نسمع بين الحين والآخر مطالبات من المسئولين وغير المسئولين بإجراء انتخابات للرئاسة والبرلمان قبل التوافق على الدستور، وكأنه من الممكن أن تقوم هاتان المؤسستان أو إحداهما دون أن تكون اختصاصاتها ومسئولياتها واضحة ومحددة في دستور قائم. فليس صحيحًا، كما قال البعض، أن «الدستور الجديد مسئولية الرئيس القادم».

ولعل الصحيح هو أن هذا الرئيس سيولد من رحم الدستور الجديد؛ فالمنطقي أن يتم الاتفاق على قواعد اللعبة قبل نزول اللاعبين إلى الملعب، فدور رئيس الجمهورية وحجم مسئولياته وأساليب مباشرته لمهامه تتوقف على طبيعة وشكل الدستور؛ فشخصية الرئيس التي تصلح في نظام رئاسي — مثلًا — تختلف تمامًا عن شخصية الرئيس المطلوب في نظام برلماني. ومن هنا تأتي أهمية مناقشة موضوع النظامين البرلماني والرئاسي، والاتفاق على الأخذ بأحد النموذجين ووضع الدستور، وذلك قبل إجراء انتخابات الرئاسة، وبغير ذلك فإننا نضع العربة أمام الحصان، وقد نختار رئيسًا لا يصلح للدستور الذي سيتم التوافق عليه، بل وقد يصبح عقبة في سبيل نجاحه.

فماذا عن النظام الرئاسي والنظام البرلماني؟

نبدأ بالتأكيد على أنه لا توجد قوالب جامدة ومتفق عليها لشكل وطبيعة النظم الدستورية، وكل هذه النظم نشأت وتطورت في ظروف تاريخية محددة، وتأثرت — بوجه خاص — بالأوضاع الخاصة للدول الديمقراطية العريقة، ونتيجة لتقاليدها وتاريخها. وقد استقر في الأذهان نموذجان هامَّان للديمقراطية النيابية؛ أحدهما في إنجلترا نتيجة لصراع سياسي طويل في المجتمع البريطاني، والنموذج الثاني في الولايات المتحدة الأمريكية التي ثارت على الهيمنة البريطانية واستقلت عنها مع حرب الاستقلال.

وقد عُرف النموذج الأول «بالنظام البرلماني»، والثاني «بالنظام الرئاسي». وإذا كان النظام البرلماني هو، في النهاية، محصلة للصراع بين نظام «الملكية المطلقة» من ناحية، ومطالب النبلاء ثم عامة الشعب البريطاني للمشاركة في أمور الحكم من ناحية أخرى، فقد كان النظام الرئاسي هو نتيجة لرغبة الولايات الأمريكية المتعددة في الاستقلال عن إنجلترا مع احتفاظ كل منها بهويته، فضلًا عن تأثر آباء الثورة الأمريكية بالفلاسفة الأوروبيين، وخاصة المفكر الفرنسي مونتسكيو.

فأما «النظام البرلماني» فهو حصيلة الكفاح السياسي الأوروبي لتحويل نظام «الملكية المطلقة» إلى «ملكية دستورية» يخضع فيها الملك للدستور والقانون، وبحيث يصبح مجرد رمز للأمة، وحكَمًا بين الأطراف المتنازعة دون أن يمارس السلطات فعلًا، وانتهى الأمر إلى أن «الملك يملك ولا يحكم»؛ فالشعب يختار ممثليه في البرلمان، وحزب الأغلبية يشكل الحكومة التي تدير البلاد، وانتقل هذا النظام بعد ذلك إلى العديد من الجمهوريات التي قامت في أوروبا بعد الثورة الفرنسية.

ويتطلب النظام البرلماني تحقيق توازن وتعاون بين السلطتين التنفيذية والتشريعية؛ فالسلطة التنفيذية تُختار من حزب الأغلبية في البرلمان، بحيث تحظى بثقة البرلمان على برنامجها الحكومي، ويكون رئيس الحكومة والوزراء مسئولين، بشكل فردي وجماعي، أمام البرلمان عن سياستهم، كما يستطيع البرلمان أن يسحب الثقة من أي من الوزراء منفردًا أو من الحكومة مجتمعة، وعليها حينئذ الاستقالة، ولكن الحكومة قد ترى أن البرلمان قد تعسف في استخدام سلطاته بعيدًا عن رغبات الشارع، فتطلب من رئيس الجمهورية حل البرلمان، والالتجاء من جديد للانتخابات لحسم الخلاف عن طريق صندوق الانتخاب.

