لا يصدر عن الشعب المصري بالطبع؛ لأن الشعب المصري في شغل عن الضحك بهذه الخطوب التي تأخذه من جميع أقطاره.

الشعب المصري مشغول بالفقر والجهل والمرض وغيرها من النكبات التي يداويها الوزراء بألسنتهم، وما يصدر عنها من الأقوال ويستبقونها بقلوبهم، وما يصدر عنها من الأعمال. والشعب المصري مشغول بهذه المحنة التي يمحص الله بها قلبه، فيرسل إليه الشر من حيث تعود أن يلقى الخير، ويسلط عليه صديقه النيل أن يزيد إلى فقره فقرًا، ويضيف إلى بؤسه بؤسًا، ويبيِّن له أنه لم يذُق من الجوع إلَّا أقله، وأن البؤس لا يأتي من الجوع وحده، وإنما يأتي من انهيار الدُّور والتعرض للموت وإيفاق الليل والنهار بالعراء وانتظار المرحمة تنجم له من الأرض أو تهبط عليه من السماء.

والشعب المصري مشغول بهذا الاستقلال الذي لا يستكمل، وإنما ينتقص، وبهذه الحماية التي لا بد أن تعود؛ لأنها اشتاقت إلى مصر، وإن لم تشتق مصر إليها. وبهذا البلاء النازل الذي قبل فريق من المصريين أن يكتبوه على وطنهم حين قبلوا تأسيس الشركة المصرية البريطانية المساهِمَة للدفاع عن مصر، وللدفاع عن بريطانيا العظمى أيضًا.

الشعب المصري مشغول بهذا كله وبأشياءَ أخرى أكثر من هذا كله، وهو من أجل ذلك لا يستطيع أن يضحك ولا أن يبتسم إلَّا أن يضحك ضحِك المتنبي الذي هو أشبه شيء بالبكاء.

ولكني لا أتحدَّث عن هذا الضحك الحزين، ولا عن هذه الابتسامات الصُّفر التي تصور الكآبة واليأس أكثر مما تصور الابتهاج والرجاء. وإنما أتحدث عن ضحك صريح لا يشوبه حزن ولا اكتئاب، ولا يتسلى به أصحابه عن الظنون الكاذبة والآمال الخائبة والهموم الثِّقال، وإنما هو ضحك ضاحك كأحسن ما يكون الضحك، وهو ضحك عريض كأعرض ما يكون الضحك أيضًا. ضحك أعرض من النهار حين يملأ العالم ضوءًا وجمالًا، وأعرض من الليل حين يملأ العالم ظلمةً واكتئابًا، ضحك لا يصدر عن فرد ولا عن جماعة ولا عن شعب، وإنما هو أضخم وأفخم وأنفذ وأبقى من هذا كله؛ لأنه يصدر عن الأقدار.

وضحك الأقدار كما تعلم يملأ ما بين الأرض والسماء، وهو إن صَوَّر شيئًا فإنما يصوِّر سخف الإنسان أمام حكمة القضاء. والأقدار ضاحكة دائمًا؛ لأنها ترى سخف الإنسان واعتداده بنفسه وبكائه على أمسه واحتياطه لغده، وترى أن هذا كله لا يغني عن الإنسان شيئًا. ولكن الأقدار قد ضحِكت في أيام العيد ضحكًا جديدًا ما تزال مغرقة فيه. وكان أقطاب هذا العهد السعيد هم الذين أخذوا أنفسهم بتلهية الأقدار وإضحاكها حين فكَّروا وقدَّروا ودبَّروا ورسموا الخطط فأتقنوا رسمها؛ ليمسكوا هذا العهد السعيد من أن يطير، ويحفظوه من أن ينهار، ويقيموه بعد أن أراد أن ينقضَّ، فقد قيل إن بناء الوزارة القائمة سيدعم بنفرٍ من السعديين ليكون الائتلاف متينًا لا يسعى إليه ولا يدب فيه الضعف.

