وللقارئ أن يبتسم، بل هو مبتسم حتمًا إذا أوحى إليه العنوان أنها ساعة واحدة مع الشيطان.

أساعة واحدة مع هذا الزميل الأبدي الذي صحب أبانا آدم في الجنة وشيعه إلى الأرض ولم يفارق أبناءه منذ تلك الساعة إلى هذه الساعة؟!

لو قال قائل: إن الشيطان يفارقه ساعة في اليوم، أو في الأسبوع، أو في الشهر، لكانت هذه دعوى عريضة من بني آدم في هذا الزمان.

فأما أن يزعم أن ساعة واحدة مع الشيطان شيء نادر يدار عليه الحديث في الصحف فلا جواب لتلك الدعوى غير الابتسام. ويحق للقارئ كما قلنا أن يبتسم، ولا يضيرنا في الواقع أن يبتسم! فإنها في آخر الأمر ابتسامة متبادلة، نأخذها من القارئ ونعيدها إليه بفوائدها، إلا إذا تخيل أن أوقاته مع ذلك الزميل الأبدي أقل من أوقاتنا، فلا تكون هذه الدعوى منه إلا دليلًا على الملازمة الشيطانية التي لا تسمح بفراق دقيقة واحدة، ولا يحق له إذن أقل من ستين ابتسامة في نسق واحد، وإلا ظلمناه وغَبَنَّاه.

ولكنها ابتسامة متعجلة

أما الواقع فإن هذه الابتسامة — كيف كانت — عجلة من الشيطان؛ لأننا لا نقصد الشيطان الأبدي حين نقول: إنها ساعة قضيناها معه وكتبنا عن قصتها هذا المقال.

إنما هو شيطان الكاتب الإيطالي «جيوفاني بابيني» الوليد الصغير الذي لم يمضِ على ميلاده شهران بحساب اللغة الفرنسية على الأقل، ولم يصل إلى مصر إلا منذ أسبوع.

وجيوفاني بابيني قد ألَّف في أول القرن كتابه عن السيد المسيح، واعتزم أن يؤلف هذا الكتاب عن الشيطان منذ خمسين سنة، فلم ينجز وعده إلا في السنة الأخيرة، وهو تسويف على الوعود الشيطانية غير كثير.

وربما كان كثيرًا أن نقول عن هذا الشيطان: إنه شيطان الكاتب الإيطالي الكبير.

فإن «بابيني» لم يخلق لنا شيطانًا من خياله كتلك الشياطين التي خلقها الشعراء والأدباء واشتهر بها أمثال مِلتون الإنجليزي وجيتى الألماني وكردوتشي الإيطالي ولرمنتوف الروسي وآخرون وآخرون من أصدقاء الشياطين المخلصين وأعدائهم.

كلا، لم يفعل «بابيني» هذا، ولم يبتكر في كتابه شيطانًا من عنده، ولكنه استوفى الإحصاء — أو كاد — عن شياطين الزمن القديم وشياطين الزمن الحديث واستقصى الأخبار عن الشياطين في كل دين وكل لغة وكل أمة؛ فمنها الشيطان الإسرائيلي والشيطان المسيحي والشيطان الإسلامي، ومنها من يتمتع بالجنسية المصرية ومن يتمتع بالجنسية اليونانية أو الهندية أو الفارسية، ومنها شياطين الشعراء والفلاسفة والحكماء.

مجموعة حافلة من كل لون، وتحفة جديرة بموحي التحف إلى عباقرة الفنون ومحتكر الصنف كله — صنف الإغراء والإيعاز والإيحاء — في عرف رجال الدين.

الشيطان «المودرن»

وأطرف ما في هذه التصنيفة الحافلة شيطان حديث يصوره لنا الكاتب الروسي البولوني «مرجكفسكي» صاحب الكتاب المأثور عن المسيح المجهول.

يقول المثل: «أعطِ الشيطان حقه!»

ولكننا على ما يظهر من كلام مرجكفسكي قد أعطينا الشيطان فوق حقوقه جميعًا حين وصفناه بسعة الحيلة وادعينا له أنه خبير بفنون الاختراع والتجديد في هذا الباب.

فكل حيلة من قبيل الحيل المعادة، أو كلها من قبيل الحمرة الجديدة في البواطي القديمة … ليس فيها من جديد في معدنها الأصيل، ولكنها كالثوب الرديم الذي يحوره ويدوره مع اختلاف الأزياء بين موسم وموسم وبين هندام وهندام.

آية ذلك أنه يغري الناس اليوم بالحيل التي حاول قبل تسعة عشر قرنًا أن يغري بها السيد المسيح.

