بقيَ الألبان على الحالة التي أجاد سوسهيم في وصفها من انقسام إلى عشائر وتعلق شديد بعاداتهم ونظمهم. ولم تتجه آمالهم القومية نحو غايات وطنية تعلو على غايات الفرد أو العشيرة حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، عندما أخذت الدولة العثمانية تفقد سريعًا المميزات التي ألِفها الألبان أجيالًا، وتتخذ الطريق القصير نحو المركزية وتدعيم سلطان الحكومة في أرجاء الدولة، وعندما تأكد انفصال الأمم البلقانية عن السلطنة.

أرغم هذا التطور الخطير الألبان على النظر في أمرهم، ولولاه لبقوا حيث كانوا في الماضي. ولا يصعب على المتأمل في أحوال هذه الأمة أن يقدِّر عِظم ملاءمة النظم العثمانية القديمة للألبان؛ فالألباني — وبخاصة الألباني المسلم — كان راضيًا تمام الرضا عن عثمانيته، فإنه إذا بقي في بلاده مكَّنه كونه مسلمًا من الاحتفاظ بسلاحه وأرضه ومن الوصول في خدمة السلطان إلى وظائف النفوذ في قومه، وإذا خرج من بلاده إلى ولايات السلطان الأخرى مكَّنه كونه عثمانيًّا من تولي وظائف الحرب والحكم في دولة شاسعة الأطراف لا يعرف نظامها قيودُ الجنس والحسب.

تغيَّر الأمر لما قامت لأمم البلقان دول مستقلة: لليونان ولأهل الجبل الأسود وللصربيين، ولكلٍّ منها تطلُّع نحو أرض الألبان. ولم يقتصر الحال على ذلك، فالإمبراطورية النمساوية من ناحية وإيطاليا من ناحية أخرى تهتمان اهتمامًا خاصًّا بما يجري في ألبانيا وبما يجري عليها.

كان من أثر ذلك تنبُّه الألبان لحرج موقفهم، وكان ما رأينا من إنشاء «الحلف الألباني» في ١٨٧٨م يجمع بين النصارى من الألبان والمسلمين على الدفاع عن وحدة وطنهم، وكان من أثره أيضًا ما رأينا من محاولة الألبان منعَ حكومة السلطان من تناول ما اعتادوه من النظم بالتغيير. ثم تأتي سنة ١٩٠٨م: سنة الدستور، وفي حوادث هذا الانقلاب كان للجنة الألبان أثرها في انتصار الحركة الدستورية وسقوط عبد الحميد. وقد جاشت صدور الألبان كغيرهم من الأمم العثمانية بالأمل المتدفق في نهضة الدولة، وفي حياة قوامها الحرية والعدالة والمساواة. ولكن سرعان ما خابت هذه الآمال؛ إذ أعلنت الإمبراطورية النمساوية ضم ولايتي البوسنة والهرسك، وخلعت بلغاريا عن نفسها بقايا التبعية للسلطان، ونادى أهل كريت بالانضمام للحظيرة اليونانية، وادَّعت الحكومة اليونانية بحقوقها على ألبانيا الجنوبية. أثارت كل هذه الحوادث الشك في تمكُّن رجال الدولة من التغلب على الأخطار المحدقة بهم، وهم من ناحيتهم زادوا الأمر حرجًا باتخاذ نهج جديد في سياسة الدولة، يرمي إلى سنِّ نظم عامة واحدة للتجنيد والضرائب والإدارة في مختلف الولايات؛ ولهم في هذا كله غاية واحدة هي تغليب «التركية» على القوميات المختلفة وبخاصة الألبانية منها والعربية. وكان من ذلك أنه من مايو ١٩٠٩م إلى نشوب الحرب البلقانية الأولى في ١٩١٢م، والألبان في عصيان عنيف ورجال الدولة في محاولة إخماد الفتن بالسيف.