وهنا يلعب رئيس الدولة دورًا حاسمًا — كحكم غير منحاز — لإلزام الحكومة بالاستقالة كما يرغب البرلمان، أو لحل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة لحسم هذا الخلاف. وهكذا نجد توازنًا وتقابلًا في السلطات والمسئوليات. ويظل الحسم النهائي في يد الشارع دائمًا؛ حيث لا بد من استمرار تمتع الحكومة بثقة البرلمان، أو الدعوة لانتخابات جديدة تحدد شكل حكومة الأغلبية الجديدة.

ولكن الديمقراطية ليست مجرد سلطة تشريعية (البرلمان) وسلطة تنفيذية (الحكومة) فقط، فهي بالدرجة الأُولى دولة القانون، ويعني ذلك أن الجميع سواء أمام القانون، وأن القضاء مستقل لا سلطان لأحد عليه سوى ضمير القاضي، والسلطة القضائية وحدها هي التي تضع الضوابط والمعايير لضمان سلوك أفرادها، مع وجود دستور يحدد المبادئ الأساسية لحقوق الأفراد وحرياتهم، وبما لا يسمح بالاعتداء عليها سواء من جانب السلطة التنفيذية أو التشريعية. وإذا كانت إنجلترا لا تعرف دستورًا مكتوبًا، فإن لديها نظامًا ثابتًا ومستقرًّا للتقاليد الدستورية التي لا يمكن الخروج عليها، ويلعب مجلس اللوردات دورًا أشبه بالمحكمة الدستورية في الدول الأخرى.

وهكذا يتضح أن النظام البرلماني يقوم على مبدأ توزيع السلطات وتعاونها؛ فالبرلمان يقوم بالتشريع ومحاسبة الحكومة، والسلطة التنفيذية تُشكَّل من حزب الأغلبية، وتقوم بوضع السياسات وتنفيذها تحت رقابة البرلمان، وعند الخلاف يحق للبرلمان سحب الثقة من الحكومة، وبالتالي إقالتها، ولكن الحكومة تملك، بالمقابل، حل البرلمان، والعودة إلى صندوق الانتخاب لحسم الخلاف، ويقوم رئيس الدولة، باعتباره رمزًا للوطن، بحسم الأمور، إذا احتاج الأمر، ويقوم القضاء بضمان احترام القانون من جانب الجميع وفرض أولية الدستور على التشريعات لضمان الحقوق والحريات.

هذا عن النظام البرلماني، وهو ليس قائمًا في إنجلترا وحدها، بل في معظم الدول الأوروبية وغيرها، في ألمانيا وإيطاليا وبلجيكا وهولندا والدول الإسكندنافية، كما في تركيا واليابان والهند وغيرها. وبطبيعة الأحوال، فإن تطبيقه في مختلف هذه الدول يختلف قليلًا أو كثيرًا بحسب ظروف كل بلد وتقاليدها الخاصة.

أما النظام الرئاسي فقد وُلد في الولايات المتحدة، وانتشر — بعد ذلك — في معظم دول أمريكا اللاتينية. وقبل أن نتناول أهم خصائص هذا النظام علينا أن نتذكر أن الولايات المتحدة — عند استقلالها — كانت مُشكَّلة من ولايات شبه مستقلة، ولكل منها تقاليدها ومؤسساتها وقوانينها ومجالسها الشعبية المحلية. وقد كانت هذه الولايات حريصة على استقلالها وتحررها من الاستعمار البريطاني، بقدر ما هي حريصة على هوية الولايات وقوانينها وحرياتها تجاه السلطة الفدرالية المركزية.

وهكذا، فإن الدعوة للديمقراطية في الولايات المتحدة لم تكن فقط دعوة لتحقيق حريات الأفراد وحقوقهم تجاه المستعمر البريطاني، بقدر ما كانت أيضًا انتفاضة لحماية استقلال الولايات تجاه تسلط السلطة المركزية الفدرالية؛ فلكل ولاية حكوماتها ومجالسها التشريعية وقوانينها وضرائبها المحلية. وكان الحرص على حماية حقوق الأفراد وحرياتهم موازيًا للخوف من تغوُّل السلطة المركزية الفدرالية على سلطات واستقلال الولايات.

وأخيرًا، فقد كان الفكر السياسي السائد في أمريكا متأثرًا، بوجه خاص، بأفكار مونتسكيو الذي رأى أن الحرية تتحقق بقدر ما يتم الفصل بين السلطات، فتركيز السلطات أو تداخلها يؤدي إلى التسلط والديكتاتورية، وهو ما عبر عنه اللورد أكتون Lord Acton بالقول بأن «السلطة مفسدة، والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة»؛ ولذلك تضمن الدستور الأمريكي مبدأ استقلال السلطة التنفيذية — وهي منتخبة من الشعب عن طريق انتخاب الرئيس — في مواجهة السلطة التشريعية.

