مما يسرنا أن ننوه به في هذه اليوميات كثرة الرسائل التي تلقيناها ردًّا على سؤال الأستاذ «الغزالي حرب» وبيانًا لموقف سعد زغلول من تعليم اللغة العربية، وهو وفاء نحمده لإخواننا من أبناء هذه الأمة، ولكننا نحسبهم عرفوا مبدأنا في تقدير عظمائنا. فلا نرتضي لهم أن نزجَّ بهم في قفص الاتهام ونتطلب الدفاع عنهم كلما قيل عنهم ما يقال بغير دليل.

وقد كتب إلينا الأستاذ «عمر الدسوقي» رسالة من هذه الرسائل قال فيها بعد ديباجة موجهة إلينا نشكره عليها: إنه اعتمد على خطاب سعد في الجمعية العمومية …! وهو الخطاب الذي استهلَّه سعد بتبصير الأمة بما يخشى من المحتلين في الدواوين التي يشرفون عليها ويستطيعون أن يمنعوا تعيين الطلاب المتخرجين من مدارسنا في وظائفها. ثم عقَّب قائلًا: «وكل ما يمكنكم أن ترغبوه مني، وما يمكنني أن أشتغل به وأقدمه خدمة لوطني، هو السعي في تذليل تلك الصعوبة المادية، وهو ما عقدت النية عليه، من توسيع نطاق مدارس المعلمين والإرساليات إلى أوروبا، وتحسين حال موظفي المدارس؛ حتى يمكن وجود عدد كافٍ يتولَّى التعليم باللغة العربية كما أرغب وترغبون، وإنني إذا وفقت لتحقيق هذه الأمور الثلاثة خدمت بلادي خدمة جليلة.»

وقد ألَّف الأستاذ عمر كتابه بعد تحقيق هذه الوعود، وبعد أن عمل سعد فعلًا على إنشاء قلم الترجمة، وإجراء المرتبات على طلاب المعلمين، وإرسال البعوث إلى المعاهد الأوروبية، وتعيين الوطنيين في وظائف التعليم التي كانت حكرًا للإنجليز، وتقرير عشرة آلاف جنيه إعانة للجامعة الأهلية على تخريج الأساتذة المتخصصين لتدريس العلوم الحديثة باللغة العربية، وغير ذلك من التدابير التي وعد بها وأنجزها كما وعد وزيادة، فما بال الأستاذ عمر يكتفي بالوعد ولا يُلحِقه بالإنجاز وكلاهما سابق لتأليف الكتاب؟

وأعجب من ذلك أن يستخفَّ المؤلف برجل عظيم القدر قليل النظير في نهضتنا الوطنية كالأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده رحمه الله، فيقول عنه إن مصاحبته كانت تطفئ جذوة الوطنية في قلوب أصحابه، فلم تظهر لسعد زغلول ولا لحافظ إبراهيم «وطنية» قبل وفاته …

ومثل هذا يقال بلا حرج ولا تردد عن أستاذ الوطنية الذي علَّم صفوة هذا البلد القومية الصادقة، ونادى بمبدئها الصحيح؛ مبدأ «مصر للمصريين» يوم كانت السيادة العثمانية قِبلَةَ كثير من المتخبطين بالدعوة الوطنية على غير هُدًى. وكان من واجب المؤلف أن يعلم أن الأستاذ الإمام هو أول من طالب المحتلين بإسناد مناصب الوزارة إلى الوطنيين الفلاحين، وأبلغ ذلك إلى الوكالة البريطانية بوساطة المستشرق الأيرلندي «ويلفرد سكاون بلنت» سنة ١٨٩١ قبل أن يرتفع صوت واحد من أصوات دعاة الأحزاب في الصحافة أو الخطابة. بل كان من واجب المؤلف أن يذكر أن الشيخ محمد عبده كان منفيًّا خارج بلاده وكان رجوعه إلى بلاده رهنًا بأمر المحتلين، ولكنه سئل في المنفى — باعتباره رجلًا من رجال الدين — عما ينبغي أن تعمله الدولة البريطانية لكسب مودة العالم الإسلامي، فكان جوابه كجواب أستاذه جمال الدين: اخرجوا من وادي النيل.

فإذا كان الأستاذ عمر يعلم ذلك ويمسُّ هذا الإمام الجليل في وطنيته مع علمه به فهو وزر جسيم، وإذا جهل تاريخ الرجل وتاريخ عصره وتصدَّى للكتابة عنه فهو اجتراء على ذمة التاريخ وعلى أقدار العظماء من رجالنا يلام عليه وتلزمه المعذرة منه بالتصحيح والتوضيح.

وإن الأستاذ الدسوقي ليحمد ربه لو استطاع أن يذكر من خدمته لوطنه بعض ما أسداه إلى هذا الوطن تلميذ من تلاميذ الإمام الكثيرين، ولعله لا يدري أن المصلحين من أبناء أمم الشرق يدينون بنهضتهم، ويعترفون بهذا الدين لهذا «المحمد عبده» الذي يغمزه في وطنيته … وتاريخ الإصلاح في إندونيسيا وباكستان ناطق بلسان أهله بذلك الفضل العميم، فماذا يقول أبناء المشرق عن أبناء هذا البلد إذا كان رأي السيد عمر هو مبلغ الوفاء عندهم لعظمائه المعدودين؟

نحمد الله أنه رأي السيد عمر وكفى، وأنه رأي لا يرتضيه منه من يُعْتَدُّ برضاه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.