ثم قامت الحرب البلقانية، وفي أثنائها اتخذ الزعماء الألبان خطة الوقوف على الحياد بين العثمانيين وأعدائهم من البلقانيين، والسعي لنيل اعتراف الدول الأوروبية باستقلال بلادهم. وقد أيدتهم في هذا السعي الحكومة النمساوية؛ إذ هي تفضله على وقوع الأرض الألبانية في حوزة صقالبة البلقان أو الإيطاليين، وذهبت في ذلك أيضًا إلى أن سهَّلت على الزعيم الألباني إسماعيل كمال بك الوصول إلى ألبانيا، حيث اجتمع بعدد كبير من رؤساء مواطنيه في مؤتمر في آولونيه. وفي هذا المؤتمر أعلن المجتمعون في نوفمبر ١٩١٢م استقلال ألبانيا ونشروا علَم إسكندر بك وأقاموا حكومة مؤقتة على رأسها كمال، وإن كان نفوذ هذه الحكومة لم يتعدَّ آولونيه؛ لوقوع البلاد في أيدي الصرب وأهل الجبل الأسود.

وكانت الدول تعمل في أثناء ذلك على وقف الحرب البلقانية، وتمكَّنت فيما يتعلق بألبانيا من حمل الصرب وأهل الجبل الأسود على التخلي عما فتحوه من أرضها. وفي معاهدة لندن (مايو ١٩١٣م) تقرر مبدأ استقلال ألبانيا، وفيها أيضًا احتفظت الدول العظمى بحقها في تسوية أمرها، فاختارت لها أميرًا أجنبيًّا هو وليم دي فيد، وكلفت هولندا تنظيم قوة من الشرطة يستتب بها الأمن، وبعثت لألبانيا ثلاث لجان: واحدة منها للإشراف على الحكم ووضع نظم له، والثانية لتعيين الحدود الجنوبية للإمارة الجديدة، والثالثة للحدود الشمالية.

وقد رسمت هاتان اللجنتان حدود ألبانيا رسمًا ترك ما لا يقل عن نصف مليون ألباني خارج الإمارة تحت حكم الصرب أو حكم أهل الجبل الأسود، ومكَّن اليونان من نَيل جزء كبير من الأبيروس ومدينة يانينا. أما عن المسائل الأخرى فإنا لا نجد للجنة التي أُلفت لوضع نظم الحكم عملًا يؤثر، ولا نجد الأمير وليم قادرًا على حكم البلاد فغادرها في سبتمبر ١٩١٤م بعد إقامة لا تزيد على سبعة شهور.

وقد صادف قيام الإمارة الألبانية المستقلة نشوب الحرب العالمية الكبرى، فاختلت أمور ألبانيا اختلالًا كبيرًا وأصبحت أرضها نهبًا للناهبين؛ فاحتلت الجيوش النمساوية شماليَّها ووسطها واستولى الإيطاليون على آولونيه. وفي معاهدة لندن السرية (أبريل ١٩١٥م) التي عُقدت بين إيطاليا والروسيا وفرنسا وإنجلترا نُصَّ على امتلاك إيطاليا لآولونيه، وعلى أن إيطاليا تسلِّم بتقسيم شمالي وجنوبي ألبانيا بين اليونان والصرب والجبل الأسود، بشرط أن تنال إيطاليا ما يرضيها من الولايات النمساوية على سواحل البحر الأدرياتي، وبشرط أن يبقى للألبان وطن مستقل ضئيل تهيمن إيطاليا على علاقاته الخارجية.

إلا أن الحوادث لم تجرِ على ما قدَّره ذلك الاتفاق، وانجلى الاضطراب الألباني عن قيام حكومة ألبانية قوية في تيرانا تمكَّنت من لمِّ شعث البلاد ومن إقامة ألبانيا مستقلة، حدودها تطابق حدود إمارة ١٩١٣م ما عدا الجهتين الشمالية والشمالية الشرقية. وقد تأيد هذا الاستقلال بقبول ألبانيا في عصبة الأمم في ديسمبر سنة ١٩٢٠م.

مصادر أخرى:

(١) Albania في Foreign Office Peace Handbooks، رقم ١٧، لندن ١٩٢٠م.

(٢) H. Temperley (editor): History of the Peace Conference، المجلد الرابع، لندن ١٩٢٤م.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.