قال زياد في خطبته المعروفة: إن كذبة المنبر بَلْقَاءُ مشهورة. فإذا تعلقتم عليَّ بكذبة، فاغتمزوها في، واعلموا أن عندي أمثالها. وهذا أصل من أصول السياسة قلما يحفل به قادة الشعوب ورجال الحكم؛ فما أكثر الوعود التي تبذل والعهود التي تقطع! وما أكثر ما تُنقض هذه العهود، وتُنكث هذه العهود اعتمادًا على أن الحوادث تحدث والأيام تمر، والإنسان ينسى! ولكن الشعوب قلما تحفل بشيء كما تحفل لهذا الأصل من أصول السياسة، وقلما تحرص على شيء كما تحرص على أن يصدقها الزعماء والقادة إذا تحدثوا إليها، وعلى أن توفَّى لها العهود حين تقطع لها العهود.

ويظهر أن الجنرال ديجول شديد الحرص على أن يكون كزياد؛ لا يكذب إذا تحدث إلى الشعب، ولا يعد وعدًا إلا برَّ به، ولا يقطع على نفسه عهدًا إلا وفَّى به أكمل الوفاء. فهو قد خطب منذ حين فأعلن إلى الفرنسيين وغير الفرنسيين أن فرنسا لن تقبل قرارًا مهما يكن مصدره، ومهما يكن موضوعه إلا شاركت في إعداده ودرسته درسًا ينتهي بها إلى الإقناع. وقال كثير من الناس حينئذٍ: إن كلام الجنرال ديجول كغيره من الخطباء السياسيين، يُقال اليوم ليُنسى غدًا. وإن ظروف الحرب والسلم، وهذه الحوادث العنيفة التي يتلو بعضها بعضًا خليقة أن تضطر فرنسا إلى قبول ما لا بد من قبوله، والإذعان لما لا بد من الإذعان له. وقد جعلت الحوادث يقفو بعضها إثر بعض، وظل الجنرال ديجول برًّا بوعده، وفيًّا بعهده، فلم يقبل إلى الآن من القرارات إلا ما شارك فيه ودرسه درسًا ينتهي به إلى الاقتناع.

لم تشارك فرنسا في قرارات دمبرتون أوكس، فلم تقبلها. ولم تشارك في قرارات مؤتمر القرم، فلم تقبل منها ما يلزمها أو يقيد حريتها، وإنما قبلت ما كانت تطالب به فأُجيبت إليه. كانت تطالب بالمشاركة في احتلال ألمانيا، فأُجيبت إلى ذلك فقبلته؛ لأنها كانت تطلبه، لا لأنه فرض عليها. وكانت تطالب بالمشاركة في الإشراف على هذا الاحتلال، وعلى إدارة ألمانيا بعد استسلامها، فأُجيبت إلى ما كانت تطالب به، وقبلت ذلك راضية مغتبطة، كما يغتبط صاحب الحق حين يظفر من حقه بما يريد.

ولكنها كانت تطالب بالمشاركة في مؤتمر القرم نفسه فلم تُجب إلى ذلك، وسواء كان مصدر إبعادها عن هذا المؤتمر هو ستالين أو روزفلت أو تشرشل، فقد عرفت فرنسا كيف تلقى هذا الرفض العنيف لقاءً عنيفًا، وظهر ذلك حين اعتذر الجنرال ديجول من الامتناع عن السعي إلى الجزائر لمفاوضة المستر روزفلت، بأن الأعمال العامة لا تسمح له بترك باريس، وقد أحدث هذا الاعتذار ما أحدث من ضجيج وعجيج، ولكن قصته لم تكد تنتهي، حتى ثارت قصة أخرى ليست أقل منها خطرًا، ولا أهون منها شأنًا؛ فقد دُعيت فرنسا إلى أن تكون إحدى الدول الخمس التي تدعو إلى مؤتمر سان فرانسيسكو؛ فأظهرت كثيرًا من التحفظ، ولم تظهر الرفض. ثم انتهى بها الأمر إلى الاعتذار؛ ذلك لأنها أرادت أن يؤكد لها أن قرارات دمبرتون أوكس التي ستكون أساسًا للمناقشة في مؤتمر سان فرانسيسكو ليست ضربة لازب، وأنها لا تلزم الدول الداعية إلى المؤتمر بنوع خاص، وأن ينص على ذلك نصًّا صريحًا. فلما لم تجب إلى ما أرادت رفضت أن تكون داعية، واكتفت بأن تشهد المؤتمر كغيرها من الأمم المدعوة، مؤثرة حرية القول والعمل في جلسات المؤتمر على مكانة الدولة الداعية التي تهيئ للاجتماع، وتستقبل المجتمعين، وتتقيد بنص الدعوة التي شاركت في توجيهها.

