رئيس وزرائنا رجل طيب، لا يشك في ذلك إلا جاهل، ولا يرتاب في ذلك إلا غافل، وهو في الوقت نفسه رجل عظيم، لا يجحد ذلك إلا مكابر، ولا يماري فيه إلا مشغوف بالعناد، وهو على هذا وذاك رجل مثقف، لا ينكر ذلك خصم ولا صديق.

وإذا اجتمعت لرجل واحد هذه الخصال، فكان رجلًا طيبًا، وكان رجلًا عظيمًا، وكان رجلًا مثقفًا؛ فنظن أنها تنتج له خصلة أخرى، لا بد منها للرجال الطيبين العظماء المثقفين، وهي الارتفاع عن السخف، والتسامي عن الهذيان.

ولسنا ندري أيقرأ رئيس الوزراء صحفه أم لا يقرؤها، وأكبر ظننا أنه عن قراءتها في شغل، ولو قد قرأها لاستطاع أن ينكر عليها بعض ما تكتب، وأن يدفعها إلى طريق غير هذه الطرق التي تسلكها منذ أسابيع، ونحن نعلم أن رئيس الوزراء لا يحب إحداث المعجزات؛ لأنه لا يستطيع إحداث المعجزات؛ ولأن الرجال الطيبين العظماء المثقفين لا يحبون ولا يستطيعون إحداث المعجزات، وهو لهذا لم يغير من أمور الدولة شيئًا، وإن كان يريد أن يغير كل شيء، ولم يصلح من آثار صدقي باشا شيئًا، وإن كان قد نهض لإصلاح كل شيء، ونحن لذلك لا نطلب إلى رئيس الوزارة تغييرًا، ولا ننتظر منه إصلاحًا، وإنما نكتفي منه بأن يستريح ويريح، فإن لم يستطع هذا أيضًا، فقد نكتفي منه بأن ينتظر الراحة التي ستزوره في يوم من الأيام.

ولكن الأمر الذي نريد أن نتحدث فيه إلى رئيس الوزراء دقيق كل الدقة، حَرِجٌ كل الحرج؛ لأنه لا يمس أمور الدولة، وإنما يمس شخص الرئيس، فنحب أن يفرغ الرئيس للنظر في هذا الحديث والتفكير فيه، ونحن واثقون بأنه سيؤمن لنا بالإخلاص في النصح له، والصدق في التحدث إليه، ذلك أن صحفه مشغوفة بالسخف، مولعة بالهذيان، وليس عليها من ذلك بأس؛ فهي تعمل ما تستطيع، وتقول ما تستطيع، ولكننا نظن أنها تستطيع أن تحول سخفها وهذيانها عن شخص رئيس الوزراء إكرامًا له، وإشفاقًا عليه. ومن الناس مَنْ يريد الدفاع عنك فيسيء إليك، ومنهم من يريد أن يرفعك فيخفضك، ومنهم مَنْ يريد أن يحمدك فينالك بأشنع الذم، وأقبح الهجاء.

منذ أسابيع لهجت صحيفة فرنسية من صحف الوزارة بالثناء على الوزارة القائمة؛ فشبهتها بالوزارات الفرنسية التي نشطت في أيام الفضائح الأخيرة، والتمست من أعمال تلك الوزارات ثناء على وزارتنا، فما دام دلادييه قد هم بقمع المظاهرات في باريس، فقد كانت وزارتنا موفقة؛ لأنها تقمع المظاهرات في مصر، ومضت تلك الصحيفة الفرنسية في هذا السخف؛ حتى انتهت إلى ما لم يكن يخطر لها على بال، فأضحكت الأجانب قبل أن تُضحك المصريين.

ومن قبل ذلك، أو من بعد ذلك، لا ندري، نهضت صحيفة الشعب تثني على رئيس الوزراء؛ لأنه خطب في مجلس النواب، فقارنت بينه وبين ميرابو، وقارنت بينه وبين فال دكروسو، وحارت كل الحيرة، واضطربت أشد الاضطراب؛ لأنها لم تدرِ بأي الرجلين يمكن أن يُشبَّه رئيس الوزراء، وانتهت إلى تشبُّهه بهما جميعًا.

