نعم، وقد سمعت الدليل على ذلك من أفواه العامة قبل أن أقرأه في كتب الأدب أو كتب البلاغة، وأحسب المثَلَ الذي يسوقه العامة للدلالة على السعد الذي يجلبه اللفظ مثلًا نادرًا يطلبه البُلَغَاءُ، فلا يظفرون بما هو أبلغ منه في هذه الدلالة.

قالوا: إن ملكًا من ملوك الزمن القديم — أولئك الملوك الذين يجزون على الكلمة بخزائن المال أو بقطع الرقاب — رأى منامًا أقلقه، فأرسل في طلب المنجِّمين يعرضه عليهم ويطلب منهم تفسيره، فإذا بأحدهم يفسِّره للملك تفسيرًا يرسله إلى السجان وقيل إلى السيَّاف، وإذا بالآخَر يفسِّره له تفسيرًا يغدق عليه بالأموال والهدايا، ويوقف عليه وظيفة التنجيم وتأويل الأحلام مدى الحياة.

والتفسيران معنى واحد لا يختلف بينهما غير «اللفظ» أو النطق، وهو سعد عند إنسان، ونحس عند إنسان، حتى في زمرة المنجمين الذين يعملون في صناعة السعود والنحوس.

قال أحد المنجمين — وقد وجم واضطرب وغارت عيناه وارتجفت شفتاه: يلهمك الله الصبر أيها الملك العظيم!

قال الملك: ماذا؟ هل من شرٍّ تراه في المنام؟

قال المنجم: شرٌّ عظيم يا مولاي، يموت أهلك وصحبك جميعًا، وتموت أنت في أثرهم، ولا مردَّ لقضاء الله.

وقال المنجم الآخَر — وقد تهلَّلَ وجهه ولمعت عيناه وافترت شفتاه: بشرى يا مولاي الملك المعظم!

قال الملك: ماذا؟ هل من خير تراه في المنام؟

قال المنجم: كل الخير يا مولاي، إنك أطول أهلك وصحبك عمرًا، والله يطيل بقاءَك وبقاء ذويك الأعزاء.

ماذا قال المنجم الأول، وماذا قال المنجم الثاني؟

إنهما قالَا شيئًا واحدًا بعبارتين مختلفتين، فكانت عبارة الأول شؤمًا يستحق عليه النقمة والحرمان، وكانت عبارة الثاني بشارة يستحق عليها الرضى والثواب.

واللفظ سعد كما قيل، والسعد والنحس قدران مقدوران.

ولم تكن المناسبة التالية منامًا يفسِّره المنجمون، ولكنها كانت توديعًا لشهر رمضان يختلف فيه اللفظ اختلاف النقيضين، وهما شيء واحد حين ننظر من ورائهما إلى اللباب.

يودع المصلون شهر رمضان في لياليه الأخيرة بترتيل حزين يبكي بعض العيون، ولا سيما عيون الأطفال من ذَوي الحسِّ المرهف والخيال السريع.

ويهتف الهاتفون بعد كل ترتيل: لا أوحش الله منك يا شهر الحسنات، لا أوحش الله منك يا شهر الخيرات، لا أوحش الله منك يا شهر الرضوان …

ولا أعلم في العواصم الكبرى كيف يستمع الصغار إلى الترتيل الحزين، ولكني رأيت في الريف كثيرًا منهم يبكون حين يستمعون إليه، وفي مناسبة من هذه المناسبات سمعت دليلًا آخَر على سعد اللفظ ونحسه، أو على اختلاف التعبير حسب اختلاف الضمير.

كان قريبٌ لنا يصحب طفله الصغير والطفل دامع العينين، فرأيناهما في جمعٍ من الأقارب والأصحاب، وقال أحدنا مُلاطِفًا للطفل الصغير: ماذا يبكيك يا عماد؟!

قال أبوه مبتسمًا: إنه يبكي حزنًا على رمضان!

قال صاحبنا ملاطفًا مواسيًا: يا شيخ … رمضان فراقه عيد … فما الذي يبكيك يا فتاي؟!

قال أحد السامعين: بل قُلْ ختامه عيد … ولا تقل: فراقه عيد؛ فذلك أكرم للضيف الراحل، وكلاهما بعدُ سواء.

نعم، إن الذي يقال فيه: إن فراقه عيد، كالذي يقال فيه: إن ختامه عيد، ولكن العبارتين على اتفاقهما في النتيجة تعبِّران عن شعورين متناقضين: أحدهما يضيق ذرعًا برمضان، والآخَر يشكره ويفرح به وبختامه كما يفرح الإنسان بتمام الخير إلى غايته ومنتهاه.

فراقه عيد، فهو والعيد لا يجتمعان.

ختامه عيد فهو الطريق إلى العيد، ولا وصول إلى العيد من غير هذا الطريق.

واللفظ سعد كما قيل، أو هو من الأسرار، يستطيع مَن شاء أن يسوق به السعد أو يسوق به النحس، وهو السعيد بما يقتدر عليه.

وهذه الجمعة التي نصبح صباحها اليوم، ما بالهم يسمونها الجمعة اليتيمة، ولا يسمونها الجمعة السعيدة، أو الجمعة المباركة، أو جمعة الفأل والبشارة؟

إنها يتيمة بالنظر إلى ما قبلها؛ لأنها تلحق بالجُمَع ولا تلحق بها جمعة في شهر رمضان.

