وأخيرًا أصدر الثلاثة الذين اجتمعوا في القرم بيانهم المشترك بعد أن طال انتظار اجتماعهم أولًا، وبعد أن طال انتظار قراراتهم ثانيًا. فأما الاجتماع فلم يكن شيئًا يسيرًا؛ فقد دعا إليه رئيس الوزارة البريطانية منذ شهور، وألح في الدعوة إليه حتى خيِّل إلى العالم أن أموره لن تستقيم إلَّا إذا عُقد هذا الاجتماع. وكان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية مشغولًا بانتخابات الرياسة في وطنه، وكان رئيس الحكومة الروسية مشغولًا بإحراز الانتصارات الهائلة الرائعة التي أحرزها الجيش الأحمر وما زال يحرزها إلى الآن. ثم تمت الانتخابات، وزُلِّلت المصاعب، ويُسِّرت الأمور، واجتمع الأقطاب، وجعل العالم ينتظر ما سيتكشف عنه الاجتماع.

وقد تكشف الاجتماع عن نوعين من القرارات؛ أحدهما: خطير كل الخطورة له أبعد الأثر في مصير العالم، ولكنه مجهول كل الجهل، سيعلمه الناس شيئًا فشيئًا مع الشمس التي تطلع، ومع الشمس التي تغيب. وهو هذه القرارات التي تتصل بتنظيم خطط الحرب حتى تتم الهزيمة الألمانية، وحتى يمحق النظام محقًا، ويسحق النظام العسكري الألماني سحقًا، وتصير ألمانيا إلى حال من العجز يمنعها من إزعاج العالم مرة أخرى بهذه الحروب المنكرة التي تثيرها من حين إلى حين.

وما دام الثلاثة قد قرروا أن خططهم هذه لن تعلن إلَّا وقت تنفيذها؛ فلن يستطيع العالم إلَّا أن يمضي في انتظار الأخبار التي يخفق بها البرق، ويضطرب بها الجو، وتنشرها الصحف، ويذيعها الراديو كشأنه منذ شبت هذه الحرب. ومن يدري لعل الخير في هذا الانتظار. وقد تعلَّم النوع الإنساني في هذه الأعوام الخمسة ألوانًا من الانتظار وضروبًا من المفاجأة، فلن يضيره أن ينتظر، ولن تخرجه المفاجآت عن طوره.

أمَّا النوع الثاني من القرارات، فمعلوم كل العلم أو بعضه، وهو واضح الاتجاهات على كل حال وضوحًا كافيًا، ولكن الغريب أنه لم يعلم الناس شيئًا، ولم يحدث في نفوسهم حتى هذا الاضطراب العنيف أو الخفيف الذي تحدثه الأنباء ذات الخطر، كأنما كان العالم ينتظر مطمئنًا أن ينتهي الثلاثة إلى هذه القرارات السياسية التي أصدروها؛ لأن طبيعة الأشياء كانت تفرض عليهم أن يُصدروها كما هي.

وقد لاحظ الرأي العام العالمي قبل كل شيء أن الدول الثلاث الكبرى أغرقت في تشجيع فرنسا، والاعتراف بمركزها الخطير، وبأنها يجب أن تسترد مكانتها القديمة بين الدول المنظمة لشئون العالم، ثم لاحظ الرأي العام العالمي أن بين هذا الإغراق في تشجيع فرنسا وبين الحقائق الواقعة أمرًا بعيدًا. فلم تدع فرنسا إلى هذا الاجتماع الذي وضع الأسس الأولى لتنظيم العالم. وإنما ظلت منتظرة متحفظة حتى انتهى الاجتماع، وقرر الثلاثة أن فرنسا تستطيع أن تشترك في الاجتماعات المقبلة التي سيعقدها وزراء الخارجية، أو التي سيعقدها السفراء. ومن قبل ذلك، لاحظ الرأي العام العالمي أن الصين هي الدولة الرابعة أثناء غيبة فرنسا حين كان العدو يحتل أرضها، وأنه كان يقال: إن الصين ستشترك في تنظيم العالم، ووضع أسس السلام، ثم لاحظ الرأي العام العالمي أن الصين غابت عن اجتماع الثلاثة كما غابت عنه فرنسا، وأنها ستُدعى بعد هذا الاجتماع كما ستُدعى فرنسا إلى الاجتماعات الأخرى، أمَّا بقية الأمم المتحدة فستُدعى إلى نوع ثالث من الاجتماعات.

