الناس طرائق قدد، أي فرق يختلفون في الأهواء والميول، ويتباعدون في المذاهب والآراء، ويتفاوتون في حظوظهم من الذوق، وقد أراد الله بالناس خيرًا من غير شك حين جعلهم طرائق قددًا. فمنهم الصالحون ومنهم دون ذلك. وللفلاسفة والمفكرين لذة في أن يتبينوا صلاح الصالح، وفساد الفاسد، وعلى الفلاسفة واجب إذا تبينوا الصلاح أن يدعوا إليه، وإذا تبينوا الفساد أن يصدوا عنه.

فلولا أن الله عز وجل قد جعل الناس طرائق قددًا لما وجدت الفلسفة الخلقية التي تبين للناس الخير والشر ومقاييسهما، بل لولا أن الله قد جعل الناس طرائق قددًا لما وجد علم النفس الذي يقوم على تحليل العواطف والأهواء ودرس الأذواق والميول واستقصاء الحس والشعور ومَلَكات العقل على اختلافها وتباينها. فعلم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم الأخلاق، بل علوم القانون، والاقتصاد، والسياسة، وكل هذه العلوم، وكل هذه الفلسفة التي تتصل بحياة الناس، لم تكن لتوجد، ولا لتنمو، ولا لتؤتي ثمراتها العجيبة الطيبة، لو أن الله عز وجل لم يجعل الناس طرائق قددًا. بل نحن نستطيع أن نهبط من هذه الفلسفة العليا، ونعيش مع الناس على الأرض، وننظر في حياتنا اليومية القريبة التي نشترك فيها، فنحدث بعض مظاهرها، ونتأثر ببعض مظاهرها الآخر. فسنرى أن الله قد جعل الناس طرائق قددًا، أي فرقًا متباينة في الأعمال والآمال وفي الفهم والذوق؛ ليستطيع أمثالنا من الكُتَّاب أن يفكروا فيجدوا في التفكير لذة، وأن يكتبوا فيقدموا للناس ما يقرءون.

فالوزراء مثلًا طرائق قدد، منهم قوم يمتازون بدقة الحس ورقة الشعور، لا يكاد النسيم يمر بهم حتى يؤذيهم مسه وإذا هم يستقيلون، أو ينذرون بالاستقالة حتى يرضوا ويعود إليهم الاطمئنان، ولا ينبغي أن نلتمس الأمثال لذلك في مصر فإن التحدث عن الوزراء في مصر مباح في ظاهر الأمر، ولكنه خطر في الحق الواقع، يدفع إلى مجالس النيابة، ثم إلى مجالس القضاء، ثم إلى غيابات السجون. والرجل العاقل خليق أن يقلل زياراته للنيابة وللمحاكم، وإلماماته بالسجن، ما وجد إلى ذلك سبيلًا.