وليس لهذا كله معنى إلا أن الجنرال ديجول يقدر هذا الأصل السياسي الذي أشرت إليه في أول هذا الحديث، فيأبى أن يقول اليوم شيئًا، وينكره غدًا. وهو حين يقول ما يقول إنما يقدر مصلحة وطنه، مجتهدًا في ذلك ما وسعه الاجتهاد، محتاطًا ما وسعه الاحتياط، وهو كغيره من الناس قد يخطئ وقد يصيب، ولكن الخطأ لن يأتيه على كل حال من تقصير أو إهمال.

وقد كان الراديو الفرنسي يتحدث أمس عن بعض الأسباب التي دعت فرنسا إلى أن تضحي بهذا الامتياز الذي عُرض عليها وتؤثر الحرية. فذكر أن شهر مارس هذا الذي نحن فيه لا يخلو من بعض الذكريات التي تدعو فرنسا إلى كثير من التأمل، وكثير من التحفظ؛ ففي مثل هذه الأيام منذ تسعة أعوام نقض هتلر نصًّا من نصوص معاهدة فرسايل، وأرسل جيوشه فاحتلت غرب نهر الرين، وكانت المعاهدة تنص على أن يكون هذا القطر مجردًا من السلاح. وواضح جدًّا أن عودة الجيوش الألمانية إلى غرب الرين كان تهديدًا خطيرًا لسلامة فرنسا، وكان تهديدًا خطيرًا للسلم نفسه. وقد كثر الأخذ والرد بين وزارت الخارجية في ذلك الوقت، وكثر النذير والتحذير. اهتمت عصبة الأمم للأمر، ولكن الحلفاء لم يتخذوا خطوة حاسمة، ولم يحفل هتلر بذلك الكلام الكثير؛ فاستقرت جيوشه في غرب الرين، ومزقت معاهدة فرسايل للمرة الأولى، فكان الاجتراء على تمزيقها للمرة الثانية، ثم للمرة الثالثة، ثم الاجتراء على إشهار الحرب.

وكذلك كان احتلال النمسا، وكانت مأساة ميونيخ، وكان احتلال تشكوسلوفاكيا. وليس لهذا كله من سبب إلا أن أوروبا لم تستطع أن تقاوم ألمانيا مقاومة حازمة حاسمة حين همَّت أن تخرج على معاهدة فرسايل.

فإذا تحرجت فرنسا الآن، وتشددت في التحفظ؛ فذلك — فيما يقول الفرنسيون — لأن فرنسا تريد أن يكون أساس السلم المقبل متينًا صريحًا صارمًا سريعًا لا يسمح بالتردد، ولا بالتلكؤ، ولا يتيح للمعتدي فرصة الاعتداء بما يكون من الأخذ والرد والمفاوضات التي لا تنقضي. وتعتقد فرنسا أن خير ما وصلت إليه في هذه السبيل هو هذه المحالفة التي تمت بينها وبين روسيا، والتي تقضي أن يكون دفع العدوان آليًّا لا يقتضي أخذًا ولا ردًّا ولا مفاوضاتٍ ولا جدالًا. وهي من أجل ذلك تريد أن يكون ميثاق الأمم المتحدة الذي أعد مشروعه في مؤتمر دمبرتون أوكس من الصرامة والحزم والسرعة بحيث يسمح بهذا الدفع الآلي لكل عدوان.

