سمعتُ الكتاب الذي أرسلته إليَّ «الهلال» تريدني فيه على أن أتحدث إلى قرائها عن أخلاق الأدباء، ثُمَّ التفتُّ إلى صبي أحبه وأوثره وسألته عن أظهر أخلاق الأديب فقال في لهجة الجد: «الثرثرة، وتضييع الأوقات، وتصديع الرءوس».

ثم استأنى شيئًا كأنَّما يُفكِّر فيما قال ويتناوله بالتمحيص والنقد، ثم استأنف حديثه فقال: «ولكن من غير الأدباء من يثرثرون، ويضيعون الوقت، ويصدعون الرءوس، فلنقل إيثارًا للدِّقة وحرصًا على التحقيق، أنَّ الأديب يتخذ الثرثرة صناعة وفنًّا وطابعًا يطبع به حياته وغايته ينفق فيه جهده، على حين يثرثر غيره هاويًا للثرثرة، لا مقصورًا عليها، ولا مدفوعًا إليها بحكم الغريزة والطبع»، وكذلك استطاع هذا الصبي أن يُصوِّر أظهر صفات الأديب في شيء من الغلو والإسراف، ولكن في شيء من الإصابة غير قليل، ولهذا الصبي عذره فيما أسرف وما غلا، فهو نفسه يحب الأدب ويتكلفه ويوشك أن يشارك فيه، وربما كان الغلو من أخص صفات الأديب وأظهر خصاله، ولعلَّ الغلو أن يكون الخصلة الأولى الجوهرية التي تنشأ عنها أخلاق الأديب، والتي يصدر عنها الأديب فيما يفعل وما يقول، فالأديب من غير شكٍّ إنسان صناعته الكلام، لا يتكلم ليؤدي ما تعوَّد النَّاس أن يؤدوه من المعاني فحسب، ولكنَّه يتكلم؛ لأنَّه اتخذ الكلام غاية وغرضًا، وهو لم يتخذ الكلام غاية وغرضًا؛ إلا لأنَّه أفاض عليه من الروعة وأشاع فيه من الجمال ما جعله خليقًا أن يتنافس النَّاس فيه ويتهالكوا عليه، وما جعله خليقًا أن يطلب أشد الطلب ويرغب فيه أشد الرغبة، فيتيه به أصحابه ويتخذه مُنشئه تجارة تربح أحيانًا، ويدركها الكساد أحيانًا أخرى، فالأديب إذن قد عمد إلى الكلام الذي يتخذه النَّاس وسيلة إلى تأدية أغراضهم، وأداة إلى أن يفهم بعضهم بعضًا، فحوله عن وجهه وجعله غاية بعد أن كان سببًا، وغرضًا يقصد لنفسه بعد أن كان أداة يوصل إلى غيره، والذي مكَّن الأديب من أن يجعل الكلام غاية بعد أن كان وسيلة، وغرضًا بعد أن كان أداة وسببًا، إنَّما كان هذا الغلو الذي ركب في طبعه، والإسراف الذي كوَّن مزاجه، فسيطر على حياته كلها، غلو في الحسِّ يجعله يحس الأشياء على نحو أقوى وأشد مما يحسها غيره، وغلو في الشعور والعاطفة يجعله يندفع إلى الأشياء أو يرتدُّ عنها، على نحو أقوى وأشد مما يندفع غيره إلى الأشياء أو يرتد عنها، ثُمَّ غلو في الحكم والتقدير يجعله يقوِّم الأشياء تقويمًا لم يتعوده النَّاس ولم يألفوه، ثُمَّ غلو بعد هذا كله في تصوير الأشياء والتعبير عنها، يجعله يعرض الأشياء على نحو غريب لم يألف النَّاس عرضها عليه، وهم من أجل ذلك يُقبلون عليه، ويكلفون به، ويتنافسون فيه.

