كان أحد أبنائي، وهو صغير، إذا رأى قطرة من دم إنسان أو حيوان أو طير، تنهض معدته، ويكاد يُغمى عليه، فكنت أرضى وأسخط في آنٍ معًا، فأما الرضى فعن هذه الرقة في القلب، وذلك النفور من مناظر الألم في صوره المختلفة، واستبشاعها، وكراهة القسوة. وأما السخط فلأني كنت أخشى أن تُفضي الرقة إلى الضعف، فتترك صاحبها خرعًا، سريع الجزع، قليل الجلد، والدنيا قاسية، والحياة لا ترحم، وقد بلوتُ من المحن وتقلب الأحوال بي ما أقنعني بأن المرء ينبغي أن يكون طودًا راسخًا، لا يعبأ — بل لا يحس — بالعواصف والأعاصير، وصرت كلما أصابتني مصيبة أتمثل بقول الشريف الرضي وأكرره وأردده: «لا زعزعتك الخطوب يا جبل!» لأقوي ضعفي، وأزيد قدرتي على التحمل والتجمل، وأغرتني الحاجة إلى التشدد بالتفلسف على نفسي، وأحمد الله، وأشكر نعمته عليَّ، فقد سكنتُ، وأصبح عندي كل شيء ككل شيء، وكل حال ككل حال، فلا المال يبطرني، ولا النعيم يفتنني، ولا الفقر يشق عليَّ، ولا الحرمان يشقيني، وأعانني على ذلك أني نظرت إلى الناس طُرًّا، وإلى نفسي، ثم إلى هذا الكون المهول الذي لا أول له يُعرف، ولا آخر له يُدرك، وإلى «جملة» الحياة فيه على اختلاف مظاهرها، ووضعت هذا الناس في كفة، وهذا العالم في كفة، فشال الناس، فاستحييت أن أضع نفسي في الميزان أمام كون لا وزن فيه للناس طُرًّا، وصرت أقول لنفسي: من أنا؟ ماذا؟ ولا أجد جوابًا سوى أني أنا وهذا الناس جميعا «لا شيء»! إذن يستوي أن أجزع وأن أصبر وأتجمل وأتحمل، فالصبر والتشدد أول وأرشد، وقد يكون الصبر — أو القدرة عليه — مظهر بلادة، أو يكون مظهر إدراك صحيح، ولكنه على الحالين هو الأخلق بالإنسان.

وأضحك من نفسي أحيانًا، وأركبها بالسخر من تفلسفها، وأسألها: ما الفرق — باللهِ — في نظر «الحياة» بين أن تكون صابرًا غير جزوع عن بلادة، وبين أن تكون كذلك عن إدراك صحيح؟ إنه لا فرق عند الحياة، لأنها لا تباليك جزعت أم صبرت، لأن همها أن تظل مظاهرها باقية، لماذا؟ لا يدري أحد، لا أن تسعدك أو تشقيك، فلتسعد، أو فلتشقَ، هذا لا يعنيها، وهي لا تقصد إليه، ولعلها لا تفهم هذه السعادة التي تنشدها أو الشقاء الذي تتبرم به وتسخط عليه.

ورأيت مرة بيتًا للنمل في أصل جدار، خرجت منه مئات وآلاف من هذه المخلوقات الصغيرة، خرجت منه صفًّا طويلًا، وعادت إليه صفًّا طويلًا، متعاونًا على حمل قشة لو نفختها لطارت عشرة أمتار، فهممت أن أدوس هذا النمل كله، وماذا لو فعلت؟ آلاف من الأرواح أزهقتُها بوطأة قدم! وأي قدم؟ قدم رجل فيه من الضعف فوق ما فيه من القوة! بل كله ضعف، وليست له قوة، وأية قوة له أمام هذه «الحياة» العاتية التي لا تعرف إلا قانونها الصارم؟

ولو دست هذا النمل لهلك منه آلاف، ولكن النمل يبقى، ويظل يروج ويجيء إلى بيوته، ولا يفنيه ذهاب آلاف منه، ويمنعه هلاك هذه الآلاف أن يعتقد أن دنياه هي الدنيا، وأن حمل القشة إلى بيت من بيوته أهم ما في الحياة، وأن التضحية بهذه الآلاف في سبيل قشة، لا تُستكثر ولا تُستهول.