وارجع إلى هذه الحيل في «إنجيل متَّى»، فماذا ترى؟

ترى كاتب الإنجيل يقول: إن السيد المسيح بعدما صام أربعين يومًا وليلة جاع كثيرًا، فقال له إبليس: «إن كنت ابن الله فقل لهذه الحجارة تصير خبزًا … ثم أخذه إبليس إلى جناح الهيكل وقال له: إن كنت ابن الله فاطرح نفسك إلى أسفل … ثم أخذه إلى جبل عالٍ جدًّا وأراه جميع ممالك العالم ومجدها وقال له: أعطيك هذه جميعًا إن خررت وسجدت لي!»

أليست هذه أقوى حيل الشيطان؟!

لو كان عنده أقوى منها لكان السيد المسيح أحق بتجريبها فيه، ولم يدخرها لأحد غيره.

فهذه الحيل — على قول مرجكفسكي — هي كل بضاعة الشيطان العصري يعيدها ويكررها بقالب جديد.

تحويل الحجر إلى خبز هي صناعته التي علمها أصحاب الكيمياء؛ فاستطاعوا بها أن يستخرجوا اللحم الصناعي والزبدة الصناعية والأطعمة الصناعية جميعًا من مادة الجماد.

والسقوط إلى أسفل، أو السقوط إلى أعلى … هي هي صناعة الطيران وما جرته من بلاء الإنسان على الإنسان.

ومملكة العالم هي الشهوة الشيطانية التي تحفز الكتلتين إلى الصراع الوبيل على السيادة العالمية.

فما أقدم حيل الشيطان، وما أيسر الألاعيب التي يسرح بها هذا الألعبان!

الشيطان الدولي

ونفهم من كتاب «بابيني» أن فوارق الجنسية غير مقصورة على الأجناس الآدمية.

فهناك عصابة دولية من الشياطين تنتمي إلى الشرق والغرب، وإلى الأقدمين والمحدثين.

هناك الشيطان المصري «سبيت» أقدمها جميعًا وأولها في ترتيب التشريفات أو التحقيرات، وهو شبيه بالصحراء التي كان المصريون يخشون حرها وسمومها كما نخشاها نحن في هذه الأيام. ورذيلته الكبرى؛ الغيرة والنكاية والرعونة التي تتشبه بالشجاعة والإقدام.

وهناك الشيطان الهندي «مرتيا» وهو يغري بشهوات الجسد، ويقود الإنسان مِن ثَمَّ إلى الموت ويربطه بدولاب الحياة والرجعة أبدًا، فلا يزال ذاهبًا راجعًا كلما تناسلت الأمهات والآباء.

وهناك الشيطان الفارسي «أهريمان» وهو رب نزل من عرش الربوبية ولم يزل محتفظًا بدعواها مهددًا بالخراب والعذاب كل من يأباها.

وهناك الشيطان الإغريقي «تيفون» وهو الذي ولدته «هيرا» لرب الأرباب ساخطة عليه متهمة له بخيانتها ومغازلة الربات والإنسيات في غفلة منها. فهو ثائر متمرد مفتون بالعصيان، ومصيره إلى الهاوية في قيود الذل والهوان.

وعلى كل دين

وتختلف الشياطين على حسب الأديان كاختلافها على حسب الملل والألوان.

فالشيطان اليهودي هو «الضد» المعاند والواشي النمام، ويستعير من اليونانية هذا الوصف الأخير.

والشيطان المسيحي هو رسول الخطيئة وناقل الإنسان من حياة الخلود إلى الحياة التي يختمها الموت ويعيدها التكفير إلى خلودها الأول.

والشيطان الإسلامي هو المتكبر الدساس خادم الرذيلة والفساد وسيد الأراذل والمفسدين.

وإن بابيني ليفهم شيطان اليهودية فهمًا حسنًا، ويفهم شيطان المسيحية فهمًا صحيحًا، ولكن فهمه للشيطان الإسلامي ليس بالحسن ولا بالصحيح.

يقول الكاتب الإيطالي: إن الإسلام عجيب في موقفه من الشيطان، ويكاد يقول: إن الإسلام يظلم الشيطان؛ لأن الشيطان كان «منطقيًّا» في اعتقاده أنه أفضل من آدم؛ لأنه من نار وآدم من طين! أو كما قال بشار بن برد بوحي من الشيطان:

إبليس أكرم من أبيكم آدم

فتبينوا يا معشر الأشرار

النار عنصره وآدم طينة

والطين لا يسمو سموَّ النار

ومهما يكن من حقيقة التفاضل بين العناصر؛ فالكاتب الإيطالي يرى من التناقض أن يكون الإسلام دين الوحدانية الذي لا يقبل الهوادة في تعدد الآلهة على أي صورة وبأي تأويل، ثم يقول لنا: إن الله أمر إبليس بالسجود لآدم، ثم يلعنه؛ لأنه أبى السجود!

