ستقصر أيامه فيما يظهر، وستطول لياليه؛ لأن رئيس الوفد قد أَخَذَ يزور فيه بعض الأقاليم، فسيظل وزير الداخلية معلقًا بالتليفون بياضَ النهار، مفكرًا فيما كان وما سيكون سوادَ الليل، ويزيد هذا الأسبوع مشقة وعسرًا أن رئيس الوفد لم يكن رحيمًا ولا رفيقًا؛ فهو قد اختار الرحلة إلى بورسعيد، وإلى إقليم الشرقية، ولما تمضِ على ظهور الحركة الإدارية أيام، يستطيع وزير الداخلية فيها أن يستريح من هذا العناء الثقيل الطويل، الذي أفنى نفسه به أشهرًا متصلة. ولو أن رئيس الوفد كان رحيمًا رفيقًا لانتظر برحلته هذه حتى يستريح الوزير من عناء هذه الحركة الثقيلة العنيفة، وحتى يسترد قواه كاملة، ونشاطه موفورًا، ليفرغ لهذه الرحلة وما ستفرض عليه من أثقال، وما ستكلفه من عناء.

ولكن رئيس الوفد سيعلم أن وزير الداخلية رجل لا تعيبه الشدة، ولا يُضنيه الجهد، ولا يؤخذ على غرة، وإنما هو رجل قوي مهما يكن ضعيفًا، نشيط مهما يكن فاترًا، مستريح مهما يكن متعبًا، ينام بإحدى مقلتيه وينظر بإحداهما الأخرى في أعماق الجو، وآفاق السماء، وأقطار الأرض؛ ليرى من أين تأتيه الأحداث، ومن أين تسعى إليه الخطوب.

والشرطة بحمد الله مستعدة، والإدارة بحمد الله متأهِّبة، فما هي إلا أن يصدر الأمر حتى يلتئم المتشعب ويجتمع المتفرق، وإذا الثغر الثاني من ثغور مصر، قد أصبح مدينة من مدن الحرب ينتشر فيها الجند، وتنبثُّ فيها الشرطة، ويرتفع فيها العجيج والضجيج، وتُسْمَعُ فيها قعقعة السلاح، ويضطرب في جوها صهيل الخيل، ويعلم المصريون من أمرها أنهم أحرار، ولكن بمقدار، وأنهم في بلادهم، ولكنهم لا يملكون أن يستقبلوا من يحبون كما يحبون، ويعلم الأجانب من أهلها أن ليس عليهم بأس من أن يهزءوا بالمصريين، ويسخروا منهم، ومن أن يستذلُّوهم ويستغلُّوهم، فهم قوم يحسبون أنفسهم أحرارًا، وما أقلَّ حظهم من الحرية! ويرون أنفسهم أعزَّة، وما أقل حظهم من العزة! ويزعمون أنهم مستقلون، وما أبعد الأمر بينهم وبين الاستقلال!

ولو كانوا أحرارًا أو أعزة، أو مستقلين، لما أُخِذت المدينة عليهم من أقطارها، ولما أحاط بهم الجند والشرطة كما يحيط السوار بالمعصم، ولما تغلغل الجند المسلح في أحشائها كما يتغلغل المرض في أحشاء المريض؛ لا لشيء إلا لأن زعيم مصر يريد أن يزور مدينة من مدن مصر، ولكن وزير الداخلية يقظ، والجند يقظ معه، والشرطة متأهبة، والقوة مواتية، ومن الحمق أن تكون قويًّا ولا تظهر القوة، وأن تكون يقظًا ولا تُظهِر اليقظة، وأن تكون ذا بأس وتستر بأسك عن أن تراه العيون.

ولكن هناك سؤالًا نودُّ لو يجيب عليه وزير الداخلية ورئيس الوزراء، ماذا كان يصنع وزير الداخلية، بل ماذا كانت تصنع الوزارة كلها لو أن داعيًا من بورسعيد دعا المندوب السامي لزيارة بورسعيد، وخطر له أن يقيم له السرادقات ويحشد له الناس، يستقبلونه هاتفين مصفقين، أكانت تحشد الشرطة؟ أكان يعبأ الجند؟ أكان يعتقل الناس مئات ويحشرون في السجون حشرًا؟ أكان يصدر الأمر إلى التجار أن يغلقوا متاجرهم؟ أكان يصدر الأمر إلى الناس أن يلزموا دورهم؟ أكانت مدينة من مدن القطر تُؤْخَذُ بالحكم العرفي، في غير قانون، وفي غير ما يدعو إلى أخذها بالحكم العرفي؟ كلا، لقد كان المندوب السامي البريطاني يزور قرية من قرى الأقاليم، فيضيفه الوزير، ويستقبله المدير، ويُحْشَدُ الناس له حشدًا، وتمهَّد الأرض لطيارته تمهيدًا، يا لسخرية الأيام!