وما أعرف أنَّ أديبًا يشذ عن هذه القاعدة، أو ينحرف عن هذا الأصل؛ فالشعراء والكُتَّاب يختلفون في إيثارهم للمبالغة، وحرصهم على القصد والاعتدال، ولكنَّهم على ذلك متفقون في مقدار من الغلو لا يكون أحدهم شاعرًا أو كاتبًا بدونه، فلن تجد أديبًا إلا وهو مرهف الحس، دقيق الشعور، رقيق المزاج إلى حدٍّ لا يُشاركه فيه غيره من النَّاس، وإرهاف حسه، ودقة شعوره، ورقة مزاجه إلى هذا الحد غير المألوف هي التي ميزته من النَّاس، فأتاحت له أن يجد ما لا يجدون، ويشعر بما لا يشعرون، ويقول بعد هذا كله ما لا يقولون، ويذهب من مذاهب القول وألوانه ما لا يألفون.

فإذا أردت بعد هذا أن تعرف أخلاق الأديب؛ فارجع بها إلى هذا الأصل، وردَّها إلى هذا المصدر، فستنتهي بها إلى الينبوع الذي فاضت منه، وإلى المعدن الذي صدرت عنه، وقد تعوَّد النَّاس أن يظنوا بالأدباء الظنون، وأن يُضيفوا إليهم من الأخلاق والخصال ما يخيل إليك أنَّهم يمتازون به من غيرهم، وينفردون به انفرادًا، والنَّاس معذورون فهم يرون للأدباء أو الممتازين منهم على أقل تقدير أطوارًا غريبة خاصة، وهم يقرءون من شعرهم ونثرهم ما يصور لهم ألوانًا من الحياة ينكرونها ويرغبون عنها، أو يؤثرونها ويحرصون عليها، ولكنهم لا يألفونها عند أوساط النَّاس.

فهم يعرفون من أمر بشار ما يعرفون؛ إسرافًا في اللهو، وغلوًّا في العبث، وتهالكًا على اللذة، ودفاعًا عن هذا كله، واستهتارًا بهذا كله، فما يشكُّون في أنَّ بشارًا رجلٌ شاذٌّ، وفي أنَّ شذوذه جاءه من أنَّه أديب، وربَّما كان من الحق أن يروا أنَّ بشارًا رجل أدب، وأنَّ أدبه جاءه من أنَّه خلق شاذًّا، ولولا شذوذ فطرته وخروج الطبيعة به عمَّا ألف من اعتدال المزاج، واتزان الحس، واستقامة الشعور، لأحس الأشياء كما يحسها غيره من النَّاس، ولتصرف فيها وحكم عليها كما يتصرف فيها ويحكم عليها غيره من النَّاس، وقل مثل ذلك فيمن شئت من الممتازين المتفوقين بين الأدباء في كل بيئة، وفي كل عصر، وفي كل جيل، هم قوم شذت بهم الطبيعة عن المألوف، وخرجت بهم عن الطور الذي عرفه النَّاس، فمنحتهم حسًّا مُرهفًا وشعورًا دقيقًا ومزاجًا حادًّا، ودفعهم هذا كله إلى التأثر بالحياة وظروفها تأثرًا شاذًّا، وإلى التعبير عن الحياة وظروفها تعبيرًا شاذًّا، ولكنَّ الغريب أنَّ النَّاس لم يقبلوا الأدباء كما هم، ولم يرضوا عنهم جملة، وإنَّما أخذوا الأدب فشطروه شطرين، قبلوا أحدهما فتنافسوا فيه، ورفضوا أحدهما الآخر ونعوا عليه أشد النعي ومقتوه أشنع المقت.

