شمسٌ ربيعية لم تعترف قطُّ بالشتاء، وأرض تحمل في كل بقعة من بقاعها سمات التاريخ الذي يطوي الفصول والسنين، ونِيلٌ خالد وقور يوحي إليك أن تقيسه بألوف العهود والأجيال ولا تقيسه بألوف الفراسخ والأميال، وجبال من حولك كأنها أسوار تدور على صومعة ناسك لا تراه بالعينين، أو كأنك تسمعه بأذنيك يقول في سكينته الأبدية: «ها أنا ذا لم أحفل بشيء في دنياك، فماذا أصابني على مرِّ الزمن؟ لا شيء … فلا تحفل يا بني بشيء!»

تلك هي أسوان في هذا الشتاء، وفي كل شتاء، وتلك هي أسوان التي أقضي فيها بضعة أيام، وفي وسعي أن أقول بضعة قرون حين تغمرني بتلك الآفاق التي لا تعرف حساب الأيام.

إجازة من عالم السياسة ومن عالمنا الصاخب في غير طائل.

وهل في العالم من يستغني عن هذه الإجازة من سنة إلى سنة أو من حين إلى حين؟

ساء حظه إن استغنى عنها؛ لأنه لن يتسغني عنها إلا إذا أضاع نفسه فيها.

ولقد سنَّ لنا اللهُ سُنَّة الإجازة من الحياة كلها في كل يوم، فهل نستغني عنها في هذا الشغل الشاغل الذي يبغض الحياة إلى نفوس الأحياء؟

مَعاذ اللهِ خالقِ النوم لنا «إجازة يومية» من الحياة! وليته خلق للحيوان «السياسي» بالطبع — كما يقول أرسطو — إجازة قهرية ينام فيها عن سياسته … فإن غفلة النوم أروح له من هذه الغفلة الدائمة وهو سهران!

وبحمد الله، لا أزال أعرف هذه الإجازات وإن لم أكن في بطالة.

ألا يقدر أناس على الغفوة بعد الغفوة وهم في وسط الحركة والضجيج؟! … بلى يقدرون.

***

وفي وسط الحركة والضجيج، بل في وسط المعمعة كما كان يفعل نابليون على ظهر جواده، أستطيع أن أغمض عيني في عالم الأحلام؛ فأذهب في إجازة اليوم أو الشهر أو العام.

وإنني في تلك الغفوة لأيقظ ما أكون.

لأنني في تلك الغفوة أَهِيم في أحلام الشعر والفن والأدب، فلا تقوى معركة «المارن» نفسها على إخراجي من ديوان شعر أو صفحات كتاب أُغلِق «أبوابه» عليَّ!

وقلتُ: هي إجازة في كتاب، حين قلتُ لنفسي: «إلى أسوان! إلى أسوان!»

لقد كان كتابًا حسنًا من وجوهٍ كثيرة، وأحسن ما فيه كاتبه هو الفيلسوف «جود»، وموضوعه هو الداعية المشهور «برنارد شو».

فالكاتب أعظم من المكتوب عنه في أكثر من ناحية واحدة، وهي على الأقل ناحية الفلسفة وناحية الآراء الاجتماعية.

وإن شئتَ فقُلْ أيضًا من ناحية الآراء السياسية والمبادئ الدستورية، وهي اليوم شغل شاغل للصحافة والقراء!

***

بين دَوِيِّ العجلات، ودَوِيِّ الدعوات، فتحتُ الكتاب أطوي صفحاته والقطار يطوي الأرض «كطي السجل للكتب»، كما جاء في القرآن الكريم.

ولم تمضِ أربعون صفحة حتى وجدتُ نفسي على أبواب البرلمان من طريق آخر: طريق الآراء والنظريات، لا طريق المعارك والأزمات!

صاحبنا الفيلسوف «جود» ينظر إلى «برنارد شو» نظرة التلميذ إلى الأستاذ؛ لأن شو كان شيخًا يقود الحركة الفكرية يوم كان «جود» طالبًا ناشئًا يتلمس طريقه في مضطرب المذاهب والمعتقدات.

وصاحبنا «جود» يُرشِّح نفسَه للنيابة عضوًا اشتراكيًّا مع حزب العمال، فيكتب إلى «برنارد شو» مستشيرًا قبل الإقدام على هذه التجربة؛ لأنه أستاذه في هذا الميدان، ولأنه زعيمه في النزعة الاشتراكية قبل عدة سنين.

