امتياز القرن العشرين وميراث القرون السالفة

يمتاز القرن العشرون الميلادي بأنه جمع تركات القرون السابقة والحضارات السالفة والفلسفات القديمة بخيرها وشرِّها.

فقد كان القرن السابع عشر عصر أدبٍ وأناقةٍ ورشاقةٍ وتعبُّدٍ للجمال، ومن رجاله: فردريك الكبير، وكاترين الثانية، ولويس الرابع عشر، وشارل الأول، وأوليفر كرومويل، ومدام دي ستايل، وسفيني، وتركزت الحضارة في غرب أوروبا ولا سيما في فرنسا وإنجلترا.

وبينما كانت فرنسا تسير في طريق الفنون ولا سيما العمارة والأدب والشعر والتأليف المسرحي والبلاغة الخطابية، وألمانيا منشغلة بعواقب الإصلاح الديني على أيدي مارتن لوثر وكالفن وإيزانجفيل، وسويسرا مهتمة باستقلالها وتحصين بلادها وجبالها، وإيطاليا مشرفة على الموت السياسي والأدبي بعد الشوط الطويل الذي قطعته في عصر الإحياء ونهضة العلوم والفنون في مدنها الكبرى مثل فلورانس (فيرنزة)، وبولونيا، وجنوى، والبندقية، وليفورنو، وبيزا، ورومة (مقر السلطة البابوية والملك الدنيوي) بعد أن أنتجت قرائح مفكريها كتبًا عجيبة مثل «الأمير» تأليف نيكولو مكيافيلي، و«فنون النقش» لليوناردو دافنشي، و«ديكامرون» لبوكاتشيو، و«تاريخ الحياة» لبنفنتو تشيلليني، كانت قلوب بعض الرجال تغلي برغبة الإصلاح مثل جيرولومو سافونارولا الفورنتي الذي أسموه بالراهب المفتون؛ لأنه ثار على فوضى الأخلاق، واحتج على مفاسد المجتمع، وحاول حكم وطنه (فيرنزه) بالفضيلة والقوة؛ فكانت عاقبته الصلب وتقطيع الأعضاء ثم الإحراق وتذرية رماد جثته في نهر الأرنو الشهير.

وكان الشعب الذي أراد له هذا الراهب الدومينيكاني الخيرَ والمصلحةَ محتشدًا ليشهد مصرعه الأليم ومصرع تلاميذه الثلاثة بين الضحك، وغمز الأعين، وتبادل عبارات الغرام، وتحديد مواعيد اللقاء بعد المجزرة في «أعشاش الحب» المنتشرة في فيا مارمارا وضاحية فيزوليه ولونجارنو.

بينا هذه الأحداث تجري في أَعِنَّتها كانت الثورة على العرش واستبداد الملوك المطلقي الحرية تتأهب لتقييد الملك شارل الأول في إنجلترا، ووضع حدود وسدود لإسرافه وتبذيره وعبثه بأموال الشعب؛ فقاوم الملك مقاومة عنيفة، وانشق الشرفاء عليه، ثم أسفرت المعركة عن محاكمته والحكم بقطع رقبته ببلطة الجلاد في «وستمنستر آبي» على قيد خطوات من البرلمان الإنجليزي، ومن القاعة التي يتوج فيها الملوك، وبها العرش والحجر الموروث من عهد إدوارد الثالث!

وانفرد أوليفر كرومويل وأصحابه ذوو الرءوس المستديرة Round Heads بالحكم فأذاقوا الشعب ألوانًا من العذاب بعد أن طردوا ممثلي الأمة من مجلس النواب.

فلاسفة فرنسا في عهد الاستبداد

في ذلك الوقت العصيب كانت فرنسا رازحة تحت أعباء الحكم الاستبدادي في عهد لويز الخامس عشر خليفة الرابع عشر المسمى بالملك الشمس Le roi soleil، وهو أشبه بالفراعنة المصريين الذين اتخذوا عبادة الشمس واندمجوا في نورها ونارها.

وفي الحق كان الترف الذي يعيش فيه هذا الملك الشمسي لم يسبق له مثيل في تاريخ العالم، وما تزال أزياؤه وطراز قصوره في البناء والأثاث قدوة في أنحاء العالم حتى هذه الساعة بقوة الاندفاع والاستمرار التي تلازم كل جديد.

كانت الأنانية والأثرة هما السائدتان في هذا العصر، فكان الملك يتيقظ في الصباح في حضرة كبار الوزراء والأمناء «والتشريفاتية» على أنغام الموسيقى، ثم يلبس ثيابه الملكية في موكب أشبه بزفاف العروس.