وإنما نلتمس الأمثال في فرنسا، فعند الفرنسيين حلم، وفيهم احتمال للنقد، وقد أقامت وزارة المسيو دومرج دليلًا على أن الوزراء طرائق قدد، فمنهم من يستقيل قبل أن يُطلب إليه ذلك، كوزير الداخلية المسيو سارو الذي لم يكَد يحس لوم الناس له بعد مصرع الملك ألكسندر حتى استقال، فأراح واستراح. ومنهم الذي يتعلق بالحكم ويشد نفسه إليه بحبال متينة لا تحل وإنما تقطع بالسيف قطعًا، كوزير الحقانية الذي ألح الرأي العام عليه في أن يستقيل، واتهمته الصحف الفرنسية بما شاء الله من التهم التي لا تطاق، وتنكَّر له الزملاء، وضاق به رئيس الوزراء، فلم يزده ذلك إلا إصرارًا على الحكم، وابتغاء للوسيلة عند رئيس الجمهورية، حتى اضْطُرَّ وزير الحربية الماريشال بيتان أن يطلب في مجلس الوزراء إقالةَ هذا الوزير الذي لا يريد أن يستقيل، ولولا أن الوزير فكَّر وقدَّر العواقب في آخر الأمر لأقاله مجلس الوزراء إقالةً، ولكن الله هداه فاستقال، فالوزراء كما نرى طرائق قدد. وأمناء الدعوى العامة طرائق قدد أيضًا؛ منهم من يتحرج من كل شيء، ويؤثِر الدقة في كل شيء، وفي إحساسه القضائي بنوع خاص، فلا يكاد يحس شكًّا فيه، أو لومًا له، حتى يسرع فيستقيل، ومنهم من لا يحفل شيء ولا يقف عند شيء، حتى يَضطر السلطة التنفيذية إلى أن تناله بالعزل. والكثرة المطلقة من أمناء الدعوى في فرنسا من الطراز الأول، حساسة جدًّا متحرجة جدًّا، لا تُقال وإنما تستقيل، ولكن بين أمناء الدعوى العامة في فرنسا طراز آخر يُقال ولا يستقيل؛ لأنهم كما قلنا طرائق قدد، فهناك النائب العام الذي أثيرت حوله الشبهات والشكوك في فضيحة ستافسكي فلم يحفل ولم يتحرج، وانتظر حتى أقاله صهره المسيو شوتان إقالةً، وكان رئيسًا للوزراء.

والرجال البرلمانيون من النواب والشيوخ طرائق قدد، منهم من تمطره السماء وابلًا من التهم فلا يحس؛ كأنه قد اتَّخذ من إرادته معطفًا صفيقًا لا ينفذ منه الماء، ومنهم لا يكاد يبلغه الشك فيه حتى يحسه ويستقيل من عمله البرلماني، ليرى أيستطيع أن يبرئ نفسه فيعود شريفًا إلى عمله البرلماني أم لا يستطيع فينصرف إلى ما يُحسن من الأعمال الأخرى. وأكثر البرلمانيين الفرنسيين من الطراز الأول، لا يحسنون اللوم حتى يوجَّه إليهم جهرة، وحتى يدافعوا عن أنفسهم في أحد المجلسين وأمام المحكمة العليا، ولكن الطراز الآخر موجود؛ لأنهم كما قلنا طرائق قدد، فالمسيو شوتان مثلًا لم يستقِل من رياسة الوزارة وحدها حين أثيرت حوله الشكوك، وإنما استقال من مجلس النواب أيضًا، وما زال يدافع ويكافح حتى أظهر أنه بريء، ثم تقدم للانتخاب لعضوية الشيوخ لا لعضوية النواب، فظفر بالكثرة الضخمة من أصوات الناخبين، وهو مع ذلك يأبى أن يرأس لجنة من لجان المجلس حتى يتبين الحق كله في قصة ستافسكي وما يتصل بها من الفضائح. وتستطيع أن تذهب في هذا النحو من التفكير فسترى الموظفين طرائق قددًا، وسترى الصحفيين طرائق قددًا، وسترى العلماء أنفسهم طرائق قددًا، وسنرى أن كل فريق من الناس طرائق قدد وفرق تتباين في الأهواء والميول، وفي الحس والشعور وفي الذوق والفهم. وستعلم أن الله عز وجل قد جعل الناس طرائق قددًا؛ لحِكَم كثيرة مختلفة منها أننا نستطيع أن نفكر فيما بينهم من الاختلاف والتفاوت والتباين فنجد في هذا التفكير لذة عقلية عليَا، كما نجد فيه عظة وعبرة تنفعنا حين نعمل، وتنفعنا حين نقول. فإذا أصبحت فَسَلْ نفسك لماذا جعل الله الناس طرائق قددًا؟ وإذا أمسيت فسَلْ نفسك لماذا جعل الله الناس طرائق قددًا؟ بل أَلْقِ على نفسك هذا السؤال كلما أتيحت لك الراحة وفراغ البال، فإن هذه الطرائق القدد كنز لا يفنى للذين يعرفون كيف يستخرجون الكنوز، ويستغلون ما فيها من كل معدن نفيس.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.