تمَّتْ أمس في غرفة من غرفات البرلمان، ولكنها تمَّتْ بين أحد الفريقين المختصمين بالأصالة وبين أحدهما الآخر بالنيابة، فقد شهدها وقَبِلها واطمأنَّ إليها النواب الغاضبون، وقد سكت عنهم الغضب، وشملهم الهدوء، ولم يسحبوا إعذارهم وإنذارهم، ولكنهم أهملوهما إهمالًا، وأعرضوا عنهما إعراضًا. أما وزير المالية فلم يشهد جلسة التسوية هذه، ولم يشترك فيها بقول ولا بفعل، وإنما ترك لرئيس الوزراء، ووزيرين آخرين، أن يُهدِّئوا النواب ويُعِينوهم على ابتلاع هذه الحبَّة المُرَّة.

وقد أعانوهم بالفعل؛ فأهدوا إليهم جُمَلًا عذبة، وألفاظًا حلوة رائقة، كهذه الأشربة الحلوة التي تُقدَّم إلى المريض ليمحو بها ما يبقى في فمه من مرارة الدواء، وانصرف النواب راضين أو مظهرين للرضا، وأرسل رئيس الوزراء نَفَسًا طويلًا حارًّا كمن زال عن كتفيه عبء ثقيل، وانجلت هذه السماء الصغيرة الضئيلة الضيقة — سماء السياسة الرسمية — من تلك السُّحُب التي كانت تبدو كثيفة صفيقة، وإن كانت في حقيقة الأمر رقيقة شفافة لا تَحْجُب شيئًا، ولا تُكدِّر صفوًا، ولا تُخِيف إلا الذين يخافون من الأوهام والخيالات.

ولبث وزير المالية حيث كان مستقرًّا هادئًا في حديثه المنشور الذي أذاعه في الأقاليم، وفي شماله الرد الذي كان قد هيأه ليلقى به خصومه إن عرضوا له في مجلس النواب، وأكبر الظن أن أنباء الصلح قد انتهت إليه، فرد المنشور إلى مكانه، وحفظ الرد في حرز أمين؛ لأنه قد يحتاج إليه.

ثم استقر كل شيء، واطمأن كل إنسان، ولعب النسيم بسطح البحيرة مداعبًا ملاطفًا، ولكن هذا النسيم على رفقه، ولينه، ورقته، أطار بعض الأوراق من مكانها، وحملها مُداعِبًا مُلاعِبًا إلى مكان آخر، ثم أشرق الصباح، وأضاء بنوره ولاح، وسكتت شهرزاد عن الكلام المباح، ولكن الأهرام تكلمت مكان شهرزاد، فقصت على الناس أنباء التسوية، ثم روت للناس نص المنشور الذي أغضب النواب، وأملى الاستجواب، وأثار الوزير، إلى الكتابة والتحرير، فإذا هو منشور له ما بعده حقًّا، منشور تتمثل فيه البطولة، ويقطر من أطرافه النبوغ، وتتجلى في جُمَلِه القصار معانٍ كثيرة، وأغراض سياسية خطيرة. منشور من شأنه أن يغضب النواب حقًّا، وإن أعلنوا إلى رئيس الوزراء أنهم لم يغضبوا منه، وإنما غضبوا مما أُشِيعَ عن تعليمات أخرى سرية، يُقال إنها سبقته، ولحقته، وأحاطت به، وقُلْ ما شئتَ، فالمنشور نفسه مُغْضِب للنواب، ولا سيما في هذه الظروف التي نعيش فيها.

