كان المصريون يستعدون للقائهما باسمَيْن في جوٍّ باسم، مُشْرِقَيْن في سماء مشرقة، فعادا إليهم هامدَيْن خامدَيْن لا يعرفان ابتسامًا ولا إشراقًا يحملهما قطار يمشي على الأرض وسفينة تَسْبَح في الماء، ثم قطار يمشي على الأرض ثم عربة تجرها الجياد. لا يذل لهما متن الهواء، ولا يبتهج لهما ضوء الشمس، ولا تصعد إليهما أصوات المصريين رافعة إليهما التهنئة والإعجاب، وإنما تحتجب الشمس ويكتئب الجو، وتبكي السماء وتضطرم نار الحزن واللوعة في قلوب المصريين، وقد تَغْلِب العبراتُ جَهْدَ الجاهد وصبر الصابر، وجَلَد المتجلِّد، فتفلت من العيون، وتنحدر على الخدود.

كان المصريون يرجون أن يكون اليوم يوم ابتهاج فأبى الدهر إلا أن يكون يوم ابتئاس، كان المصريون يقدرون أن الجو سيؤدي إليهم أمانتهم، ويرد عليهم أبناءهم موفورين سالمين، فإذا الجو يخون أمانة الأرض، وإذا السحاب يخفر ذمة الإنسان، وإذا الخطوب تعتدي على هذين الشابين الباسلين فتقهرهما، بعد طول الصراع، وتفجع فيهما أسرتين بائستين وبلدًا مكلومًا حزينًا.

إن من حق المحن على كرام الناس أن يلقوها معترفين بها ومقدرين وقعها في القلوب وأثرها في النفوس، ثم محتملين لها وصابرين عليها، ملتمسين في احتمالها والصبر عليها والانتفاع بها وسيلة إلى المجد، وطريقًا إلى جلال الخطر وارتفاع الشأن.

يجب أن يشعر المصريون شعورًا قويًّا واضحًا بأنهم قد فقدوا شابين عظيمين كان كل منهما ابتسامة نضرة مشرقة في حياتهم، وكان كل منهما قرة بأعينهم وصلة بينهم وبين الأمل القوي، ورسولًا لهم إلى المجد والعز، وقوامًا لأسرة تعتمد عليه وتفخر به وتعقد به كبار الآمال.

يجب أن يشعر المصريون شعورًا قويًّا واضحًا بهذا كله، وأن يذوقوا لذع الألم ومرارة الحزن لهذا كله حتى إذا أرضوا حاجة نفوسهم إلى الحزن وحاجة قلوبهم إلى الألم، جدُّوا في التماس ما تحتاج إليه نفوسهم الحزينة من العزاء، وما تحتاج إليه قلوبهم الكئيبة من الأمل والرجاء.

إن حياة المصريين جميعًا فداءٌ في كل وقت وفي كل محنة لمصر الخالدة، ولكن هذا الفداء لا خطر له، إذا لم يشعر المصريون بقيمته، إذا لم يعلم المصريون أنه عزيزٌ عليهم أثيرٌ عندهم، وأنهم لو خُلِّي بينهم وبينه لضنوا به وحرصوا عليه، فنحن لا نريد أن نبذل في سبيل الوطن نفوسًا تَهُون علينا، ولا نريد أن نحتمل في سبيل الوطن آلامًا يخف علينا احتمالها. إنما نريد أن نبذل نفوسًا غالية كريمة في سبيل وطن غالٍ كريمٍ، وأن نحتمل آلامًا فادحة ثقيلة في سبيل وطن نُؤْثِره ونُكْبِره، ونحتمل في سبيله ما يشق حمله، ونرضى في سبيله بما لا يسهل الرضا به والصبر عليه.

لا تتحرج القلوب إذن من أن تستقبل هذين الشهيدين العظيمين بالحزن اللاذع العميق، ولا تتحرج الوجوه إذن من أن تستقبل هذين الشهيدين العظيمين بهذه الكآبة القاتمة التي تقطب لها الجباه، وتظلم لها الوجوه، وتنهلُّ لها الدموع، فقد فقدت مصر عزيزًا، ومُنِيَتْ مصر برزءٍ عظيمٍ.

لِنَحْزَن اليوم ولْنُظْهِر حزننا في غير تحرج ولا احتشام؛ فذلك أيسر ما لهذين الشابين العظيمين علينا من حق، ثم لنستأنف غدًا ما ينبغي أن نستأنف من أملٍ، ولنستأنف غدًا ما ينبغي أن نستأنف من جدٍّ ونشاط، ولنستأنف غدًا ما ينبغي أن نستأنف من تضحية وفداءٍ فهذا أيسر ما يجب للوطن علينا من حق.

إن القلوب الكريمة لا تأبى الحزن ولا تكره الألم، ولكنها لا تحب الجزع ولا تعرف اليأس. وقد كانت قلوب المصريين كريمة دائمًا فلم تلقَ الخطوب مُنْكِرةً لها ولا ضيِّقةً بها، وإنما عرفت دائمًا كيف تَفِي للذين وفوا لها فتُكْبِرهم أحياء وتذكرهم مع الحب والحزن والألم حين يفارقون الحياة، ثم لا يمنعها ذلك أن تمضي في طريقها إلى ما قُدِّر لها من الرقي، لا وانية ولا يائسة ولا مستسلمة للخطوب. وهل كانت حياة مصر الخالدة إلا مزاجًا من الألم المُلِحِّ والأمل المبتسم الذي لا يعرف ضعفًا ولا فتورًا؟!