وأحسب أنني لو كنتُ في موضع «جود» لما استشرتُ الداعية الكبير في أمر من الأمور؛ لأنني على ثقة أنه يخالف كل ما تقترحه عليه، فلو كنتَ عضوًا في البرلمان واستشرتَه في الخروج منه لسَخِر من إقدامك على هذه الخطوة التي لا معنى لها! ولو كنتَ كاتبًا واستشرتَه في دخول البرلمان لسَخِر من إقدامك على هذه الخطوة التي لا معنى لها كذاك … لأن كل اقتراح تعرضه على الداعية الساخر لا معنى له على الإطلاق! فلا معنى إذن لأن تعرض عليه أي اقتراح!

ولكن «جود» قد أراد أن «يسأل» على ما يظهر مجرد سؤال … ثم لا يُعوِّل على الجواب. وهكذا سأل، وهكذا جاءه الجواب الذي لا شك فيه.

قال له «شو»: إن الفلاسفة الذين دخلوا البرلمان غير قليلين؛ ومنهم: «ميل»، و«برادلو»، و«وب» الذي كان عضوًا في الوزارة … فهل صنعوا شيئًا هناك؟!

وقال له: إن «تشرشل» لم يكن عضوًا في البرلمان حتى الحرب العالمية، ثم ساقوه إلى دائرة انتخابية أخلوها له؛ لأنهم في حاجة إليه، فقد كان شيئًا مهمًّا قبل أن يُرشِّح نفسه للنيابة البرلمانية.

وقال له: إنه هو نفسه قد رفض النيابة يوم عرضوها عليه وكرروا العرض مرات، ثم لم يندم قط على الرفض والإصرار.

وقال له أخيرًا: «إن ورق اللعب لا يزال أمامك على المائدة، فإن شئتَ فجرِّب حظَّك والْعَبْ وَرَقَك …» ثم تواضع «شو» في ختام خطابه؛ لأن التواضع مِنْ مِثْلِه رياضةٌ محبوبةٌ بين «الادعاءات الكثيرة» … فقال في شيء من الملل: «وهذه — على كل حال — آراء رجل كان ينبغي الآن أن يكون ميتًا؛ لأنه قد بلغ من الهرم أقصاه!»

ولم ينثنِ «جود» عن عزمه بهذه النصيحة، بل كتب إلى أستاذه يبلغه أنه ماضٍ في ترشيح نفسه، فجاءته منه تذكرة بريدية يقول فيها: «حسنًا … إنك سوف تتعلم على الأقل شيئًا واحدًا، وهو أن تعرف كيف لا تعمل!»

ثم شفعها بتذكرة أخرى قال فيها: «امضِ في عزمك بكل وسيلة، فقد تحصل على تجربة مباشرة لا تخلو من فائدة للفلاسفة السياسيين.»

وبعد هذه النصائح المختلفة عدل «جود» عن ترشيح نفسه؛ لأنه لم يرضَ عن أساليب الأحزاب في الترشيح، لا لأنه عمل برأي الداعية الكبير!

***

تلك هي إجازتي في هذا الكتاب.

إجازة ولا إجازة …!

إجازة؛ لأنها رحلة في عالم الفكر والنظر، ولا إجازة؛ لأنها تَعُود بنا إلى السياسة في بعض الطريق.

وهي من هنا خبرة حسنة؛ لأنني قد أكون في إجازة وقراء المصور «عاملون»!

وما الرأي بعد هذا في نصائح «برنارد شو» لتلميذه الفيلسوف؟

ما الرأي في تقديره لعمل الأديب، وعمل العضو في البرلمان؟

الرأي الذي لا يتسع فيه الخلاف أن الفيلسوف قد يصنع شيئًا في المجالس النيابية، ولكنه ليس بخير ما يصنع، وأنه إذا جرَّب مهنة الترشيح مرة بعد مرة خليق أن ينبذها بعد ذلك لا محالة؛ لأنها تهبط به إلى المساومة الرخيصة والوعود الكاذبة، ولا ترتفع به قيراطًا واحدًا فوق مستواه.

وما لنا الآن ولهذه الظلمات؟! إن الشمس ساطعة باسمة، وإن مشاهد التاريخ ومعالم الخلود من حولنا قائمة دائمة.

فهَلُمَّ إلى النور …!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.