لقد أحسنت الثورة الإحسان كله حين ردت على المرأة حقها السياسي؛ لأنها ارتفعت بنفسها من ظلمٍ سَمِج كان مألوفًا مقررًا من قبلُ في أقطار الأرض كلها. وقد أخذت الأمم المتحضرة تطهر نفسها من هذا الظلم منذ حين، وتأخرت مصر في ذلك، فكان إحسان الثورة مضاعفًا؛ لأنها برَّأت مصر من هذا الظلم أولًا، وأشركتها مع الأمم المتحضرة في رفعه ثانيًا، فأنصفت المرأة وأنصفت مصر.

أحق أن المرأة تصنع شيئًا لإصلاح حياتنا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، كما يقول الأستاذ سامي داود في المقال الذي نشرتْه له جريدة الجمهورية يوم الخميس، وأنها ملأت الدنيا ضجيجًا وعجيجًا ومطالبة وإلحاحًا؛ لتظفر بحقوقها السياسية، فلما رُدت إليها هذه الحقوق زهدت في الاستمتاع بها، ونكلت عما ينبغي لها من احتمال ما تفرضه عليها من التبعات …

قال صديقنا هذا كله؛ لأن ثلاثًا أو أربعًا من زميلاته أنبأنَه بشيء من ذلك، وزعمْن له أن المرأة راضية؛ لأن حقها قد رُدَّ إليها، وأن هذا الرضى شيء، والإقبال على الحقوق المردودة والانتفاع والنفع بها شيء آخر.

كانت مغيظة لأنها كانت محرومة، فقد ذهب عنها الغيظ وانجاب عنها الحرمان؛ فاطمأنت إلى المساواة، ثم لم تزد — أو هى لا تريد أن تزيد — على الاطمئنان شيئًا. ومتى أُتيح للثلاث أو للأربع أن يُعربن عن الملايين المملينة من السيدات إعراب الممثلات لهنَّ، الناطقات بلسانهن، المصورات لما يضطرب في صدورهن من العواطف، وما يدور في رءوسهن من الخواطر والآراء؟!

وهل وثق الصديق بأن أولئك الزميلات كن جادات حين زعمن له ما زعمن؟! وما يمنعهنَّ من العبث في القول والرجال من حولهن في القول والعمل جميعًا؟! أليس للمرأة حق المزاح هذا الذي يسرف الرجال في الاستمتاع به غير مقدِّر لعواقبه، ولا حاسب لنتائجه حسابًا؟!

ومتى أقبل الرجال صادقين مخلصين على حقوقهم السياسية يستمتعون بها في جد وحزم وإيمان بأن استمتاعهم بها ليس حقًّا فحسب؛ ولكنه واجب لا يقصر في أدائه إلا الذين يستخفون بالمصالح الوطنية العليا؟!

متى أقبل الرجال على النفع والانتفاع بالحق السياسي، غير عابثين به ولا بائعين له ولا مداحين فيه ولا متخلفين عنه، يكسلون مرة ويسخرون مرة أخرى، وينسون في كثير من الأحيان؟! أليس الحق على الرجال لأنفسهم ولوطنهم أن يُقوِّموا ما في سيرتهم من عوج قبل أن يحاولوا تقويم غيرهم؟!

إن الصديق يعلم حق العلم أن تقصير الرجال في أداء الواجبات السياسية شائع ذائع لا يحتمل خلافًا ولا جدالًا، وأن هذا التقصير ليس عيبًا في المصريين وحدهم، ولكنه عيب فيهم وفي غيرهم. وهم حين يستجيبون لدعوة الانتخاب يوم يُدعون إليه، إنما يستجيبون لشهواتهم وأهوائهم في كثير من الأحيان. أليس من الإنصاف أن يُنتظر بالمرأة يوم الانتخاب؛ ليُرى أتُقبل عليه أم تعرض عنه، ثم يتحدث في ذلك عن علم وثقة لا عن شك وتجنٍّ.

لقد أحسنت الثورة الإحسان كله حين ردت على المرأة حقها السياسي؛ لأنها ارتفعت بنفسها عن ظلم سَمِج كان مألوفًا مقررًا من قبلُ في أقطار الأرض كلها. وقد أخذت الأمم المتحضرة تطهر نفسها من هذا الظلم منذ حين، وتأخرت مصر في ذلك، فكان إحسان الثورة مضاعفًا؛ لأنها برَّأتْ مصر من هذا الظلم أولًا وأشركتها مع الأمم المتحضرة في رفعه ثانيًا، فأنصفت المرأة وأنصفت مصر، وما ينبغي أن يُشاب هذا الإنصاف بما تورط فيه الصديق من الاستعجال بالسيئة قبل الحسنة، وبهذا التشاؤم الذي يغرق فيه كثير من كتَّابنا في هذه الأيام، ويتخذونه قِوامًا لآرائهم في الناس وفي الحياة.