ولكل شريف ونبيل وشريفة ونبيلة خدمة معينة وقطعة من الثياب يتعهدها بوصفه «شماشرجي» الملك.

فهذا يتولى تقديم الجورب والحذاء، وتلك القفاز وزراير القميص، ونبيلان لتقليده العقود والقلائد والأوسمة …

ثم يشرفون على إفطاره، وبعده يقدمون له أنواعًا من الاحترام لا تقل عن العبادة التي كانت تقدم منذ ألوف السنين للعجل آبيس!

ولم يكن نصيب الملكة بأقل من نصيب الملك.

فنهض فولتير وروسو ومالبي وكوندورسيه وديدرو، ووثبوا وثبة خطيرة، فاتجهوا إلى إنجلترا وقرءوا كتبها، ودرسوا نظمها، وتشبعوا بروح الثورة فيها، ودهشوا إذ رأوا الإنجليز يقطعون بقسوة فادحة رأس ملكهم بمحاكمة وجيزة لم تتجاوز ربع ساعة وهم الذين كانوا يحوطونه بالاحترام.

ولكن كل واحد من هؤلاء الحكماء اختط لنفسه خطة نفذها لآخرها.

تطبيق الآراء الجديدة على السياسة

اتخذ فولتير التهكم والنقد الجارح واتصل بالبابا وبالملك هنري الرابع وبالملك فردريك الكبير في بروسيا، ونظم الشعر في مدح الملوك تقربًا لينال القوة في وطنه، وألَّف كتاب «كانديد» أو الرجل العبيط الذي يُسَام أنواع العذاب وألوان المظالم وهو راضٍ قانع يرى أن الأمور تسير على أحسن منوال في خير العوالم، وعبارته الشهيرة Tout va pour le mieux dans le meilleur de mondes فأثر بتهكمه تأثيرًا كبيرًا في الشعب.

أما جان جاك روسو الفيلسوف الشارد فقد طعن في الصميم بصراحة مُنزَّهة عن اللف والدوران فألَّف «أسباب التفاوت بين البشر»، و«العقد الاجتماعي»، و«ملاحظات قسيس من سافوا»، و«لانوفيل هيلويز»، و«إميل القرن الثامن عشر»، وختمها باعترافاته، فهدم بهذه المعاول القوية أسس الاستبداد وأقام بناء الحرية في وطن غارق في الفوضى.

بوادر الثورة العالمية

في سنة ١٧٨٩ استحكمت حلقات الأزمة السياسية واشتعلت نيران الثورة الفرنسوية على نسق الثورة الإنجليزية وقتل الملك والملكة والنبلاء.

وكان السبب المباشر في الثورة غفلة الملك لويس ١٦ وعناده وضيق صدره وجبن مستشاريه الذين كفوا عن إبداء النصح إليه، دع عنك إسراف الملكة وفضائح القصر كقضية العقد، وجوع الشعب وفاقته، وأنانية الأغنياء والسراة.

وقد غرقت فرنسا وأوروبا في بحار من الدماء، وظهرت المحكمة الثورية Tribunal revolutionnaire التي أجهزت على كل مفكر وأديب وعالم لأبسط مخالفة، فلما أعوزتها الأدلة على الاتهام كانت تلفق الأدلة تلفيقًا ظاهرًا لتقضي على البقية الباقية.

يقول أوزفالد في كتابه «انحدار الغرب» The decline of the West: «إن الفرق بين الثورتين الفرنسية والإنجليزية هو نفس الفرق بين أخلاق الأمتين؛ فالفرنسيون يُكثِرون من الكتابة والكلام والتهويش والجدل والنقاش البيزنطي والخطب، والإنجليز أهل صمت وسكون وتدبير وأفعال لا تسبقها أقوال البتة، أو ما تقتضيه الضرورة القصوى، وإن ما اتَّبعه الشعبان بعد الثورتين ينطبق على ثقافتهما وحضارتهما المختلفة انطباقًا تامًّا.»

الإيثار خير الفضائل الواقية من الفتن

تمتاز حضارة الشرق — ولا سيما العرب — بكثير من أفانين الفضائل الاجتماعية، فقد اشتهر الشرقيون بالكرم والتعاون وتوزيع الصدقات والبر بالأيتام والمساكين، كما أنهم يدعون في بعض معتقداتهم وتقاليدهم القومية إلى الإيثار Altruism.