فقلت لنفسي، وأنا أتأمل هذا النمل، هذا هو حالنا نحن بني آدم! قشة نشقى في سبيل الفوز بها، ويدوسنا القدر فنهلك، ولكن يبقى الجنس الإنساني، والقدر لا يتعمد دوسنا وهلاكنا، فإنه ماضٍ في طريقه، وما أهلكنا إلا أننا كُنَّا في الموضع الذي كان لا بد أن تطأه قدمه.

وفكرت في التربية وصعوبتها، إذا تركت ولدي على الرقة خِفت أن يكون ضعيفًا خوارًا، وإذا قويت ضعفه، خفت أن يكون متمردًا جبارًا، والوسط بين هذين عسير مطلبه، فإنَّا كما يقول «هكسلي» في كتاب حديث له: نعيش في «ثورة»، وقد جاءت هذه الحرب وأعقابها بما أضعف الثقة — بل ضيعها — بالعدل والحق، وكاد يقضي على الإيمان بهما، وعوَّد الناس القسوة وغلاظة الكبد، وأنذرتهم القنبلة الذرية أن الدنيا — أو الحضارة — إلى فناء، وقد يكون في هذا تهويل مقصود، ولكن الجماهير في كل أمة جاهلة، والإلحاح بهذا التهويل موئس، فإذًا تنتظر؟ الدنيا — أو الحضارة — ستفنى قريبًا، فماذا يبقى من قيمة القوانين أو الشرائع، وما قيمة التعاطف والتزاحم والمؤاخاة والمساناة في عالم هذا مآله القريب الذي لا مفر منه؟

من ذا الذي يستغرب هذا الإجرام الذي فشا في العالم، وبلادنا في جملتها؟ أما أنا فلا أستغربه، فإنه مظهر يأس، لا من أحوال اجتماعية خاصة في بلد من البلدان، بل من أحوال عالم بأسره ممتحن بمعاناة ثورة أو انقلاب في تفكيره واتجاهاته، ومحتاج إلى زمن طويل حتى يستطيع أن يستعيد سكينة النفس، واتزان الأعصاب، والقدرة على التفكير الرشيد القويم.

كيف يربي الرجل ابنه في هذا الزمن الحافل بعوامل الاضطراب النفسي؟

أعترف أني حائر، ولكني آثرت أَخَفَّ الشَّرَّيْنِ، وحاولت — وأرجو أن أكون قد وُفِّقْتُ — أن أحتفظ لابني برقة قلبه، وأن أقوي نفسه من ناحية أخرى حتى لا يضعف، أو يعجز عن التشدُّد في المواقف التي تتطلب الجلَد وقوة القلب.

ومن يدري أأصبت أم أخطأت؟ ووُفِّقْتُ أم خِبْتُ؟ جواب هذا رهن بالامتحان. ويا ما أكثر ما أقول لنفسي: «تحاول أن تعالج ضعف ابنك وأنت أضعف منه!»

ثم أقول في الجواب — وكل امرئ مغرى بإنصاف نفسه: «ولِمَ لا؟ ألست قد كبرت وعرفت أشياء، وصار السلطان لعقلي دون شعوري أو عاطفتي، في الأغلب؟ ومن أولى من ابني بأن ينتفع بتجاربي وبما بلغته من الرشد؟» ثم أعود فأقول لنفسي، وأنا أهز رأسي: «وهل رأيت أحدًا انتفع إلَّا بتجاربه هو دون تجارب الناس؟»

الحق أقول إني حائر لا أهتدي، ومضطرب لا أستقر، ولا عجب، فهل أنا إلا بشر؟ أو نملة في هذا الوجود المهول، مشغولة بقشة، قشة ليس إلا؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.