في أوائل سنة ١٩٣٩ فكرت وزارة ذلك العهد في أن تمنح جامعة القاهرة الملك السابق فاروق درجة الدكتوراه الفخرية، واقتضى منحها أن تعقد في قاعة الاجتماعات الكبرى بالجامعة حفلة كبرى، وأن يكون في مقدمة خطباء الحفلة أستاذنا أحمد لطفي السيد بوصفه أول مدير للجامعة، فقد تولى هذا المنصب أول ما أنشئت الجامعة رسميًّا في سنة ١٩٢٥، واستمر فيه إلى سنة ١٩٣٨، خلا فترات قصيرة تولى أثناءها وزارة المعارف.

كان طبيعيًّا إذن أن يخطب لطفي السيد في حضرة الملك السابق، وكان من تقاليد القصر إذ ذاك أن تعرض عليه مثل تلك الخطب، ومع ما في هذا التقليد من معنى غير كريم بالنسبة للوزراء والزعماء، فقد كانوا لا يأبونه اقتناعًا منهم بأنه من الرسميات التي لا تقدم ولا تؤخر، وبأنه لا يستحق أن تثار بسببه أزمة يطول الحديث حولها، وقد تسوء آثارها.

وفي صباح يوم الاحتفال بمنح الدكتوراه الفخرية علمت أن وكيل الديوان رغب إلى أستاذنا لطفي السيد في أن يرفع من خطابه جملة يتحدث فيها عن الديموقراطية، وأن أستاذنا غضب لذلك وقرر الامتناع عن إلقاء خطابه إذا أصر رجل القصر على رأيه، ونظرت أنا في الخطاب بوصفي وزير المعارف والرئيس الأعلى للجامعة واثقًا من أني لن أجد فيه ما يستحق أية ملاحظة عليه، فأستاذنا لطفي السيد معلم جيلنا كله ليس بالرجل الذي يراجع أحد تلاميذه ما يكتبه، ولم أجد بالفعل في الخطاب إلا ما يعتز به كل كاتب، وما لا يمكن أن يضيق به ملك دستوري، وذكرت لرجل القصر رأيي هذا وقلت له: إن رفع الجملة الخاصة بالديموقراطية معناه أن الملك لا يؤمن بالديموقراطية، ولا مصلحة للملك في أن يقال ذلك عنه، ولما رأى رجل القصر إصرار لطفي على ألا يتلو خطابه إذا رفع منه شيء، ترك مدير الجامعة الأول يلقي الخطاب كاملًا بكل جمله وكلماته وحروفه.

وقد اضطر رجل القصر إلى قبول هذا الوضع؛ لأن الصحف كانت قد نشرت برنامج الحفلة وأن لطفي السيد من خطبائها، فلو أنه لم يتكلم لتساءل الناس عن سبب امتناعه، ولعرفوا أغلب الأمر هذا السبب، ولأضرت معرفتهم هذه بالقصر وصاحبه، فكان لذلك من سوء الأثر ما لا تعادله أية عبارة تقال تمجيدًا للديموقراطية.

تُرى لو أننا صنعنا جميعًا مثل هذا الصنيع يومئذ فلم ننزل على رغبة غيرنا في أمر لا يرضاه ضميرنا، ولا تطمئن إليه كرامتنا، أفكانت أمور ذلك العهد تجري كما جرت؟ أم أن ما وقع إذ ذاك من الأخطاء والخطايا قد كان سببه أن كثيرين لم يكونوا يقيمون لحساب الضمير والكرامة الوزن الواجب لهذا الحساب وكانوا لا يأبون أن ينافقوا على حساب ضمائرهم وكرامتهم، وأن هذا النفاق هو الذي جر على البلاد كلها ما أدى إلى خلع الملك السابق وإلى نهاية عهده.

وليس النفاق للجماهير أقل ضررًا للمصلحة العامة من النفاق لذوي السلطان، فهذا النفاق يفسد الجماهير كما يفسد ذوي السلطان، وهو لذلك سيئ العاقبة في حياة الأمة، ولو أننا تعلمنا ألا نقول إلا الحق كما نعتقده، وتعلمنا أن نسكت إذا لم نستطع قول الحق، لكان ذلك أجدى على الجماهير وعلى صاحب السلطان، وأكفل بتحقيق الخير العام، والمحافظة على كرامتنا الإنسانية، فاحترام الضمير وعدم مخالفته هما الوسيلة للمحافظة على الكرامة وعلى الشرف، ولذلك قالوا: «تكلم بحق وإلا فاسكت».

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.