ومعنى ذلك أن هناك طبقات ثلاثًا للدول: الطبقة الأولى تتألف من الدول الثلاث التي اجتمع رؤساؤها في القرم، الطبقة الثانية تتألف من هذه الدول الثلاث على أن تضاف إليها فرنسا والصين، الطبقة الثالثة تتألف من الأمم المتحدة جميعًا. وقد يكون في هذا شيء مما يؤذي الخلق، ويخيب الأمل، مما أشرت إليه في الحديث الماضي من هذه الأهوال الهائلة التي احتملتها فرنسا والصين وغيرهما من الأمم المحاربة، والتي كانت تستحق تقديرًا أكثر من التقدير الذي ظهر إلى الآن، ولكن هذا الوضع الذي تكشف عنه اجتماع الثلاثة في القرم ملائم كل الملاءمة لطبيعة الأشياء في هذا الوقت على أقل تقدير.

وطبيعة الأشياء لم تُعط على نفسها عهدًا لئلا تؤذي الخلق، ولا تخيب الأمل من قريب أو بعيد، وطبيعة الأشياء واضحة جدًّا، فأعباء الحرب في هذه الأيام إنما تنهض بها هذه الدول الثلاث. ومن عزَّ بزَّ كما يقول المثل العربي القديم.

وما دامت الجيوش الروسية تحرر ما تحرر من الأمم، وتجتاح ما تجتاح من الأرض، وما دامت الجيوش البريطانية والأمريكية تقاتل في خطوط سيجفريد، وتصب الهول على ألمانيا، وما دامت الأساطيل البريطانية الأمريكية تحمي طرق البحار، فرؤساء هذه الدول الثلاث هم الذين يستطيعون أن يقضوا في أمور العالم، سواء حضر العالم هذا القضاء أو غاب عنه.

وطبيعة الأشياء قد تتغير فتقوى فرنسا بعد ضعف، ويصبح لها جيش وأسطول يحسب لهما حساب، ويومئذ تستطيع فرنسا أن تشترك في القضاء والحكم ووضع النظام؟

وهناك شيء آخر ملائم لطبيعة الأشياء كل الملاءمة، وهو أن القرارات السياسية التي أصدرها الثلاثة في القرم لم تصادف رضًا خالصًا من قلوب الشعوب التي لم تشهد هذا الاجتماع. ففرنسا مثلًا لم تنس مكانها القديم، ولا تضحياتها الهائلة، ولا آمالها الكبرى، ولا ثقتها بالمستقبل، وهي من أجل ذلك لم تتلق هذه القرارات راضية عنها كل الرضا، وإنما أعلنت أنها ستأخذ منها ما يلائمها، وستتحفظ فيما عدا ذلك.

فقد قرر الثلاثة دعوتها إلى الاشتراك في احتلال ألمانيا — وهي تقبل هذا الاشتراك بطبيعة الحال — وقرروا دعوتها إلى الاشتراك في اللجنة التي ستشرف على شئون هذا الاحتلال، فهي تقبل هذا الاشتراك أيضًا، ولكنها تتحفظ في قبول ما دعيت إليه غير ذلك إلى أن تدرس وتستقصي وتتبين الأساس كما كنَّا نقول منذ حين. فهي مثلًا لا تريد أن تشترك في الدعوة إلى مؤتمر الأمن العالمي الذي سيعقد في أبريل المقبل إلَّا بعد الدرس والاستقصاء وتحديد الأساس.

وليس الأمر مقصورًا على فرنسا، فالحكومة البولندية في لندرة ساخطة كل السخط، منكرة كل الإنكار، والرأي العام في أمريكا يظهر مشاركة لها في هذا السخط والإنكار، ولكن أمر الحكومة البولندية في لندرة يسير جدًّا، فقد أظهر المستر تشرشل منذ زمن بعيد أن من الحق عليها أن تقبل ما طلبته روسيا من تعديل الحدود، ولكنها لم تفعل، فناب عنها الثلاثة في هذا القبول.

ومن المرجح أنهم لم يفعلوا إلَّا عن بصيرة بعد أن تبينوا إرادة الشعب البولندي، ويقال: إن إيطاليا تشعر بشيءٍ من خيبة الأمل، ولكن إيطاليا أمةٌ مغلوبةٌ، فليس عليها بأس من خيبة الأمل، بل ذلك قد يكون أيسر ما ينتظرها من العقاب.