إن في هذا الخطب العظيم لعِبَرًا يجب أن يعتبر بها المصريون وإلا تلهيهم عنها الحياة بهزلها وجدِّها، وإلا تلهيهم عنه بنوع خاص هذه الألفاظ الضخمة التي تمتلئ بها الأفواه والأسماع وقلما تصل إلى القلوب والنفوس.

يجب أن يعلم المصريون أن الوفاء لهذين الشهيدين ليس بالحزن عليهما اليوم والانصراف عنهما إذا مضى هذا الجيل وأقبلت الأجيال التي تليه فإنهما لم يضحيا بنفسيهما فحسب، ولكنهما أنْبَأَا العالم الحديث بأن المصريين يعرفون الآن كما كانوا يعرفون من قبل كيف يموتون في ميدان الشرف، وكيف يبذلون أنفسهم ثمنًا لرفعة مصر الخالدة.

نعم؛ وأنبأَا العالم الحديث بأن المصريين لم يكونوا يعبثون حين نهضوا، ولم يكونوا يلغون حين فدوا بلادهم بأنفسهم، وإنما كانوا يجدون حقًّا ويريدون ما يقولون حقًّا ولا يبخلون بالحياة حين تطلب إليهم مصر بذل الحياة، وهما أنبأَا العالم الحديث بأن المصريين لم يكونوا يعبثون حين أرادوا أن يرفعهم نشاطهم إلى الجو، لم يكونوا يتخذوا الطيران لهوًا ولعبًا، وإنما كانوا كغيرهم من الشعوب يتخذون الطيران وسيلة من وسائل الرقي، وسببًا من أسباب النضال الصحيح في الحياة يحتملون في سبيل ذلك ما يُفرَض عليهم من التكاليف، ويبذلون في سبيل ذلك ما ينبغي بذله من النفس والمال.

فهذان الشهيدان خليقان أن يعرفهما هذا الجيل، وأن تعرفهما الأجيال المقبلة وأن يظل شخصاهما ماثلين لا في قلوب المصريين فحسب بل على الأرض المصرية وتحت السماء المصرية تُحَيِّيهما الشمس في كل صباح، وتُحَيِّيهما النجوم في كل مساء.

نعم؛ وقد أَبَتْ عناية الله بمصر، وحب الله لمصر، إلا أن يكون هذا الخطب العظيم رمزًا مقدسًا لحقيقة مقدسة، يجب أن تكون قوام الحياة المصرية دائمًا، ويجب أن تكون فوق كل الحقائق، فهما مصريان، أحدهما مسلم والآخر مسيحي.

كلاهما كان في مهمة وطنية، كانا يؤديانها معًا في حب مشترك لمصر، ووفاء مشترك لمصر، واحتمال مشترك لأمانة مصر، حتى إذا هاجمتهما الخطوب لم تُؤثِر أحدَهما دون صاحبه ولم تُفرِّق بينهما فيما أضمرت لمصر من كيد، وإنما هاجمتهما معًا وصرعتهما معًا ودفعتهما معًا إلى موتٍ مشتركٍ كريم، فالجو الفرنسي قد شهد مصر الخالدة الخالصة من كل خلاف تصارع الموت. والأرض الفرنسية قد تلقَّتْ رمز مصر الخالدة الخالصة من كل خلافٍ حين صرعه الموت.

ومصر الآن، مصر الخالدة مصر الخالصة من كل خلاف، مصر التي تسمو فوق كل فكرة وفوق كل اعتبار، مصر الواحدة ستلقى رمزها الواحد، وستودع هذا الرمز المقدس أرضها المقدسة، وسترمم هذا الرمز المقدس في قلوب أبنائها جميعًا. فيجب أن يفكر المصريون في هذا، ويجب أن يقدر المصريون هذا، ويجب أن يعلم المصريون أن الخطوب والمحن حين تلم بمصر لا تختار من أهلها فريقًا دون فريق، وأن المجد والعز حين يطلبان التضحية من مصر لا يطلبانها من فريق دون فريق وإنما يطلبانها من المصريين؛ لأنهم مصريون لا أكثر ولا أقل.

ولو لم يكن في هذا الخطب العظيم إلا هذا الدرس العظيم الذي تلقيه الأيام على المصريين، لكان هذان الشهيدان خليقين بألا نكتفي بأن نواري جسميهما في التراب ونحفظ شخصيهما في القلوب، ونسفح عليهما بعض الدموع.

كلا، كلا. يجب أن يظل هذا الرمز المقدس للوحدة المصرية خالدًا ماثلًا أمام الأجيال المصرية كلها تحييه الشمس إذا أشرقت، وتحييه النجوم إذا تألقت في السماء.

نعم؛ وعبرة أخرى في هذا الخطب العظيم يجب أن يعيها المصريون جميعًا وأن يعيها الشباب من المصريين خاصة وهي أن لمصر عند الجو ثأرًا، وأن هذا الثأر يجب أن يُنال، وأن هذا الجو الذي خان أمانة مصر، وقتل ابنين كريمين من أبنائها يجب أن يؤدي ثمن هذه الخيانة، وأن يذل للأجنحة المصرية، وأن يذعن متنه، لا لطائرتين ولا لطائرات تُعَدُّ بل لطائرات كثيرة كثيرة، تلائم نشاط الشباب ونهضته واعتداده بنفسه واعتزازه بوطنه، وحرصه على أن يثأر لنفسه حتى من الطبيعة حين تعتدي عليه الطبيعة.

أفيبلغ هذا النداء قلوب الشباب المصريين؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.