فالنَّاس يقرءون شعر بشار فيُعجبون به أو يُعجب به أكثرهم، ولكنَّهم ينقمون من بشار قبح سيرته، وسوء خُلقه، وإسرافه في العبث والمجون، وما ينبغي أن نطلب إلى النَّاس، بل نحن نعوذ بالله أن نطلب إلى النَّاس الرضى عمَّا هو معروف من سيرة بشار وأمثاله من أصحاب العبث والمجون، ولكن الذي نطلبه هو الإنصاف، فلولا أنَّ بشارًا قد سار سيرته المعروفة، وعكف على ما عكف عليه من العبث، لما أنتج هذا الشعر الذي نرضى عنه ونُعجب به، وفرق عظيم بين أن ترضى عن سيرة بشار، وتُغري بها النَّاس وتُرغِّبهم فيها، وبين أن تُحقِّقَ الصِّلة بين هذه السيرة، وبين ما أنتجت من الآثار الأدبية، وتردها وترد آثارها الأدبية إلى أصل واحد، هو هذا الشذوذ الفطري الذي طبع الشاعر عليه، والله كفيل بحساب بشار وأخذه بذنوبه، أو التجاوز له عن هذه الذنوب، وصاحب الأخلاق كفيل بتنبيه النَّاس إلى الفضيلة والرذيلة، وترغيبهم عن هذه، وتزيين تلك في قلوبهم، ولكننا نحن حين نحكم في الأدب ونُقدِّر آثار الأدباء، خليقون أن نُقرِّر أنَّ سيرة بشار هذه القبيحة قد أنتجت لنا شعره هذا الجميل.

وقد أراد الله بالنَّاس خيرًا فأعفاهم من الشر المُطلق، ورفع عنهم ثقل القُبح الخالص، واستخرج لهم من الشر خيرًا، ومن القبح حسنًا، وجعل ما يكرهون سبيلًا إلى ما يُحبُّون، فلنرحم هؤلاء الأدباء البائسين الذين تورطوا فيما نكره؛ فأنتجوا لنا ما نحبُّ، وقد أحسَّ بشار بُغض معاصيره له، وسمع نعيهم عليه، وأراد أن يذود عن نفسه، وأن يعتذر عمَّا كان يُنكر النَّاس من أمره فقال:

طبعت على ما في غير مخير

هواي ولو خُيِّرت كنت المهذبا

أريد فلا أعطى وأعطى ولم أرد

وقصر علمي أن أنال المغيبا

فأصرف عن قصدي وعلمي مقصر

وأمسي وما أعقبت إلا التعجبا

وللفلاسفة وأصحاب الكلام أن يُجادلوا بشارًا ويُنازعوه في ميله إلى الخير، وإعلانه للدعوة إليه، ولكننا نحن الذين ليسوا فلاسفة ولا متكلمين، خليقون أن نرحم بشارًا وأمثاله من آثامهم هذه، وأن نعرف لهم أنَّهم قد تورطوا فيها وشقوا بها؛ لننعم نحن بما أنتجوا لنا من آيات الفن، وروائع الشعر والنثر، وليس الأمر مقصورًا على أمر بشار وأمثاله من أصحاب العبث الذي يأباه الدين، وينكره الخلق، ولكنَّه يتجاوزهم إلى أصحاب الجد الذين شذت بهم الطبيعة عن المألوف، فدفعتهم إلى ألوان من السيرة، وإلى فنون من الكلام تُناقض العبث والمجون، ولكنَّنا مع ذلك ننكرها ونضيق بها، وإن أعجبنا بآثارها الفنية، فقد شذَّت الطبيعة بأبي العلاء عمَّا أَلِفَ النَّاس في حياتهم، وألزمته فنونًا من القسوة على نفسه وعلى النَّاس، ومن سوء الرأي في نفسه وفي النَّاس، ما أظن أننا نتخذها مثلًا أو نغري بها الشباب، ولكننا مع ذلك نقرأ اللزوميات فنُعجب بها، ونفتتن بكثير من شعرها، ونجد ألوانًا من المتاع فيما حفظت لنا من صور هذه الفلسفة المظلمة، وما اختار أبو العلاء أن يكون متشائمًا مظلم النفس سيئ الرأي، وما اختار أبو العلاء أن يسير هذه السيرة التي دُفع إليها دفعًا، فلنرحم أبا العلاء إذن من سيرته هذه التي لم يخترها، وإنَّما أُكره عليها إكراهًا، ولنعرف له أنَّه شقي لنسعد، وقسا على نفسه لنرفه نحن على نفوسنا بما ترك لنا من الآثار.