وقد نظَّم الثلاثة شئون يوجسلافيا على النحو المعروف، فلم يبق بدٌّ من تنفيذ الاتفاق الذي تم بين روسيا وبين الماريشال تيتو وحكومة المسيو سوبازيك، وقد أخذ في تنفيذ هذا الاتفاق بالفعل، والشيء الواضح هو أن الدول الثلاث قررت أن تمكن الشعوب المحررة، أو التي خرجت أو أخرجت من حلف المحور من أن تختار نظام الحكم الذي تريد أن تحكم عليه بواسطة الانتخاب الحر، وحتى ولو احتاجت إلى أن تشرف إشرافًا فعليًّا في هذا الانتخاب، فستبين الأيام إلى أي حد توفق الدول الثلاث إلى ما تريد من إرضاء الشعوب.

وهناك شيءٌ آخر ليس أقل وضوحًا من كل ما مضى، وهو أن الدول الثلاث لم تهتم إلَّا بأوروبا المغلوبة والمحررة. فأمَّا الدول المحايدة أو التي كانت تتكلف الحياد، فلم يتخذ الثلاثة بشأنها قرارًا، وأمَّا الدول التي ساعدت الحلفاء، وتعرضت للخطر في سبيل هذه المساعدة، وذاقت مرارة الحرب، واحتملت أثقالها في شرق البحر الأبيض المتوسط مثلًا، فلم يتعرض لها الثلاثة فيما أصدروا من القرارات. وأكبر الظن أنهم تعرضوا للأمور التي لم يكونوا يستطيعون أن يهملوها. فأمَّا الأمور التي تستطيع أن تنتظر، أو تحمل نفسها في يسر وفي حدود ما يسمُّونه مناطق النفوذ؛ فليس من الضروري أن تدرس في القرم، أو أن يشغل الثلاثة بها أنفسهم.

ولذلك مضى العالمُ في سنة ١٩٤٥ كما كان يمضي من قبل، يقضي في أمره أولو القوة وأصحاب الحل والعقد على مقدار طبقاتهم ومراتبهم من القوة، ومن الحل والعقد أيضًا. والشيء المهم هو أن العالم سيستمتع قطعًا بما ضمَّنه ميثاق الأطلنطي للشعوب من اختيار نظم الحكم، ومن أن تعيش في أمن من الظلم والخوف والجوع.

وفي أثناء هذا التطور الذي أحدثه اجتماع الثلاثة في القرم طبقًا لطبيعة الأشياء؛ جاءت الأنباء بأن السلم قد استقر في بلاد اليونان آخر الأمر، وبأن الأحكام العرفية قد ألغيت في بلاد اليونان، وهي جزء من أوروبا، ليس بينها وبين ميادين الحرب البحر الأبيض المتوسط؛ فلنهنئ اليونان بما اكتسبوا من سلم وأمن، ولنتمنَّ لهم مخلصين ما هم أهل له من مجد وعز وكرامة.

وفي أثناء هذا التطور أيضًا جاءت الأنباء بأن الجنرال سبيرس، الوزير السابق لبريطانيا العظمى، وفي مجلس العموم البريطاني بمشكلات الشرق الأدنى، وأهم من ذلك أنه استطاع أن يُؤلِّف من كثير من أعضاء البرلمان البريطاني لجنة لشئون الشرق الأدنى تدرس وتعمل وتتكلم وتسعى برياسته.

وقد عرفت مصر بين الحربين هذه اللجان التي تؤلف في البرلمان البريطاني لدرس الشئون الخارجية بطريقة غير رسمية. فلها خطرها من غير شك؛ لأنها تنشر الدعوة، وتبصر الرأي العام، ولكن الخطأ كل الخطأ أن نغلو في تقدير آثار مثل هذه اللجان، وأن نتخذ أعمالها وأقوالها أساسًا لما نقرر من خطة، أو نعتقد من رأي، أو نداعب من أمل.

وإذا كان من الحق على الذين يقودون الرأي العام في بلاد الشرق العربي أن يعرفوا حقائق الأشياء، ويبصروا بها قومهم؛ فإني أعتقد أن حقيقة واحدة يجب أن تظل ماثلة دائمة أمامهم، وهي أن العالم سيمضي اليوم وغدًا كما مضى أمس وأول أمس، وأن الشاعر العربي القديم لم يخطئ حين قال:

وكنت إذا قوم رموني رميتهم

فهل أنا في ذا يال همدان ظالم

متى تجمع القلب الذكي وصارمًا

وأنفًا حميًّا تجتنبك المظالمُ

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.