها من الشيوعيين.

ومعنى هذا كله أن الولايات المتحدة الأمريكية — إن أجاز البرلمان للرئيس ما يريد — ستعرض على الشعب في هذا الجزء من الأرض شراء استقلاله وحريته لا أكثر من ذلك ولا أقل. فالشعب الحر المستقل حقًّا هو الذي يملك أمر نفسه ويدبره كما يشاء ويتصرف فيه كما يحب، يلزم الحياد إن أراد الحيدة، ويحالف من الدول أية دولة يشاء دون أن يحول بينه وبين ذلك حائل، ويشتري ما يحتاج إليه من وسائل القوة والغنى والرخاء من حيث يريد هو لا من حيث يُراد له ويُفرض عليه.

والشعب الحر المستقل حقًّا هو الذي يقيم حياته كما يريد هو لا كما يُراد له، يختار لنفسه من النظم الاجتماعية والسياسية ما يشاء، لا يمنعه من ذلك مانع أجنبي مهما يكن، ولا يصده عن ذلك صاد أجنبي مهما تكن قوته ومهما تكن ثروته ومهما يكن مذهبه السياسي أو الاجتماعي.

وليس استقلالًا صحيحًا هذا الذي يمكن أن يتعرض للخطر أو رهبة، ولن يحميك من الذل من جاء يبيع لك العزة بالمال، فعزةُ الشعوب لا تُشترى من الأجنبي، وهي لا تأتيها من خارج وإنما تأتيها من أنفسها؛ تنبع من أرضها وتجري في عروق أبنائها، وتسيطر على قلوبهم وعقولهم وملكاتهم كلها.

وهب أن دولة من الدول الشيوعية عرضت على الشرق الأوسط مثل ما يريد أن يعرضه رئيس الولايات المتحدة من الحماية والمال، وتصور نتيجة هذا العرض الذي يأتي من دولتين مختصمتين، وافترض أن شعبًا من شعوب الشرق الأوسط قد قَبِل هذا العرض من الدولة الشيوعية، وأن شعبًا آخر من شعوبه قَبِل هذا العرض نفسه من الولايات المتحدة الأمريكية، وقدِّر ما سيكون لذلك من آثار.

سيكون هذا الشرق الأوسط ميدانًا للتنافس أولًا ثم للحرب آخر الأمر، وسيصبح استقلاله وحريته لعبة بين الدولتين المختصمتين، وسيتعرض أهله وما يملكون من ثروة وأرض وما يديرون في أنفسهم من آمال وما يتمنون لأنفسهم من ثراء ونعيم؛ سيصبح هذا كله وقودًا للحرب بين هاتين الدولتين المختصمتين.

ولست أعجب لشيء كما أعجب لأن الرئيس الأمريكي لم يفكر في أن روسيا السوفييتية تستطيع أن تعرض على الشرق الأوسط مثل ما يعرض عليه، وأن اقتراحه هذا ليس وسيلة إلى السلم وإنما هو وسيلة إلى الحرب.

وشر من هذا كله أن الرئيس الأمريكي لا يريد أن يعرض على شعوب الشرق الأوسط أن يحميها من العدوان، مهما يكن مصدره من عدوان الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي على السواء. إذن لكان لاقتراحه حظ من منطق ونصيب من استقامة ظاهرة تصلح للإغراء، وإن كانت الشعوب الحرة المستقلة حقًّا تكره الحماية الأجنبية وتأبى إلا أن تحمي نفسها بنفسها.

ولكن الرئيس يعرض حماية الشرق الأوسط من الشيوعية، وما نعلم أن دولة شيوعية قد اعتدت على الشرق الأوسط أو أنذرته بالعدوان. ولكنا نعلم أن حلفاءه من دول الغرب الرأسمالي قد اعتدوا بالفعل على مصر أمس، وهم يعتدون على اليمن والجزائر بالفعل اليوم، وهم يستذلون شعب العراق على رغمه، وهم يدبرون العدوان على سوريا.

فماذا يقول الرئيس الأمريكي في كل هذا؟! أيراه خطرًا على استقلال هذا الشرق الأوسط أم لا يراه؟ فإن تكن الأولى فلِمَ لا يعرض حماية الشرق الأوسط من هذا الخطر؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.