وبالمثل فإن السلطة التشريعية، وهي أيضًا منتخبة من الشعب، لا يجوز حلها؛ فلا البرلمان يستطيع أن يقيل الحكومة، كما أن الحكومة لا تستطيع أن تحل البرلمان، وأخيرًا فإن السلطة القضائية مستقلة تمامًا، ورئيس وأعضاء المحكمة العليا يعينون لمدى الحياة بترشيح من رئيس الجمهورية وبموافقة الكونجرس، وبالتالي لا يمكن المساس بهم أو التأثير عليهم، وعلى خلاف الوضع في إنجلترا، فإن الولايات المتحدة تتمتع بدستور مكتوب، وهو يتمتع بقدسية كبيرة، وتقوم المحكمة العليا بالدفاع عن مبادئه بكل قوة وحزم.

وإذا كان النظام الرئاسي يحقق درجة أكبر من الاستقلال لكل من السلطات تجاه بعضها البعض، فإنه يؤدي، في كثير من الأحوال، إلى الحلول الوسط والصفقات السياسية؛ فنظرًا لأن السلطة التنفيذية (رئيس الجمهورية) لا تستطيع أن تحل البرلمان، كما أن البرلمان لا يستطيع أن يقيل الرئيس، فكثيرًا ما تصل الأمور إلى شبه طريق مسدود، كما حدث في حكومة كلينتون عند عدم إقرار الميزانية لفترات طويلة، كذلك واجه الرئيس روزفلت صعوبات دستورية شديدة عندما حاول تطبيق ما عرف «بالسياسة الاقتصادية الجديدة» لمواجهة أزمة البطالة المشهورة في الثلاثينيات من القرن الماضي، عندما اتجهت المحكمة الدستورية إلى إلغاء القرارات الصادرة منه باعتبارها مخالفة للدستور؛ فهدد روزفلت — وقتها — بعدم تنفيذ أحكام القضاء بحجة استقلال السلطة التنفيذية، وذلك قبل أن يتم احتواء الأزمة بتراجع المحكمة الدستورية. ولذلك فإن الخروج من مثل هذه الأزمات بين الحكومة والكونجرس يكون، عادةً، عن طريق تنازلات متبادلة بين الطرفين، إذا حدث وكانت السلطة التنفيذية (رئيس الجمهورية) من حزب مختلف عن حزب الأغلبية في السلطة التشريعية (كما حدث أخيرًا في برنامج التأمين الصحي لأوباما).

وهكذا يفتقد النظام الرئاسي — في الولايات المتحدة — المرونة التي يوفرها النظام البرلماني بالالتجاء إلى الانتخابات المبكرة عند وقوع أزمة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وترك الحكم النهائي للشارع من خلال صناديق الانتخاب. وقد ساعد على نجاح النظام الرئاسي الأمريكي أن النظام الحزبي بها ليس بالغ الصرامة كما هو الحال في معظم الأحزاب الأوروبية، وبما يسمح لنواب وشيوخ البرلمان بعقد صفقات سياسية مع السلطة التنفيذية — وإن كانت من الحزب المعارض — مقابل تنازلات من جانبها لتحقيق مكاسب لبعض المنظمات أو القطاعات التي تهم هؤلاء الأعضاء في ولاياتهم.

وقد لاحظ الفقيه الدستوري المعروف، الدكتور ثروت بدوي، أن النظام الرئاسي — على النمط الأمريكي — لم يحقق ديمقراطية حقيقية ومستقرة خارج الولايات المتحدة، وقد أخذت به معظم دول أمريكا اللاتينية في القرن العشرين، فكان أن عرف معظمها أشكالًا متعددة من الحكم الدكتاتوري، وعندما حاول ديجول الأخذ بالنظام الرئاسي في فرنسا، فقد طعَّمه بالكثير من خصائص النظام البرلماني، بحيث يُمكن لرئيس السلطة التنفيذية (رئيس الجمهورية) حل البرلمان وإجراء انتخابات، كما يمكن للبرلمان سحب الثقة من الوزارة ومن رئيس الجمهورية نفسه وإن بشكل بالغ الصعوبة.