وما هذه المشاركة في الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي، التي أحجمت عنها المرأة، مكتفية بالإلحاح في المطالبة بحقوقها السياسية؟!

ومتى مُكِّنت المرأة المصرية من المشاركة المنتجة في الإصلاح على اختلاف ألوانه؛ لِتؤخذ بالإحجام عنها والتقصير فيها؟! إن الصديق يعترف بأن المرأة حين أُتيح لها التعليم تعلَّمت على أحسن وجه، وعلَّمت على أحسن وجه أيضًا، وحين أُتيح لها العمل في بعض المناصب العامة أدَّت واجبها كأحسن ما تُؤدَّى الواجبات.

فلْينتظرْ بها حتى يُتاح لها الاشتراك الفعلي في الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ثم يحدثنا بعد ذلك عن بلائها في هذا الإصلاح. وما أشك في أنه سيحدثنا عن ذلك حديث الرضى والاغتباط والإعجاب والحزن على ما فات مصر من هذا البلاء فيما مضى من العهود.

والصديق ظالم للمرأة ظلمًا كنت أحب ألَّا يتورط فيه؛ يرى أنها لم تشارك في علاج ما عرض للحياة المصرية من العلل والأدواء، فهي لم تعالج غلاء الأسعار مثلًا، وما أرى إلا أن العجلة وخطف الآراء هما اللذان اضطراه إلى هذا الظلم؛ إن المصريين قد احتملوا أثقال هذا الغلاء كِرامًا بفضل المرأة أولًا، فهي التي احتملت أعباءه، ونفذَتْ من مشكلاته، وأتاحت للرجال أن يعيشوا وأن يؤدوا أعمالهم وينهضوا بتبعاتهم؛ لأنها هي التي دبرت اقتصاد البيت، وأتاحت للأفراد الكثيرين فيه أن يعيشوا بالدخل القليل، ولو خُلِّي بين الرجال وبين دخولهم القليلة وحياتهم الغالية وحاجاتهم التي لا تنقضي ولا تُطاق؛ لوقعوا ولوقعت مصر معهم في شرٍّ عظيم.

تدبير المرأة هو الذي أتاح للساسة أن ينهضوا بأعباء السياسة، وأتاح لأصحاب الاقتصاد أن ينهضوا بأعباء الاقتصاد، وأتاح للذين يحاولون الإصلاح الاجتماعي أن ينهضوا بأثقال هذا الإصلاح. والمرأة بعد هذا كله هي الأم التي تنشئ الطفل، وتتيح له أن يتعلم وأن يشارك في الواجبات الاجتماعية، وهي الزوج التي تحمل عن زوجها هذه الأثقال السخيفة الممضَّة التي لا تقوم الحياة إلا بها، والتي لو احتملها الرجل لما استطاع أن يفرغ لعمل من أعماله فضلًا عن أن يحسنه. وفي حياة كل رجل — كائنًا من يكون — أثر خطير للمرأة، لا ينكره ولا يغض منه إلا العاقُّون الجاحدون الذين ليسوا أهلًا للحياة ولا أهلًا للاستمتاع بما فيها من خير والاحتمال لما فيها من شر.

لم أحب للصديق ولأمثاله من كتابنا الذين تعجلهم الصحافة عما ينبغي لهم من الأناة والتفكير؛ أن يقاوموا هذه العجلة ما استطاعوا، وأن يعلموا أن عواقب الأناة خير دائمًا وأن عواقب العجلة شر دائمًا، وأنهم ينشرون ما يتعجلون به من الأحاديث فيتلقاه الناس ويقرءونه ويتأثر به كثير منهم بإرادة وعن غير إرادة؛ فتصيبهم عدوى التفكير السريع الذي تنقصه الرويَّة والأناة.

ولم أحب للصديق ولأمثاله من كتَّابنا أن يقاوموا هذا التشاؤم الذي يفسد عليهم وعلى قرائهم آراءهم في الحياة وسيرتهم فيها أيضًا. إن في حياتنا شرًّا كثيرًا، ولكن الشر لا يُعالج بالتشاؤم؛ لأن التشاؤم يُدني إلى اليأس، ويصد عن المقاومة، ويفل العزائم، ويثبط الهمم. وكل هذه خصال أقل ما توصف به أنها تفسد الحياة ولا تصلحها، وتدفع إلى الانحلال والهزيمة لا إلى التماسك والانتصار على الخطوب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.