شيطان غير مفهوم

والذنب في هذا التناقض المزعوم على «بابيني» لا على الإسلام؛ لأنه فهم «أولًا» أن السجود بمعنى الصلاة، وهو جهل منه بالفارق بين معنى السجود في اللغة، ومعناه في اصطلاح الفرائض الدينية.

فالسجود في اللغة هو الخضوع والتوقير، ولم يكن العربي القديم يفهم من السجود أن يضع جبهته على الأرض متعبدًا أو مصليًا كما نفهم بعد ذلك من اصطلاح الصلاة.

كذلك الزكاة لها معنًى في اللغة ومعنًى في اصطلاح الفرائض؛ فليست التزكية لغةً هي بذل الحصة من المال بالمقدار المعلوم، ولكنها فهمت كذلك بعد فرض الزكاة، وإن كان في التسمية خلاف.

وكل تلميذ من تلاميذ الشرق العربي قد سمع المعلم وهو يعاقب بعض تلاميذه فيقول له: «اركع ديس»، وما من أحد يزعم من أجل ذلك أن المعلمين يأمرون التلاميذ بعبادتهم والصلاة لهم في البلاد العربية!

إن الله لم يأمر إبليس بالصلاة لآدم، ولكن «بابيني» هو الذي فهم السجود على غير معناه.

أما تفضيل الطين على النار فلا غرابة فيه عند «بابيني» نفسه على فلسفته التي شرحها في هذا الكتاب.

وفلسفته التي شرحها في الكتاب هي أن الفضيلة بغير فتنة وغواية شيء غير مفهوم.

فبغير الكبرياء لا عبقرية ولا بطولة، وبغير الشهوة لا معنى لتغليب الروح على الجسد ورفض اللذات في سبيل العفة والطهارة، وبغير الغضب لا معنى لفضائل العدل والإنصاف، وبغير الطمع لا معنى للرخاء والاعتدال، وبغير الكسل لا معنى لمذاهب السلوك التي شرعها كنفشيوس ولاوتسي من حكماء الصين.

ولهذا كان الشيطان «ضروريًّا» في عرف بابيني؛ لأن امتحان النفس بالغواية هو الذي يثبت لها الفضل في المقاومة والثبات.

ولهذا كانت فضيلة الإنسان على المخلوقات؛ لأنه عرضة للشهوات والرذائل … أما سائر المخلوقات ففي أمان وعصمة من التمييز بين الخير والشر والتكليف بتغليبها لخيار الأمور على شرورها.

وشيطان الإسلام إذن مفهوم جدًّا، وإن كان عند الكاتب الإيطالي متناقضًا غير مفهوم.

والطين الذي يفسد ويتغلب على الفساد أشرف من النار التي تقوى على إصلاح الفساد ثم تعجز عن الإصلاح.

الشيطان الشهيد

ومن ضرورة «الشيطنة» في عرف بابيني ننتقل إلى ضرورة الشيطنة في عرف صديقنا توفيق الحكيم.

إن الأستاذ الحكيم كان «أَفَنَّ» من بابيني في رفضه التوبة من الشيطان.

لقد ذهب ليتوب على يد الحَبر المسيحي فلم يتقبل منه التوبة؛ لأنه لا يملك «التصرف» في عقيدة الخطيئة والتكفير.

وذهب ليتوب على يد الشيخ المسلم فلم يدرِ الشيخ كيف يقول بعدها: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم!»

وذهب قبل ذلك إلى الحاخام اليهودي فأنكر عليه التوبة التي تسوي بين الشعب المختار والشعوب التي يختارها الشيطان أو تختاره هي بالمعصية والإنكار.

إن هذا الشيطان ضرورة «فنية» في رواية الخليقة، وهل تصلح الرواية بغير شريرها أو وغدها كما يقال باصطلاح الفن الجميل؟

إن المسكين ضحية لأزمته …

إن المسكين شهيد الضرورة، وإن كانت شهادة الضرورة غير شهادة الاختيار.

بين التوبة والغفران

وإلى هنا يمتاز الكاتب المصري باللباقة الفنية، ويستحق ولا ريب حسن الجزاء من شياطين الفن على أقل تقدير!

ثم يمضي الكاتب الإيطالي خطوة لا يستطيعها الكاتب المصري؛ لأنها خطوة، بل خطوات في أسرار علم اللاهوت.