ولكن ما بالهم لا ينظرون إلى ما بعدها، ولا يتطَّلَعون إلى العيد من ورائها؟

إن النظر إلى ما قبلها يخرج بها جمعة يتيمة، وإن النظر إلى ما بعدها يخرج بها جمعة سعيدة، فليس بعدها غير العيد …

وهكذا تختلف النظرة كما يختلف اللفظ، فيختلف الاسم بين اليتم والسعادة، وهما بعيد من بعيد …

أحسب أن هذه التسمية مصرية بدأت في بلادنا وسرت إلينا من جمعة الآلام التي يحتفل بها إخواننا المسيحيون، فأصبحت الجمعة اليتيمة مرادفة لجمعة الآلام من حيث لا مشابهة ولا مقاربة، وإنما تتفق جمعة الآلام في ختام الصيام، وتتفق الجمعة اليتيمة كذلك في ختام الصيام، وتمضي التسمية مع الزمن عفو اللسان، بغير التفاتٍ إلى معنى الجُمعتين، وليس بينهما مشابهة ولا مقاربة في الغرض المقصود بالإحياء والاحتفال.

فجمعة الآلام تُحيي ذكرى الآلام التي لقيها المسيحُ عليه السلام، وليس في شهر رمضان ذكرى كتلك الذكرى، بل هو شهر التمام في الإسلام، أو هو الشهر الذي أُنزِل فيه القرآن الكريم.

فراقه عيد، أو ختامه عيد.

وهي جمعة يتيمة، أو هي جمعة سعيدة.

قُلْ إنْ شِئتَ هذا، وقُلْ إنْ شِئتَ ذاك، ولكنهما غرضان مختلفان، يذهب بهما اللفظ والتعبير من طرف إلى طرف، ومن تقدير إلى تقدير.

منذ سمعنا الموعظة الأولى من مواعظ رمضان قيل لنا عن حكمة الصيام: إنه يُعلِّم الأغنياء كيف يعطفون على الفقراء حين يجرِّبون الجوع والحرمان.

ومنذ سمعنا تلك الموعظة سمعنا معها سؤالًا يتكرَّر على نحوٍ واحدٍ، فقد قال أحد التلاميذ: ولماذا يصوم الفقراء إذن وهم يجرِّبون الجوع والحرمان في رمضان وفي غير رمضان؟ وما قاله ذلك التلميذ في درسنا الأول يُقال ويُعاد في جميع الدروس.

أرى أن وُعَّاظَ رمضان خُلقاء أن يترقَّبوا هذا السؤال، فلا يحصروا حِكمةَ الصيام في تلك الحكمة؛ لأنها في الواقع لن تكون حِكمة الصيام كلها، ولن تكون إلا سببًا من أسباب.

إن الحكمة الكبرى في الصيام هي القدرة على النفس، فهي الحكمة التي يحتاج إليها الغني والفقير، ويستفيد منها المجدود والمحروم.

فالقدرة على النفس هي كل شيء في مقاييس الأخلاق والفضائل، بل هي مناط الأخلاق والفضائل جميعًا في كل حالة وكل معيشة، أيًّا كان حظها من الغنى والفقر، ومن السعادة والشقاء.

وليس في وسعنا أن نتخيَّلَ فضيلةً تخلو من قدرة الإنسان على نفسه، بل ليس في وسعنا أن نتخيَّلَ تكليفًا يقوم به الإنسان من غير تطويع نفسه، ولا فرق في التكليف بين فرائض الدين وفرائض الدنيا، أو بين العبادات ونظام الاجتماع ونظام الحياة الفردية الذي يفرضه الإنسان على نفسه لأداء عمل من الأعمال.

هذه القدرة على النفس هي حكمة الصيام الكبرى، وهي جزاءٌ وافٍ لصيام الصائم، يساوي بل يزيد على ما فاته من حظِّ الطعام والشراب.

لِمَن شاء إذن أن يقول عن شهر رمضان: «إن فراقه عيد.» ولِمَن شاء أن يقول: «بل ختامه عيد.»

واختلاف الحِكمة هو الحكم الفاصل بين اللفظين.

مَن كان يحسب الصيام عذابًا يُعلِّم صاحبه كيف يرثي للمعذَّبين، وحرمانًا يهديه إلى الرأفة بالمحرومين، فله أن يقول: إن فراق العذاب عيد، وإن الخلاص من الحرمان حظ سعيد.

ومَن كان يحسب الصيام رياضة تدله على قدرته وترضيه عن عزيمته، فله أن يقول: إنه ينتهي من تلك الرياضة إلى الغبطة بنفسه والطمأنينة إلى ضميره، وإنه قد بلغ بها ختامها في عامها، فهو سعيد بذلك الختام.

كذلك تكون الجمعة يتيمةً أو سعيدةً على حسب اللفظ واللافظ، وعلى حسب الحِكَم والمواعظ، حكمة الصيام وموعظة رمضان، بين الرياضة والحرمان.

فَلْتكن سعيدةً بما قبلها وبما بعدها، إن شاء الله.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.