يوشك أن يبدو هذا البحث الاجتماعي سهلًا، لكثرة ما تستأذن على أسماعنا أمهات مسائله، نعم إنه سهل ولكنه من السهل الممتنع لتضارب آراء المفكرين والقراء في تقدير هذه العناصر الثلاثة وأثرها في تكوين وحدة الأمم وتقويم حياتها، حتى دعا بعضهم دعوة تشكك في قيمة تلك العناصر وتنزع إلى توهينها وإضعاف شأنها مرتكنًا على أن الدين وحده كاف لإيجاد الحضارة وتكوينها.

ولكن الكاتب المحقق حيث يبحث في المعاني وتعريفاتها لا بد أن يقوده البحث إلى النتيجة الصحيحة التي اتخذها علماء الاجتماع الحديث مبدأً لاستنتاجهم المؤسس على الاستقراء والاستنباط.

وقد يميل الكاتب لدى معالجة هذا الموضوع لاستعراض المعاني والتعريفات التي تنطوي عليها مبادئ الدين الإسلامي واللغة العربية والمنازع الفطرية، ولكن الذهاب مع هذا الميل قد يصغر من شأنها نوعًا، ولكن النظر إليها جملةً يقنعنا بأن الدين الإسلامي واللغة العربية هما من الروابط الفطرية والاجتماعية والمعنوية والمادية التي تجمع الجنس أو الأمة، وهما من القوة والصدق بحيث يعيش المرتبطون بهما سعداء، ويغضبون إذا فرق بينهم، ويثورون ولا يصبرون على الإذعان لقوة لا تشركهم في هذه الروابط، كما هو مشاهد في الوقت الحاضر في فلسطين، فاللغة العربية والدين الإسلامي رابطتان للألفة والتفاهم والتعاون، وقد تعدلان الوحدتين الجغرافية والإثنوغرافية أو تربو عليها قوة، فإن حب التربة والمشاهد الطبيعية، وهو الحب الذي ألف فيه الجاحظ رسالته البديعة «الحنين إلى الأوطان»، وذلك الحب الذي نشعر به للأرض التي درجنا عليها والمناظر التي ألفناها، ليس شرطًا جوهريًّا في تكوين القومية؛ لأن الأرض والمشاهد الطبيعية ليست سوى المكان الذي تتجلى فيه الحياة والأفكار والعواطف والآمال، فما قيمة المسرح مهما كان فخمًا جميلًا إذا خلا من الممثلين؟ ومن المؤكد أننا نرى أممًا مبعثرة المواطن في بقاع تختلف أشد الاختلاف كالشعب اليوناني وهي مع هذا على شعور قوي بالوطنية، وكذلك الأمة اليهودية المشتتة في سائر أنحاء العالم تربط أبناءها اللغة العبرية والدين الموسوي، فهم من أشد الأجناس البشرية تلهفًا على الوحدة القومية، ولم يطمعوا في التربة واختلاق الوطن إلا بعد أن سنحت لهم فرصة لم تكن تخطر لهم على بال منذ قرون.

وإذن تكون الوحدة الجغرافية ليست بالضرورية ولا هي بألزم أو أهم العناصر، وكذلك الوحدة الجنسية فليست بأقوى العناصر؛ لأننا لا نرى أمة من أمم الأرض تخلو من خليط من الأجناس أفلح في ضم أفراده جميعًا إلى آصرة قومية واحدة سوى الأمة الصينية، وقد هيأت لها الطبيعة ظروفًا ومقتضيات لم تهيأ لسواها، بيد أنها لولا الدين الكونفشي واللغة القديمة الفطرية ما أفلحت فيما وفقت إليه على جمودها.

أما اللغة فرابطة من الروابط لأنها وسيلة التفاهم والتعبير عن الأفكار والآمال والآلام، وأداة التعارف النفساني والجنسي، وحبل الاتصال بين الأفراد والجماعات وحلقة قوية وعروة وثقى، ولا سيما من حيث إن لملامح اللغة وشياتها سلطانًا كبيرًا في ملامح الأفكار وشيات الميول بين الذين يتكلمون بها، دع عنك أن اللغة المشتركة معناها الآداب المشتركة والمطامح الفكرية المشتركة وميراث مشترك من الفولكلور (علم الشعب)، وهو الأغاني والقصص والأمثال والألغاز والملاحن Argot التي تضمن الروح القومي وتنفثه في كل جيل وقبيل كما كانت الحال في الجاهلية العربية، ويعيش الإنجليز في جزيرتهم أربعين مليونًا، ولكنهم متصلون أشد اتصال وأتمه بأهل كندا والولايات المتحدة وأستراليا، وهم يعدون بمئات الملايين وقد ساعدهم العلم الحديث على القضاء على الأبعاد والأزمان.