واليوم أخذت جريدة الشعب تثني على رئيس الوزراء للمرة الأولى قبل الألف، أو للمرة الأولى بعد الألف، أو للمرة الأولى قبل الألف وبعد الألف في آن واحد؛ فالتمست لرئيس الوزراء شبيهًا في أوروبا، ولم تحتَجْ إلى بحث طويل، ولا إلى أن تتكلف الجهد في التماس العظماء الذين تُشَبِّههم برئيس الوزراء، أو تُشبِّه بهم رئيس الوزراء، وإنما نظرت فرأت في الأفق الفرنسي نجمًا لامعًا ساطعًا هو المسيو جاستون دومرج، فامتحنته برئيس الوزراء، وامتحنت به رئيس الوزراء، وشبهت أحدهما بالآخر على كل حال.

ومضت تزعم أن رئيس وزرائنا هو أشبه الناس برئيس وزراء فرنسا الآن ورئيس جمهوريتها منذ أعوام، كلا الرجلين نزيه، وكلا الرجلين قام بتطهير أداة الحكم، وكلا الرجلين ماضٍ في هذا التطهير إلى أبعد آماده، وأقصى حدوده. ونظن أن رئيس الوزراء يوافقنا على أن صحفه تسيء إليه بهذه التشبيهات والمقارنات؛ فليس بين الناس من يستطيع أن يقرأ دون أن يبتسم، أن في رئيس وزرائنا شيئًا من ميرابو، أو من فالدا كروسو، أو من جاستون دومرج — نستغفر الله — بل في رئيس وزرائنا شيء من جاستون دومرج، فهو رجل طيب كرئيس وزراء فرنسا الآن، وهو رجل مبتسم كرئيس وزراء فرنسا الآن، فإذا تَمَّ التشبيه بين هذين الرجلين في الطيبة والابتسام، فقد يختلف الرجلان أشد الاختلاف، ولا سيما في أمور الوزارات وشئون الحكم.

فمن المحقق أن المسيو جاستون دومرج قد أَلَّفَ وزارته، ولم تُؤَّلَفْ له، دُعِيَ من عزلته إلى باريس فأقبل إقبال المنقذ، وفكَّر وقدَّر، ووضع الشروط، وألح فيها، فلما أُجِيب إلى ما طلب، تَخَيَّر زملاءه تخيُّرًا دقيقًا، لم يُخْتَرْ له واحد منهم، وإنما اختارهم جميعًا، وناقشهم جميعًا، واتفق معهم جميعًا، على سياسة واضحة، رُسِمَتْ أدق رسم، ثم تقدم معهم جميعًا إلى البرلمان، فعَرَضَ سياسته وسياستهم، وكسب الثقة به وبهم، ومضى في تنفيذ سياستهم، وسيمضي فيها ما وسعه المضي، فإذا أحس أن شيئًا يحول من قريب أو من بعيد بينه وبين ما يريد، رد إلى رئيس الجمهورية مقاليد الحكم، وعاد إلى عزلته يُعْنَى بحديقته كما كان يقول فولتير.

أما رئيس وزرائنا فهو يذكر من غير شك كيف دُعِيَ إلى الحكم، كما دُعِيَ مسيو دومرج، ولكنه يذكر أنه لم يقبل إقبال المنقذ، وأن أهل الإسكندرية أو أهل القاهرة لم يستقبلوه كما استقبلت باريس صاحبها الفرنسي، وأنه وصل إلى مصر؛ فوجد كل شيء قد هُيِّئ، وتمت تهيئته، فتَلَقَّى الحكم، وتلقى معه الحاكمين، وتناول الوزارة، وتناول معها الوزراء، ولم يرد، أو لم يستطع أن يهيئ سياسته، ولا أن يناقش فيها أحدًا، قبل تولي الحكم، بل لم يرد ولم يستطع أن يهيئ سياسة مفصلة مرسومة بعد تولي الحكم، وإنما تولي الحكم وخلاص، كما يقول زميله وزير التقاليد.