ولو كنت نائبًا وأُذِيعَ هذا المنشور لغضبت منه، فإن كان صادقًا غضبت من نفسي وكرهت لها البقاء في مجلس النواب؛ لأن الذين يلتوون بالضرائب، ويستفيدون من الاستثناء الذي لا يُسمَح به ليؤخروا أموال الدولة، لا ينبغي أن ينوبوا عن الشعب، وإن لم يكن صادقًا غضبت لنفسي وأنكرت على الوزير أن يهين النواب بغير حق، ويبسط عليهم قلمه ولسانه في غير مقتضٍ لبسط القلم واللسان؛ فالوزير يزعم أن للدولة عند جماعة من كبار الممولين وأعضاء الهيئات النيابية خاصة مقدارًا من المال، يبلغ أربعمائة ألف من الجنيهات، تأخر بها أصحابها عن وقت الأداء، والوزير يزعم أن صغار الملاك قد أدوا دَيْنهم إلى الدولة، كأحسن ما تكون التأدية، وأن كبار الملاك وجماعة من أعضاء الهيئات النيابية، هم الذين أبطأوا وتلكأوا، والوزير يزعم أنَّ تأخُّر هذه الأموال عند كبار الملاك وعند جماعة من أعضاء الهيئات النيابية لم ينشأ عن قصور في القانون ولا عن قصور في النُّظُم والتعليمات، وإنما نشأ عن استثناء لا يبيحه القانون، ولا تسمح به النظم والتعليمات؛ فالوزير يُسجِّل إذن تسجيلًا صريحًا قاطعًا أن كبار الممولين وجماعة من أعضاء الهيئات النيابية قد ميَّزوا أنفسهم أو ميَّزتهم الإدارةُ بشيء من الاستثناء الذي لا يُباح؛ فهذا مُغْضِب للنواب من أنفسهم إن كان حقًّا، ومغضب للنواب من الوزير إذا لم يكن حقًّا.

ولكن النواب يقولون إنهم لم يغضبوا، وهم بالطبع أحرار فيما يريدون لأنفسهم من الغضب والرضا، على أن الوزير لم يقف بمنشوره عند هذا الحد الإخباري، كما يقول أصحاب البيان، وإنما تجاوزه إلى الإنشاء، فأصدر أوامر لحكام الأقاليم، وهذه الأوامر نفسها حازمة ملائمة للعدل، ولكن من طبعها أن تُغضِب الذين تعوَّدوا أن تؤذيهم خطرات النسيم، ويؤلمهم مس الحرير؛ فالوزير يأمر في نفس هذا المنشور الذي لم يغضب منه النواب بأن يُؤخَذ الناس جميعًا بأداء الضرائب في غير تفرقة بينهم وبأن يُوقَّع الحجز عليهم جميعًا من غير تفرقة أيضًا بين الصغار والكبار وبين النواب وغير النواب إن هم قصروا في الأداء، وأن تُرفَع أمورهم كلهم إلى النيابة من غير تفريق كذلك بين الصغار والكبار، وبين النواب وغير النواب إن وقع منهم التبديد. ثم يأمر الوزير بأن تُراعى النُّظُم والتعليمات، بالعدل والقسط والمساواة في تحصيل الضرائب التي آن أوانها.

أرأيت إلى هذه الأوامر الحازمة الصارمة التي أصدرها وزير المالية وهو هادئ مطمئن، والتي لم يغضب منها النواب، وما ينبغي لهم أن يغضبوا منها، وهم الذين ينبغي أن يلوموا الوزير ويسقطوه إن لم يصدرها ولم يقم على تنفيذها بالدقة والحزم والمضاء؟!

لم يغضب النواب — فيما قالوا — لأنهم أكرم على أنفسهم من أن يلتووا بالضرائب، أو يفروا من التكاليف العامة، أو يغضبوا من كلمة الحق، حين تُقال، فلم يبقَ لنا إلا أن نتمنَّى لهم حلمًا إلى حلم، ورضا إلى رضا، ونتمنَّى للوزير حَزْمًا إلى حزم، وشجاعة إلى شجاعة، ونبوغًا إلى نبوغ، ونتمنى لرئيس الوزراء دهاء إلى دهاء، وكياسة إلى كياسة، ونتمنى للمنشورات أن يظلَّ ورقها خفيفًا لطيفًا، يحب أن يحمله النسيم إلى دور الصحف لِتُذاع هذه المنشورات بين الناس، فيرى المصريون كيف تُؤدَّى الضرائب من الصغار، وتبقى عند الكبار، وكيف يجدُّ الوزراء في الحزم، ويذعن النواب للحق، وتجري الأمور بين النواب والوزراء على ما يقول البحتري:

أغتدي راضيًا وقد بتُّ غضبا

ن وأمسى مولى وأصبح عبدًا

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.