وقد بذل المستعمرون في كل جيل جهودًا كبيرة في سبيل نشر لغاتهم والقضاء على لغات الأمم المغلوبة عالمين يقينًا أن في محو اللغة القومية محوًا لشخصية الأمة المغلوبة، وللقرآن الكريم أكبر فضل في حفظ كياننا، وفي مستهل هذا القرن قام الإنجليزي ويلمور (أحد قضاة المحاكم الأهلية إذ ذاك بمصر) يبشر باللغة العامية وينصح باستعمالها ويدَّعي أنها أجمل من الفصحى وأسهل و«أنكت» أي أنها تطاوع الدعابة وتنطوي على اللعب بالألفاظ.

ولو كان لأمة أن تقدس لغتها وتدفع عنها وتفاخر بها فالأمة العربية الناطقة بالضاد؛ لأن تلك اللغة الفصحى تحفظ بين برديها جوهر الدين وهو الرابطة الوثقى.

يفخر الإنجليزي بشكسبير والألماني بجوته واليوناني بهوميروس والإسباني بسير فانت والإيطالي بدانتي والفرنسي برابليه وبوالو؛ لأن كلًّا من هؤلاء أفرغ شعره أو فكره أو خاطره أو حكمته في قوالب لغته فأحيا الاثنتين اللغة والفكرة.

أما اللغة العربية فقد تقبلت أمانة القرآن وناهيك بهذا الكتاب الكريم الذي لم يفرط فيه مرسله من شيء.

***

قلنا إنه في مستهل هذا القرن قام الإنجليزي ويلمور يبشر بالعامية ويناصرها على الفصحى، ويطبل لها ويزمر، ويصفها بالليونة والسهولة والحلاوة والغنى والقدرة على صياغة النكتة البلدية والاستعارة والكناية والإلمام بأنواع المحسنات اللفظية، ورمانا بخطل الرأي؛ لأننا أغفلنا كنوزها الزاهرة بصنوف الجمال وتعلقنا بأهداب الفصحى التي وصفها — لجهله — بالموت وجمع بينها وبين الإغريقية المهجورة واللاتينية الآفنة في قبر واحد، فكان نصيبه الفشل على أيدي العلماء والكتاب، واتهمه بعضهم بالمكيدة والدسيسة والرغبة في القضاء على لغة القرآن خدمة للأغيار، ولكن حقيقة أمره أنه كان بسيط العقل بدائي التفكير Primitif.

ولقد تسمع الآن من المصريين أنفسهم من يبشر باللغة العامية ويحب أن تكتب بها روايات المسارح وتبسط بها مواقف الروعة والإحساس، وقد درسنا هذه المسألة من جميع ناحياتها، فثبت لنا أن القول بأن أطوار بعض الناس لا يعبر عنها بلغة فصيحة قول ينم على جهل وعجز وتقصير وقصور، ولئن أنطقنا عاميًّا أو عامية بالفصحى البليغة خير من إنطاق جميع الناس بلغة العامة والسوقة، وكتب أديب شهير في مجلة أسبوعية أدبية (الأدب الحي) يصف إحساس الحزن والألم الذي يعتريه كلما قلب صفحات كتاب أدب عتيق كالأغاني!

ثم إن الكتابة بالفصحى أسهل على الكاتب من الكتابة بلغة العامة والجهلاء، أما سهولة الفهم فحسبك منها أن لهجة القاهرة العامية قلما تفهم في بعض قرى الصعيد، وأن عامية مصر لا تفهم في تونس ودمشق وبيروت وبغداد وصنعاء ومكة، ولكن العربية الفصحى مفهومة في مراكش واليمن وبطاوي وبكين وكلكتا لمن يقرءون القرآن والحديث ويصلون ويصومون ويتعبدون على قواعد الإسلام ولمن يفهمون أدب المتنبي والبحتري وأبي تمام، وقد يسافر العربي من الدار البيضاء غربًا إلى الكويت والموصل شرقًا فلا يجد صعوبة في الفهم والتفاهم إذا تكلم بالعربية الفصحى، ولكنه إذا ركن إلى اللهجة العامية وقع حتمًا في حيص بيص!