ولو أن الإيثار وُجِدَ في الحضارة الفرنسية لما جاع شعب باريس ذلك الجوع المحرق الذي ساقهم إلى «موكب الفاقة» (الذي سار نحو قصر فرساي، فلما رأتهم الملكة ماري أنطوانيت وسألت عن سبب ضجتهم وضوضائهم وقالوا لها إنهم يطلبون الخبز، دقَّت يدًا بيد وقالت: يا لهم من مجانين! لمَ لا يأكلون الفطائر والمرققات Gateaux).

وقد كان المبدأ السائد في الشرق في أعلى أوقات حضارته هو القول الثابت ()؛ أي أن الشرقي يعطي المحاويج وإن كان محتاجًا لما يعطي ويبذل، وإن كان الذي يملكه قليلًا.

قال أوزفالد شبنجلر إن الحضارة العربية المشرقة الفتية عندما جاءت إلى العالم كانت حضارة رومة وأثينا قد تطورت إلى مدنية Civilisation؛ فخنقت الحضارة العربية فمنعتها النور والهواء، وكادت تقضي على إنتاجها الحديث.

الفرق بين الحضارة والمدنية

لقد انفرد أوزفالد شبنجلر بالتفريق بين هاتين الظاهرتين الكبريين، فالحضارة Culture في نظره هي النهضة الروحية التي يتشكل بها الشعب في نهضته، ولا يصل إلى درجة المدنية Civilisation إلا بعد أن ينتهي من هذا الدور الأول فيبدأ انحلاله، ولكن هذا الانحلال يأخذ قرونًا طويلة، وفي معظم الأحوال تبدأ المدنية وتنتهي في قرنين كما حدث في مصر الفرعونية والدول الإسلامية في بغداد والأندلس.

وقد وضع قانونًا بالأرقام والأعداد (وهو الذي خصص له الفصل الأول من كتابه)، وهذا القانون يدل على أن حياة الأمم ذات الحضارة والمدنية تشبه حياة الأفراد، فلها ربيع وصيف وخريف وشتاء؛ أي فتوة وشباب وكهولة وشيخوخة، وقد تعمق في هذا البحث تعمقًا شديدًا.

ويجب هنا أن نفرق بين هربرت سبنسر وأوزفالد شبنجلر:

فهربرت سبنسر الفيلسوف الإنجليزي الشهير كان من أصحاب النظم System، ولكن شبنجلر من أصحاب النظر الكوني Vision universelle.

يرى سبنسر أن المجتمع كالكائن الحي: له رأس ومناكب وأيدٍ وأرجل وقلب خفَّاق … إلخ.

ولكن شبنجلر يصف الجماعات الإنسانية الكبرى في سير حياتها، والفرق عظيم بين الرأيين ويحتاج إلى دقة في التمييز.

نهاية الحضارة وما يترتب عليها

فإذا انتهت الحضارة ونضب معين الروح وجف عود التفكير الديني والعقلي، جاءت المدنية بالفنون والاختراعات والاكتشافات واتساع الآفاق الحيوية وأفلست النظم العادية التي ابتكرتها الأمم أثناء طور الحضارة.

ثم قامت ثورات سياسية واجتماعية، منها حروب الطبقات التي بدأت من القرون الوسطى بسبب حياة المدن المستقلة التي أسستها طبقة البورجوازية، ثم طبقة العمال الذين نشأوا في المصانع بعد أن سلبت منهم الأراضي الزراعية.

واتجه الشعب إلى الإلحاد والكفر بنعم الحياة الهادئة البريئة، وتطاحنت الأمم بعد تطاحن الأفراد والجماعات، وقل الوفاء وانتشرت الشكوك والريب وانحطت الأخلاق، وأصبحت الكلمة النافذة للمال؛ لأنه مجمع الشهوات، وأداة الأغراض، ووسيلة الوصول إلى الشئون المالية التي تضخمت واتخذت شكلًا مخيفًا.

وفي رومة ظهرت فكرة «القيصرية»، وهي انفراد رجل ظالم بحكم الشعب؛ فقضى المتآمرون على يوليوس قيصر، ولكنهم لم يتمكنوا من القضاء على من تلاه من القياصرة.

فيرى أوزفالد شبنجلر أن حياة المدنية الحاضرة تمتد إلى بضعة قرون حتى تصل إلى هذا الدور الأخير، ولكن بوادر كثيرة ظهرت له، وعوارض خطيرة تجلت في كتابه، وفوق كل ذي علم عليم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.