وقد ظهر لرئيس الوزراء فيما يقال إن الائتلاف بين الدستوريين والمستقلين لم يحسن مقاومة الخطوب ولا الثبات للأحداث. فقد عرضه النقراشي باشا للخطر من أول يوم أُلِّفَتْ فيه الوزارة، ثم عرضه مكرم باشا للخطر من أول يوم بدأت فيه المفاوضات. ثم عملت فيه المعاول في كل ناحية حين جدَّ الجِدُّ، وقيل للمصريين إمَّا أن تقبلوا الحماية وإمَّا أن تُقطع المفاوضات، ثم تداعت أركانه في الاجتماع الأخير لهيئة المفاوضات حين انفضَّ المتفاوضون على ذلك النحو المعروف، وخرج خمسة منهم يملأ قلوبهم السخط واليأس، وبقي سبعة منهم يملأ قلوبهم الخوف والأمل. هنالك تبيَّن لرئيس الوزراء ولرئيس السعديين أن الائتلاف خير من الاختلاف، وأن الوفاق خيرٌ من الشقاق، وأن المستقلين لا يقدِّرون التبعات لأنهم ليسوا مسئولين إلَّا أمام أنفسهم، على حين أن رؤساء الأحزاب يقدِّرون التبعات حق قدرها لأن لهم أتباعًا في الحكم يريدون أن يبقوا فيه وأتباعًا تحت الحكم يريدون أن يرقوا إليه.

وهم من أجل ذلك يقدِّرون لأرجلهم قبل الخطو موضعها، ويديرون في أنفسهم كلمة ألف مرة ومرة قبل أن يقولوها؛ لأنهم يخشون عواقبها ويحسبون لها الحساب كل الحساب. ولعلَّ هذا يبيِّن للذين لم يتبيَّنوا فِيمَ انصرف المنصرفون، وفيم أقام المقيمون. فقد انصرف المنصرفون ليجترُّوا ما يملأ قلوبهم من السخط وليستمسكوا بما أظهروا من رفضٍ لما عرضه الإنجليز، وأقام المقيمون لينظموا الصفوف ويدعِّموا البناء ويتهيَّئوا للموقعة الحاسمة، ويضيقوا إلى ثوب الوزارة بعض الرقاع التي تمنع الهواء أن ينفذ إلى جسمها العليل، وهي رقاع متينة حقًّا ستصد الهواء مهما يكن حارًّا وباردًا عن جسم الوزارة، وستمكن البناء من أن يثبت للريح مهما تعصف ومهما تقصف. سينهض السعديون بشئون وزارة الخارجية وبشئون وزارة العدل وبشئون وزارة أخرى تُبتكر ابتكارًا للنهوض بالشئون العربية الجسيمة. ويقال إنهم سينهضون بشئون وزارة المواصلات، وسيُزحزح عنها وزيرها القائم لينهض بالصحافة والإذاعة والتمثيل والسينما وما شئت من روائع الأدب وبدائع الفن. وكان أستاذنا الجليل وزير الخارجية يريد أن يستريح، ويفرغ للمجمع اللغوي وترجمة أرسطاطليس. فيستريح في منصب مريح هو النيابة عن رئيس الوزراء. أمَّا النقراشي باشا فسيشرب الكأس إلى الثمالة، سيحتمل أثقال الحكم الصدقي دون أن يشارك فيه، وسيعلل برياسة مجلس النوَّاب إن أذن لمجلس النوَّاب أن يستأنف الانعقاد.

دُبِّر هذا كله بليل، أو دُبِّر هذا كله بنهار. وهذا كله إن دل على شيء فإنما يدل على أن سحبًا تتجمع في آفاق السماء، وعلى أن ريحًا تريد أن تعصف، وعلى أن أمواجًا تصطخب وقلوبًا تضطرب، وسفينة تُوشِكُ أن تهوي إلى القاع، وعلى أن الربان يبذل آخر ما يملك من الجهد لتثبت للأحداث، وتمتنع على الخطوب، وعلى أن الأقدار تنظر من قريب أو من بعيد إلى هذا الذي يدار، فترسل ضحكتها العريضة التي تملأ ما بين الأرض والسماء، وينشد منشدها ذلك البيت الذي كان المغفور له الشيخ علي يوسف يُكثر إنشاده في قديم الزمان وسالف العصر والأوان:

تقفون والفلك المحرك دائر

وتقدرون فتضحك الأقدار

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.