ولكن لِمَ كل هذا الاكتراث؟ وفيم هذه المعركة بين القديم والجديد، والفصيح والعامي؟

الجواب أن غاية الغايات هي التدليل على قيمة اللغة العربية وأثرها في تقويم الحضارة العربية، فهي أحد الأعلام التي تلتف حولها حياة الأمة، فقد وضعت الطبيعة في الكلام والتعبير اللفظي بها من القوة والجلال والجمال ما يكاد يعدل قوة الخلق، وقد صارت كل كلمة ننطق بها ذخيرة لا تذهب هباءً؛ لأنها إحدى قوى هذا الكون ولأنها تحدث معرفة ثم عاطفة ثم رغبة، وتنقل إلى ذهن السامع لذة أو ألمًا؛ فتصور أملًا أو يأسًا، وتمثل خيرًا أو شرًّا، وتفيد فكرةً أو انفعالًا، وكانت الحجة البالغة للغة العربية أن اختارتها العناية الربانية وسيلة لنشر الدين، فأفرغتها في كتب وعبرت عنها باللغة، وكان الأنبياء خطباء فصحاء أثَّروا في شعوبهم باللغة وكذلك الزعماء والقواد والمؤلفون والحكماء لولا اللغة ما قضوا لبانة ولا أصابوا هدفًا ولا جمعوا كلمة الأقوام.

انظر إلى أثر اللغة العربية وتأثيرها في ربط قوميتنا وتقويم حضارتنا، تراها أقوى من الإسبانية الفاشية في أمريكا الوسطى والجنوبية كما ترى ملايين تلك الجمهوريات يجنحون أبدًا إلى القومية الإسبانية كمجموعة الأمم الأنجلوسكسونية، فإنه عندما نفخ نفير الحرب هب الأمريكيون الشماليون والأستراليون هبة رجل واحد تلبيةً لنداء القومية الإنجليزية التي تربطهم بها اللغة الأنجلوسكسونية، وإن نأت بهم الدار وشط المزار، فأين كندا من أستراليا، وجنوب أفريقيا من قلب لندن عاصمة الإمبراطورية؟!

وباللغة توضع المبادئ وتذاع الفكرة وتنتشر الدعاية وتتغلغل الآراء في ثنايا الأذهان، فتمحصها وتفحصها وتنشرها وتطويها وتستوعبها وتهضمها، فتفعل الكلمة الواحدة المفهومة من الملايين فعل السحر كما هو مشاهد في ألمانيا النازية بعد خلاصها من العنصر اليهودي، وقد يكون أثرها أقوى من الحديد والنار؛ لأن كلمة حرية أو وطن أو استقلال تدفع بالأمم إلى ميادين الحرب وإلى استقبال الموت بفرحة المستشهد السعيد، وعندنا أن للغة العربية اليد الطولى في تحريك عواطف الأمم العربية نحو فلسطين في محنتها، فإن القومية العربية تكاد تخفق بقلب واحد في جميع أركان المعمورة، أو من ذا الذي يستطيع أن يستهين بأربعمائة مليون من البشر المتحضرين يتبعون دينًا واحدًا ويكتبون أحرفًا واحدة وينطقون بلهجة فصحى، خصوصًا وأن البلاد المسكونة بأهل تلك اللغة تكاد تكون متصلة اتصالًا جغرافيًّا تامًّا؟!

أما الدين العربي فمن أقوى عوامل القومية ومقومات الحضارة العربية؛ لأنه انطوى على فكرة الوطنية والدولة والتشريع، وفي الأثر أن النبي قال: «حب الوطن من الإيمان» فجعل الوطنية والاستقلال جزءًا من الدين، وتجلت أعمال محمد أظهر ما تكون في تحرير وطنه، ومكافحة الدولتين العظيمتين اللتين كانتا سائدتين لعهده (روما وإيران)، وأجلى اليهود عن الجزيرة العربية، وإذن وجب أن يكون الدين في الحضارة العربية أداة من أدوات التقدم لا الرجعية ولا الجمود؛ لأنه موافق للعقل والمنطق في سائر ناحياته، وهذه وجهة النظر الوحيدة التي تنظر إلى الدين من ناحيتها هل عامة الشعب متدينون أم مرتابون أم غير متدينين أم غير مكترثين؟ هذا ما لا يحسن بنا التعمق فيه، وقد أميل إلى الظن بأن الإيمان الصحيح المتين والتفكير الديني الهادئ العميق أمور بعيدة عن نفسية العوام، وأكبر ما يعوزهم هو ذلك الروح الجدي والخلق الهادئ العميق الذي يكسبه المرء من الإيمان.