لقد كان المصريون يظنون أن أرض مصر ملك لهم، يستطيعون أن يذهبوا عليها ويجيئوا، وأن جو مصر ملك لهم، يستطيعون أن يتنفسوا فيه أحرارًا؛ فأظهرت الأيام أن أرض مصر ملك لوزير الداخلية، يبيح السعي عليها لمن يشاء، ويحظره على من يشاء، وأن جو مصر ملك لوزير الداخلية يبيح التنفس فيه لمن يشاء ويحظره على من يشاء، وأن المصريين جميعًا خاضعون لوزير الداخلية، يصرفهم كما يحب، ويدبِّر أمرهم كما يريد، يأذن لهم بالاستقبال فيستقبلون، ويحظر عليهم الاستقبال فيمتثلون، فمَنْ هَمَّ منهم ألا يطيع اعتقلته الإدارة خوفًا عليه لا خوفًا منه؛ فالإدارة لا تخاف من شيء ولا تخاف من أحد، ولكنها تعتقل المصريين مخافة أن يخالفوا أمر الوزير؛ فيستقبلوا وقد نهاهم عن الاستقبال، ويهتفوا وقد حرم عليهم الهتاف، ويصفِّقوا وقد حذَّرهم من التصفيق، ويتعرضوا من أجل ذلك للتحقيق، ثم للمحاكمة! ووزير الداخلية رجل يحسن الاحتياط، فهو يتهيَّأ للخطر قبل وقوعه، لا في بورسعيد وحدها، بل في الشرقية أيضًا؛ فلا بد من أن يستعدَّ هذا الإقليم استعدادًا عسكريًّا حافلًا لهذه الموقعة التي ستكون يوم الخميس.

لرئيس الوفد أن يزور الشرقية ولكن ليس للوفديين أن يستقبلوه، يستطيع أن يزورهم في دورهم إن أراد على أن تحيط به قوة الحكومة لتحميه من الناس الذين لا يحبونه ولا يريدون زيارته! فأما أن يجتمع الوفديون للقاء زعيمهم فهذا شيء لا يرضاه الوزير، ولا يقره المدير، ونعود فنسأل ماذا كان يصنع الوزير وماذا كان يصنع المدير لو أن داعيًا من أهل الشرقية دعا المندوب السامي لزيارته، وأراد أن يقيم له سرادقًا وأن يحشد له المستقبلين، أكان ينفذ فيه قانون الاجتماعات؟ أكان يُمْنَعُ من إقامة السرادق؟ أكان يحظر عليه حشد الناس؟ كلا، إنما كانت الأرض تمهد والسرادق يقام، والمحافظ يسعى على رأس المستقبلين.

يجب أن يفطن المصريون؛ فإن مصر فيما يظهر ليست خالصة لهم، يجب أن يُفِيق المصريون؛ فإنهم فيما يظهر لم يخلقوا ليستمتعوا بأيسر مظاهر الحرية في بلد يزعم أنه حر، وأن أموره ينظمها الدستور، وإنما خلقوا ليقيم وزير الداخلية في الإسكندرية، ويدير من هناك ما يبيح لهم وما يحظر عليهم، يستشير في ذلك رأيه هو، وإرادته هو، وقد يستشير في ذلك رأي الإنجليز، وإرادة الإنجليز.

نعم يجب أن يُفيق المصريون وأن يفطنوا؛ فوزير الداخلية حرٌّ في أن يرى ما يشاء، ولكن المصريين أيضًا أحرار في أن يستقبلوا ما يشاءون كما يشاءون، والقانون وحده هو الحكم بينهم وبين وزير الداخلية فيما يمكن أن يشجر بينهم من خلاف.

إن من حق زعيم المصريين أن يزور المصريين متى شاء، وأين شاء، وحقه في ذلك أعظم ألف مرة ومرة من حق المندوب السامي البريطاني. وإن على الذين يبثون العقاب في سبيل رئيس الوفد، ويقيمون الحوائل بينه وبين الناس، على حين يمهدون الأرض للمندوب السامي، ويخلُّون بينه وبين الناس، ويفتحون له بيوت الوزراء، من الحق على هؤلاء أن يتدبروا، وأن يتفكَّروا، وأن ينظروا في العواقب، وأن يسألوا الضمائر؛ فإن الشعوب لا تؤخذ بهذا النحو من العنف في هذه الأيام …

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.