وهكذا يتضح أن النظام الرئاسي في شكله الخالص لم يطبق سوى في الولايات المتحدة، وأن نجاحه فيها يرجع إلى تقاليد قديمة، وبوجه خاص إلى الطابع الفدرالي لهذه الدولة؛ فالديمقراطية في الولايات المتحدة لا ترجع فقط إلى علاقة الفرد بالدولة، وإنما أيضًا إلى درجة استقلال الولايات تجاه الحكومة المركزية؛ ولذلك لم تنجح كثيرًا تجارب هذا النظام خارج الولايات المتحدة، وخاصة في دول أمريكا اللاتينية والفلبين، بل كانت غطاء في معظم الأحوال لنظم دكتاتورية.

أما ما أخذت به فرنسا من النظام الرئاسي، فقد كان مختلطًا بعناصر كثيرة من النظام البرلماني، مع التوسع في سلطات رئيس الجمهورية ليس فقط على حساب البرلمان وحده، وإنما أيضًا على حساب الحكومة. وجاء النظام المصري فاشتط في تركيز السلطات في يد رئيس الجمهورية حتى كاد يصبح النظام ملكية خاصة قابلة للتوريث. فعندما أخذنا بهذا النظام الرئاسي في مصر، تحول من نظام يدعو للفصل شبه المطلق بين السلطات إلى نظام لتركيز معظم هذه السلطات في يد رئيس الجمهورية، الأمر الذي يناقض تمامًا الأساس الفلسفي الذي قام عليه، وتحوَّل هذا النظام في العمل، عند تطبيقه في بلادنا، إلى عكس المقصود تمامًا حينما تحولت السلطة في مصر إلى سلطة فردية، ولم تعد فكرة مؤسسية.

وقد استمعت في أحد الحوارات التليفزيونية إلى رأي أحد المتحدثين الذي قال: إن النظام الرئاسي هو وحده الذي يصلح لمصر؛ لأن النظام البرلماني يُضعف من دور السلطة التنفيذية. وهي مقولة لا يسندها الأمر الواقع؛ فقد يضعف هذا النظام من سلطة رئيس الجمهورية، ولكنه لا ينال من قوة السلطة التنفيذية، بل كثيرًا ما تكون هذه الحكومة أكثر قوة بقدرتها على الالتجاء، في كل وقت، إلى إجراء انتخابات جديدة، والحصول على تفويض جديد من الشعب، فليس صحيحًا أن رئيس الوزراء في النظام البرلماني أضعف من رئيس الجمهورية في النظام الرئاسي، وربما العكس هو الصحيح؛ فكثيرًا ما أعاق الكونجرس رؤساء أقوياء، فلا تشرشل كان ضعيفًا، ولا كانت شخصية نهرو باهتة، كما أن شرودر أو ميركل في ألمانيا لم تنقصهما قوة التأثير، وليس أردوغان برئيس غير فعال.

النظام البرلماني، كما النظام الرئاسي، يمكن أن يوفر حكومة قوية ومسئولة، وهذا النظام البرلماني — يبدو لي — أكثر ملاءمة لظروف مصر، خاصة بعد أن عاشت تجربة جمهورية رئاسية تقوم على شخص واحد هو رئيس الجمهورية، وربما آن الأوان لنتخلص من آثار هذه التجربة البائسة وذكرياتها المريرة.

ولكل هذا، فإنني أقترح، قبل النظر في وضع الدستور الجديد، إجراء حوار شعبي واسع حول خصائص كل من النظامين، ثم في ضوء هذا الحوار يتم طرح التساؤل لاستفتاء شعبي للاختيار بين النظامين، وبعدها لن تكون هناك صعوبة في صياغة الدستور المناسب في ضوء الاختيار الشعبي لشكل النظام الدستوري؛ فليس من الإنصاف أن نترك هذا الاختيار الجوهري للجنة من الفنيين مكونة من عدة أفراد لإجراء هذا الخيار الحاسم، ثم صياغة مئات المواد من الدستور لتعرض على الشعب. هذا ليس منصفًا لجمهور الناس. المطلوب أولًا حسم الاختيار بين النظامين، وبعدها تُصاغ مواد الدستور على هذا الأساس.

وأنا شخصيًّا أميل للنظام البرلماني، وأرى لأسباب عملية العودة إلى دستور ١٩٢٣ بعد تعديل المواد الخاصة بالملك، وإحلال قواعد جديدة مكانها لاختيار أسلوب اختيار رئيس الجمهورية، وربما يضاف إلى ذلك الدستور باب جديد عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي لم تكن معروفة حين وضع دستور ١٩٢٣، ثم يتم عرضه على الاستفتاء الشعبي. والله أعلم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.