معنى الدين نظرة جدية في الحياة والغاية منها، والتفكير في الناس وفي معاملتهم، ولا تزال الكثرة من الأمة العربية متحمسة للدين، وتعلن تمسكها به بكل ما أوتيت من قوة، فيستطيع الزعماء العقلاء أن يستثمروا هذا التعلق في خدمة الحضارة والمدنية، إذا قرنوا العزة القومية بالإيمان والمعتقد بدون جمود ولا ميل إلى التعصب الممقوت، وقد أظهر المرحومان الأفغاني والأستاذ محمد عبده مهارة في الانتفاع بهذه الناحية، فقد كانا زعيمين دينيين، وقامت دعوتهما للحرية والحضارة على العاطفة الدينية، ومقالاتهما في العروة الوثقى وغيرها تؤيد هذا الرأي.

وفي بلاد اسكتلندا تعزى النهضة القومية إلى جون نوكس (١٥٠٥–١٥٧٢)، وصفوه بأنه لم يخش إنسانًا قط وقال كارليل: ليس فضله مقصورًا على وطنه بل يمتد إلى العالم فقد حرر بلاده على الدين.

وكان مُحَمَّدٌ أول من توفق إلى بناء الوحدة السياسية على أساس الوحدة الدينية فثبت البرهان التاريخي بفلاح الدولة الإسلامية التي جمعت شتات أجناس مختلفة في بقاع الأرض.

وقد كان تفرق المذهب هو العقبة الكبرى في طريق الحركة الوطنية في أيرلندا، كما كان تفريق المذهب بين الكاثوليك والمنشقين في الأمة البولندية أحد الأسباب التي هوت بتلك الأمة.

وقد عرف دعاة الصهيونية الطامعة أهمية الدين في تكوين القومية الذي هو مقدمة الشخصية الشعبية، فزعموا أن اليهودية وطن للإسرائيليين وجامعة قومية لا دين ولا نحلة فحسب، وقد كان هذا المطمع وحده دافعًا لفكرة «الوطن القومي»، فقام الدين وحده مقام الوطن الطبيعي في محاولة إيجاده، على الرغم من وجود شعب متحضر متمتع بلغة واسعة الانتشار ودين ثابت الأركان في أنحاء العالم.

وكتب بعض اليهود الإنجليز بعد الحرب يطلبون أن تعتبر لهم في إنجلترا جنسيتان إحداهما دينية قومية والأخرى وطنية مدنية؛ لأنهم حرموا الوطن السياسي، فصار لهم من الدين وطن معنوي ينوب عن معالم الأرض وتخومها، وثبتت قوة الدين في إذكاء نار الوطنية حين تصدت طائفة من العلماء الملحدين لقيادة الدعوة الصهيونية، وكان على رأسها ماكس نورداو (المتوفى سنة ١٩٢٢ في إسبانيا) وهذا الرجل كان ملحدًا، وكان هدامًا للحضارة الأوروبية الحديثة، ولكن إلحاده كان مقصورًا على كتبه ليشك أهل النصرانية في عقائدهم؛ ليمكن لليهود من السيادة العالمية عن طريق التفكك الذي يعرو العناصر الأوربية، وهذا ما فطنت إليه ألمانيا النازية فأجلت اليهود عن أراضيها.

وإذا انتقلنا إلى أمثلة أقرب إلى مصر وأحدث عهدًا في الدولة العثمانية، نجد أن الوحدة الدينية كانت عاملًا لا غنى عنه في إنشاء القومية؛ إذ إن المدارك الأدبية والعقيدة الأساسية عن الإنسان في هذا العالم وواجباته لجيرانه يجب أن لا تكون من التفرق بحيث يستحيل معها ويصعب التفاهم جدًّا بين أبناء الأمة الواحدة، ولهذا كان الخلاف الجوهري بين نظر المسلم ونظر المسيحي في الدولة العثمانية حائلًا جعل نمو الروح القومي بين أبنائها من الأمور التي لا تحتمل الحصول (راجع كتاب رامزي مور في الوطنية والقومية. راجع تاريخ السلطان عبد الحميد للورد رانسوم)، ولكن هذه العقبة زالت بعد الحرب وبعد ظهور الصهيونية.