إذا كان الشيطان ضحية الضرورة فهل له أن يطمع بعد انقضاء الدنيا في رضوان العالم الآخر؟

هل له أن يطمع في الغفران أو هو «طمع إبليس في الجنة» كما يقال في عامة الأمثال؟

بابيني يفتي باحتمال الغفران، ويعتمد في ذلك على مراجعَ كثيرةٍ من القرن الأول للميلاد إلى القرن العشرين.

يعتمد على «أوريجيني» فيلسوف المسيحية الكبير في القرون الأولى، ويعتمد على فلاسفة اللاهوت الإسكندريين، وهم يقولون: إن الشيطان لن يبقى له وجود ولا لزوم بعد ارتفاع الموت والخطيئة من الدنيا، وإنه لا يبقى شيطانًا بعد ذاك، بل تتغير فيه الطبيعة التي كان قوامها خطيئة وموتًا من غواية العصيان.

ويتقدم الكاتب مع القرون إلى العصر الحديث، تارة مع القديس جريجوار النيسي وتارة مع القديس جيروم، وتارات أخرى مع فان فوندل الملقب بشكسبير هولندة في القرن السابع عشر، أو مع ألفريد دوفيني الفرنسي في القرن التاسع عشر، وكلهم يقولون: إن الملائكة أنفسهم سيطلبون له الرحمة بعد ارتفاع الخطيئة والموت، وإنهم بعد لَأْيٍ ما سَيُجَابون.

ولا ينسى «بابيني» كلام إنجيل متى الذي روى أن السيد المسيح في اليوم الآخر «يقول للذين على اليسار: اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته!»

لم ينسَ بابيني هذا الوعيد ولكنه استعان بخبرته اليونانية ففسر الأبدية هنا بالمعنى اللغوي وأبى أن يفسرها بالمعاني الفلسفية التي استعارها من فلسفة علماء اللاهوت، ولو أنه فعل مثل ذلك في تفسير السجود لما ادعى على الإسلام أنه غريب في موقفه من الشيطان.

هذه الخطوة التي خطاها بابيني إلى أسرار علم اللاهوت يا ليته ما خطاها!

لأنها جرت عليه الغضب من بعض المتشددين فأنذروه بالعقاب الذي لا يقبل الغفران؛ لأنه أفتى بجواز الغفران على الشيطان.

ونعلق الدعاء له فلا نقول: والله يغفر له. بل نقول وعلى الله القبول: «ويغفر الله لمن يشاء حين يشاء.»

بمعونة الله

ثم نعود إلى قارئنا الذي لمحنا على فمه الابتسام من عنوان «ساعة مع الشيطان».

فمهما يكن من الأمر فنحن لم نقرأ كتاب «الشيطان» إلا بمعونة من الله؛ لأننا قرأناه باللغة الفرنسية، وهي اللغة التي يعيننا الله على فهمها كلما احتجنا إليها؛ لأننا تعلمناها في مدرسة كثيرة القيود والأغلال … وتعلمناها على أستاذ من أجهل الناس باللغة الفرنسية!

أما المدرسة فهي سجن قره ميدان!

وأما الأستاذ فهو كاتب هذه السطور!

وجلية الخبر أنني قضيت من مدة الحبس أربعة أشهر حين صدور الحكم عليَّ بتسعة أشهر، فبقي منها خمسة لم أدرِ كيف أقضيها بلا عمل ولا راحة … فاستخرت الله ودعوت بكتب «التعليم الذاتي» للغة الفرنسية، وخرجت من السجن وأنا أقرأ أناتول فرانس وأعجز عن قراءة أندريه جيد.

وكنت أيأس أحيانًا وأعرض مشكلاتي على زميلي في السجن الأستاذ حسن النحاس، فكان جزاه الله خيرًا يعيد الطمأنينة إليَّ ويفهمني أنها مشكلات تعضل على الفرنسيين أنفسهم، فلا موجب لليأس إذا هي أعضلت على المبتدئين …

ثم احتفظت بمعلوماتي الفرنسية القليلة بعد خروجي من السجن لمطالعات الضرورة.

أما مطالعات الضرورة عندي فهي الكتاب الذي أعرف مؤلفه وأحب أن أطلع على ثمرات فكره، ثم لا أجده مترجمًا إلى اللغة الإنجليزية.

وهكذا الشأن في كتب «بابيني» التي عرفتها وعرفت منها نزعة حسنة، وإن لم يكن لها عمق، ولم يكن لها في أكثرِ الأحوالِ فضلُ ابتكار.

ذهبت إلى الإسكندرية في أسبوع شم النسيم فوجدت أمامي في إحدى المكتبات مؤلفه الحديث عن الشيطان.

فأغراني به شيطان المطالعة الذي لا يفلت من براثنه أحد وقع في قبضتها.

وأعانني الله عليه، والحمد لله .

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.