والأدباء بعد هذا كله يختلفون اختلافًا شديدًا؛ فمنهم من تظهر سيرته في آثاره الأدبية، ومنهم من يخفون هذه السيرة، ويظهرون في آثارهم ما يناقضها أشد المناقضة، فسيرة بشار ظاهرة في شعره، وسيرة أبي نواس ظاهرة في شعره أيضًا، وكثرة ما ترك أبو العتاهية من الشعر تُناقض ما نعرفه من حياته، وقد كان الشاعر الفرنسي ألفريد دي فيني ألقى في نفوس النَّاس الذين قرءوا شعره أنَّه صورة الجد والحزم والتشاؤم والشدة على النفس، ثم أظهر البحث من أمره ما يُناقض شعره أشدَّ المناقضة، ومن الأدباء من يتوسط بين ذلك، فيظهر من سيرته في آثاره الأدبية أطرافًا، ويُخفي منها أطرافًا، ويكلف الباحثين عن تاريخ الأدب ألوانًا من العناء؛ ليستخرجوا الحقَّ من سيرته وآثاره، وهذا الاختلاف بين الأدباء يأتي فيما أقدر من رأيهم فيما يكون بينهم وبين الجماعات التي يعيشون فيها من الصلة، ومن شجاعتهم واختلاف حظوظهم من هذه الشجاعة التي تمكنهم أو لا تمكنهم من مصارحة الجماعة بشخصياتهم كما هي؛ فمنهم من يُؤمن بشخصه أكثر مما يُؤمن بالجماعة، ويحفل بشخصه أكثر مما يحفل بالجماعة، فيجاهر الجماعة بنفسه وما يؤلف من العواطف والميول والأحوال متعرضًا في سبيل ذلك لألوان الإنكار والسخط التي تنتهي به أحيانًا إلى الاضطهاد، وربما انتهت به من الاضطهاد إلى أقصاها، ومنهم الذي يُصانع ويُوادع ويؤثر العاقبة؛ فيظهر للجماعة من نفسه ما تحتمل، ويخفي عليها من نفسه ما لا يطيق؛ لينفق حياة هادئة أو كالهادئة. وربما كان هؤلاء المصانعون الموادعون أحق النَّاس بالرحمة وأجدرهم بالإشفاق، فليس إنكار الشخصية بالشيء الهين على صاحب الشخصية القوية.

وقد تسألني بعد هذا عن أخلاق الأدباء ما هي؟ أو ما عسى أن تكون؟ وهل يمكن أن يُقال فيها قولٌ جامعٌ يختصرها ويجملها؟ فصدقني ليس هذا بالشيء الهين، بل ليس هذا بالشيء الممكن.

فالأدباء ناس من النَّاس لهم ما لغيرهم من الأخلاق، ولكنَّهم يمتازون بما يمتاز به أصحاب الفن الذين طبعوا عليه من الحس المرهف الدقيق، والشعور القوي الرقيق، والمزاج العنيف الحاد، فيظهر من أخلاقهم على اختلاف ما فيها من الخير والشر ما يخفى من أخلاق غيرهم من الناس، وما أكثر الذين أحبوا اللهو وعكفوا على الخمر، فلم يكد يعرف النَّاس من أمرهم شيئًا؛ لأنَّهم لم يفطروا على طبيعة بشار وأبي نواس، وما أكثر الذين يدخنون الحشيش والأفيون، فلا يكاد النَّاس يعرفون من أمرهم شيئًا؛ لأنَّهم لم يفطروا على طبيعة بودلير، وما أكثر الذين يتشاءمون ويقسون على أنفسهم فلم يعرف النَّاس من أمرهم شيئًا؛ لأنهم لم يفطروا على طبيعة أبي العلاء، صدقني أنَّ للأدباء عيبًا خطيرًا هو الذي يدل عليهم ويغري بهم، أو قل: إنَّ لهم عيبين خطيرين يخيلان إلى النَّاس أنَّهم فرقة ممتازة بأخلاق لا يُشاركهم فيها غيرهم؛ فأمَّا أول هذين العيبين فهو الغلو الذي ركب في طبائعهم، وأشيع في أمزجتهم، وجعلهم يقيسون ذراعًا كلما قاس النَّاس أصبعًا، أما ثاني هذين العيبين فهو هذا الذي ذكره الصبي الذي أحبه وأوثره، وهو الثرثرة والإغراق في الكلام.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.