فهي تريد أن يبيح هذا الميثاق المحالفات الإقليمية على نحو المحالفة الروسية الفرنسية، وتريد ألا توضع العقبات في سبيل إعلان مسألة العدوان بهذه المناقشات التي لا تنتهي. وليس من شك في أن ميثاق الأمم المتحدة سيكون أسرع وأحزم من ميثاق عصبة الأمم، ولكن ليس من شك في أن فيه ما يدعو إلى التحفظ والخوف، فما دام في وسع دولة واحدة من الدول الكبرى أن تقول لا، فتشل حركة الأمم المتحدة، وتمنع إعلان حالة العدوان، وتمنع ما يترتب على ذلك من معاقبة المعتدي، فسيظل الأمر في المستقبل كما كان في الماضي خاضعًا للمفاوضات والمناقشات والمساعي الدبلوماسية المعقدة في السر وفي العلانية، وسيتيح ذلك للمعتدي ما يمكنه من تحقيق العدوان ووضع العالم أمام الأمر الواقع كما يُقال.

من أجل هذا كله آثرت فرنسا أن تحتفظ بحريتها، وأن تدافع عن هذا النحو من الرأي؛ لعلها تستطيع أن تصل إلى تحقيق المثل الأعلى الذي كانت تلح في تحقيقه بين الحربين، وهو الأمن الاجتماعي. ولست أدري أتبلغ فرنسا من ذلك ما تريد أم يحال بينها وبينه؟ ولكن من المحقق أن هذا المثل الأعلى هو الشرط الوحيد لسلامة العالم من تجدد الكارثة، ومن طغيان القوي على الضعيف. وأكبر الظن أن العالم لم يبلغ من الرشد السياسي والخلقي، ومن التجرد النقي من الأهواء والشهوات المنزلة التي تمكنه من أن يملأ الأرض عدلًا وأمنًا وسلامًا بعد أن مُلئت جورًا وخوفًا وخصامًا.

ونظرة يسيرة إلى ما ينتهي إليه مشروع الميثاق الذي سيكون أساسًا للمناقشة في مؤتمر سان فرانسيسكو، تكفي لإقناعنا بأننا ما زلنا بعيدين عن هذا الطور من أطوار الكمال. فلن يتحقق إعلان العدوان، وما يترتب عليه من رد المعتدي ومعاقبته، إلا إذا قررت ذلك كثرة معينة من أعضاء مجلس الأمن، يشترط أن يكون من بينها ممثلو الدول الكبرى الأربع أو الخمس جميعًا. معنى ذلك أنه إن وقع خصام بين روسيا وبولندا مثلًا، فلن يستطيع مجلس الأمن أن يحسمه ويعاقب المعتدي فيه إلا إذا قررت ذلك هذه الكثرة المعينة، ومنها الدول الكبرى. فأما روسيا نفسها فستمتنع عن التصويت بحكم الميثاق. وهذا حسن وفيه خطوة واسعة نحو العدل والإنصاف، ولكن لنفترض أن فرنسا حليفة روسيا قالت لا، فسيظل مجلس الأمن كما كانت عصبة الأمم الماضية عاجزًا عن حسم النزاع!

وإذا وقع الاختلاف بين مصر وحليفتها بريطانيا العظمى فستمتنع بريطانيا العظمى عن التصويت. ولكن لنفترض أن صديقتها أمريكا، وحليفتها فرنسا قالت: لا، فسيظل مجلس الأمن عاجزًا عن حسم النزاع كما كانت عاجزة عنه عصبة الأمم السابقة! ومعنى هذا كله أن الدول الأربع أو الخمس الكبرى ستحكم العالم حكمًا ديكتاتوريًّا، وستقام الديكتاتورية الدولية، بل دكتاتورية دولة واحدة تستطيع أن تقول: لا، مقام الأمن الكامل، والعدل الشامل، والإنصاف غير المحدود الذي كان الناس ينتظرونه، ويطمحون إليه.