ومن المحقق أن المسيو دومرج لم يجد أمامه مناوئًا كصدقي باشا، ولم ينفق جهده في التخلص من صدقي باشا، ولم ينصرف عن أمور الدولة أشهرًا إلى صدقي باشا، وإنما تولى الحكم؛ فلم يُعْنَ إلا بالحكم، ووجد فضائح، فلم يعن إلا بتحقيق هذه الفضائح، ووجد اضطرابًا ماليًّا، فانصرف إلى علاج الاضطراب المالي؛ أفيظن الرجل الطيب المصري أنه سار سيرة زميله الرجل الطيب الفرنسي؟ وأين اللجنة البرلمانية إذن لتحقيق قصة الكورنيش وقصة استبدال المعاشات وما يشبهما من قصص؟ أم هل يكفي أن تُؤَلَّفَ لجنة إدارية لتحقيق الكورنيش، وأخرى وزارية لتحقيق المعاشات؟

الذي نعلمه أن الرجل الطيب الفرنسي لم يتردد في أن يطلب إلى البرلمان تأليف لجنتين برلمانيتين، تحقق إحداهما في الفضائح المالية، وتحقق الأخرى في المخالفات الإدارية، ثم لم يتردد في أن تستمتع هاتان اللجنتان بأوسع سلطة، وفي أن يقف أمامها الوزراء، الذين تحوم حولهم شبهات قريبة أو بعيدة في مسائل الإدارة أو في مسائل المال، فمتى ألفت في مصر لجنة برلمانية؟ ومتى وقف أمامها صدقي باشا؟ أو أحد من أعوان صدقي باشا؟ لقد ألفت لجنة الكورنيش، وهمت أن تسأل صدقي باشا، فظهر أن الدستور يحمي صدقي باشا من هذا السؤال، ثم أخذت الفضائح تظهر، وأخذ الناس يلحون، والرجل الطيب المصري مُعْرِضٌ لا يلتفت، صامت لا يتكلم، وهذا عضو من أعضاء مجلس النواب يطلب تحقيقًا برلمانيًّا حول بعض الفضائح، وثِقْ من الآن بأن هذا التحقيق لا يكون؛ لأن الرجل الطيب المصري يشبه الرجل الطيب الفرنسي من جميع الوجوه.

وهذه قصة المعاشات، هَمَّتْ الوزارة بتحقيقها فانكشفت لها مخزيات تقتضي الإحالة إلى مجلس التأديب، أو إلى مجالس القضاء، ولكن وزارة الرجل الطيب اكتفت بالإحالة إلى المعاش، والناس يتحدثون بأن في قصة الاستبدال هذه من الهول ما قد يقف بالرجل الطيب عن المضي في التحقيق، وقد همت الصحف بنشر بعض الأسرار؛ فمست زملاء الرجل الطيب، وكان من المعقول أن تستقيل الوزارة ليكون التحقيق حرًّا طلقًا، يستطيع كل مَنْ عنده شيء أن يفضي به إلى المحققين، أو كان من المعقول أن يستقيل الوزراء الذين مستهم هذه الصحف، ولكن الوزارة باقية، وهؤلاء الوزراء باقون، وهذه الصحف قد أحيلت على النيابة، تحقق معها، فأين نحن من وزارة الرجل الطيب الفرنسي؟!

وأغرب ما في هذا كله أن رجلنا الطيب نفسه مؤمن كل الإيمان بأن لا شبه بينه وبين جاستون دومرج، وبأن لا شبه بينه وبين ميرابو، أو فالدا كروسو، أو دلادييه، أو غير هؤلاء من خطباء الفرنسيين ووزرائهم، والرجل الطيب مؤمن كل الإيمان بأن هذا النحو من مدحه والثناء عليه يُضحك خصومه وأصدقاءه معًا، ويضحك الأجانب بنوع خاص، والرجل الطيب حريص كل الحرص على كرامته، مبغض كل البغض — فيما نظن — لأن يكون موضوعًا للضحك، أو موضوعًا للابتسام، أليس من الحق عليه لنفسه؟ أليس من الحق عليه لمصر أن يقرأ صحفه هذه، وأن يكفها عن هذا السخف الذي لا يحسن إليه، ولا إلى مصر، وإنما يسيء إليهما جميعًا؛ لأنه يضحك الناس جميعًا، منهما جميعًا؟

نصيحة خالصة نتقدم بها إلى الرجل الطيب العظيم المثقف، عبد الفتاح يحيى باشا، وهي أن يكف هذه الصحف عن هذا الكلام الفارغ، الذي إن دلَّ على شيء، فإنما يدل على الإفلاس، وعلى فراغ البال، بل على فراغ الرءوس والقلوب أيضًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.