ليس الدين عبادات وكفى، ولكنه مظهر إجماع أتباعه على طريقة واحدة في التفكير في أهم ما يشغل الإنسان في حياته الحاضرة وما بعدها، فلا توجد رابطة أقوى من هذه الرابطة ولعلها في الشرق أكبر مصدر لتغذية الروابط الأخرى، وإذا أردنا أن نعرف هل الدين نافع للحضارة العربية أم لا، فالمحك الذي لا يكذب هو أمل الرفعة، فإن كان الدين يدع للخاضعين له أملهم في الرفعة والتسامي والتقدم وتمجيد الوطن والاستقلال فهو نافع، أما إن كان يحرم الأمة أن تسمو إلى مقام فوق مقامها ويحتم عليها أن تدين لغيرها بالسيادة والتفوق فهو غير نافع، وقد دلت التجارب السالفة على أن الدين قد كان له خير الآثار في حضارة الأمم؛ لأنه كان لها بمثابة المصباح تهتدي به إلى مواقع أقدامها خطوة بعد خطوة في شعب السراديب وأتياه الظلام (جمع تيه).

وكانت اللغة العربية الفصحى كالحبل المشدود بين تلك الشُّعَب يهديها إلى الوجهة في مفترق كل طريق، فلا تستغني عن المصباح ولا عن الحبل المشدود بحال، وبالدين وباللغة نياط أشرف أسباب الحياة وهو الأمل في السمو والارتفاع، وإن الاندماج الناشئ من تبادل الأفكار والقراءات لَأقوى من كل معاول الهدم التي يلجأ إليها الأغيار؛ لأن فيه تجديدًا مستمرًّا للعلاقات وإحياء ميت الآمال، ثم إن في كل وطن شيئًا مشتركًا نعلمه ونحس به وهو الشعور بفخر واحد وإهانة واحدة تميز كل وطن عن سواه، ويأتي هذا الشعور ويتغلغل في الأفراد من واحدة الدين ووحدة اللغة ومن تراث ثالث ورابطة قوية أخرى هي المنازع الفطرية.

وكلما اتسعت دائرة علمنا وازدادت خبرتنا بالحياة ظهر لنا أن أصعب ما فيها إنما هو تغيير منزع فطري، والحياة بحذافيرها ما هي سوى جملة منازع فطرية تجسمت في بنية واحدة.

إذن النزعة الفطرية قوة نفسانية وأثر تاريخي ووحدة وطنية، ومظهر حيوي لوحدة الأخلاق والميول في الأقوال والأفعال ووحدة الملبس والطعام والنوم والصحو والفرح والحزن والزواج والطلاق، ومرآة صادقة لكل ما يتجلى في حياة الأمم من الصور في الحقيقة والخيال، حتى الأمة الغربية لم تخلص من نزعات الجاهلية التي كانت شبه تركة الأمم المأثورة وميراث الشعوب المشتركة، وثروة القبيلة وعدة العيلة، ومظهر حياة الفرد ولسان الغريزة الناطق، وقلب الوجود الآلي النابض ومدى صوت العقل الباطن.

وغني عن البيان أن النزعات الفطرية تشمل التقاليد التي تركزت وتقدست بمضي الزمان، وأظهر ما تكون عليه التقاليد من قوة مشاهد في بلاد الإنجليز الذين يستمدون معظم شئون حياتهم القومية من تقاليدهم الموروثة والمكتسبة كما ظهر في حفلات تتويج مليكهم التي لم تتغير من مئات السنين.

روى لنا أحد الثقات أن دولة أجنبية استولت في وقت ما على بلاد إيران، وكانت تعلم ما لشاهنامة الفردوسي من شأن، فهي إلياذة إيران ومجمع تقاليدها ورمز مجدها يقدسها الفارسي المسلم بعد القرآن، فأنفقت مالًا كبيرًا في شراء ما استطاعت شراءه من نسخ الشاهنامة ثم أعدمتها محاولة بذلك القضاء على الكتاب الأوحد الذي يذكِّر الفارسي بمجد أجداده وأعمال ملوكه.

فما بالنا باللغة العربية والكتاب العربي والتقاليد العربية، وهي أقوى مظاهر حضارتنا قديمًا وحديثًا؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.