وقد أخذت بوادر هذه الدكتاتورية الدولية تظهر ظهورًا واضحًا منذ الآن، فتقرير مصير الشعوب يُبت فيه أو في أسسه في مؤتمرات لم تشهدها الشعوب نفسها، ولم تستشر فيما اتخذ فيها من قرارات. وليس أدل على ذلك من قصة بولندا، ثم نسيان ما قدمت دول كثيرة من معونة هائلة، وما احتملت من تضحيات مروعة في تأييد الديمقراطية بحجة أنها لا تحتمل الآن من الأعباء ما تحتمله الدول الثلاث الكبرى، لا يخلو من تجافٍ عن العدل. فجيش فرنسا مثلًا ليس كجيوش الدول الثلاث الكبرى الآن، ولكن لماذا؟ لأن جيش فرنسا العظيم قد انهار حين تلقى الصدمة الأولى في الدفاع عن الديمقراطية. فإذا كان الجيش الفرنسي لا يحتمل من أعباء الحرب مثل ما تحتمل جيوش الدول الثلاث الكبرى، فالشعب الفرنسي يحتمل من أهوال الحرب مثل ما تحتمل الشعوب الثلاثة الكبرى. وقل مثل ذلك في هولندا التي فقدت جيشها ووطنها الأوروبي وإمبراطوريتها العظيمة فيما وراء البحار.

وإذا دل هذا كله على شيء، فإنما يدل على أن الإنسان هو الإنسان دائمًا، وعلى أن القوة المادية الواقعة القائمة بالفعل، هي التي سيكون عليها المعول في تقرير ما يسميه الناس عدلًا.

ومن ظريف الأمر وطريفه ما يحدث بالقياس إلى سوريا ولبنان؛ فقد قيل لهما إنهما دولتان مستقلتان استقلالًا تامًّا بلا قيد ولا شرط، ثم قيل لهما: إن إعلان الحرب على المحور يمكِّن من شهود مؤتمر سان فرانسيسكو. وهما بعد ذلك تعملان في إنشاء الجامعة العربية التي يبتهج الحلفاء بإنشائها، ويؤيدونها تأييدًا قويًّا، ولكنهما على ذلك لا تُدعيان إلى المؤتمر. لماذا؟ سؤال لا سبيل إلى الجواب عليه؛ فهما قد أعانتا على الحرب ما وجدتا إلى ذلك سبيلًا، وهما قد احتملتا من أهوالها ما لم تحتمل دول أخرى دُعيت إلى هذا المؤتمر. وإذن، فلِمَ لا تُدعيان؟ وكيف يكون تأويل ذلك في نفس الوقت الذي يُقال فيه: إن العالم الجديد سيقوم على عدل لا يفرق فيه بين الصغير والكبير، ولا بين الضعيف والقوي.

كل هذه أشياء إن كان لنا أن نستخرج مغزاها، فمغزاها يسير جدًّا، وهو أن آمال الناس أكبر جدًّا من أعمالهم، وأن مطامعهم أعظم جدًّا من قدرتهم، وأنهم يقولون كثيرًا ولا يحققون مما يقولون إلا أقله وأيسره، وأن العدل المطلق كغيره من المثل العليا نسعى إليه، ونلح في السعي، ويخيل إلينا أنَّا قد بلغناه وكدنا نلمسه بأيدينا، ولكنه يثب وثبة خفيفة، فإذا الأمد بينه وبيننا لا يزال بعيدًا، وإذا نحن محتاجون إلى أن نسعى، ونلح في السعي. ونحن أثناء ذلك نتقدم من غير شك، ولكنه تقدم محدود يتيح للنفوس بعض الرضا، ولكنه لا يعصمها من الحزن، ولا يعفيها من خيبة الأمل.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.