القرن السادس عشر

يعتبر الإفرنسيون الروايات التمثيلية جزءًا من آداب لغتهم. فإذا قامت من بينهم جماعة تدعو لإصلاح اللغة، عمدت إلى لغة المسارح تهذبها، وتنتقي لها الألفاظ الصحيحة والتراكيب الناضجة، وكان هذا شأن جماعة البلياد Pliade في القرن السادس عشر.

تكونت هذه الجماعة وهبَّتْ يدًا واحدة لإحياء اللغة الإفرنسية بوسائل متعددة لا أرى مجالًا لذكرها في هذا المقال، وانتخبت لرياستها شاعرًا فحلًا من شعراء الإفرنسيين يدعى «رونسار»، كان له القدح المُعَلَّى في عهد شارل التاسع، وكان من بين أعضائها العاملين الشاعر «ري بللي» والشاعر «باييف» والشاعر «روبينيه»، وآخرون ممَّن علا قدرهم وسما ذِكرُهم، قامت هذه الجماعة لإحياء اللغة. والتمثيل — كما قلنا — يكون جزءًا من آداب اللغة، وكان الشاعر «جوديل» أول من ألَّف التراجيدي الإفرنسية.

وُلِدَ جوديل عام ١٥٣٢، ثم لاذ ببلاط الملك وثبَّته فيه ذكاؤه الفطري، وكانت مرجريت أخت هنري الثاني ساعدَه الأقوى في البلاط، ولكنه كان غير راضٍ عن حالته؛ لغروره وثقته بنفسه تلك الثقة العمياء التي حدت به لأن يقول إنه أقوى من رونسار حُجَّةً وأكثر منه كفاية، ومات عام ١٥٧٣ مغضوبًا عليه من الناس أجمعين بعد أن أرسل للملك قصيدته التي يقول فيها: «إذا شئت أن تنتفع بالمصباح، فلا تنسَ أن تضع فيه شيئًا من الزيت.»

ألف جوديل أول تراجيدي إفرنسية «كليوبطره»، ومثَّلها عام ١٥٥٢ في قصر ريمس أمام الملك ورجال حاشيته، وقام بتمثيلها مع نخبة من أصدقائه أمثال جاك جريفان وريمي بللو ولابروز، وغيرهم من الأدباء والشعراء. وخالف جوديل في روايته المذهب القديم مقلِّدًا الرومان والإغريق، فقسَّم روايته إلى فصول متعددة، وأدخل فيها المحاورات والمناجاة والجوقات التلحينية، ولكنه لم ينجح في بناء روايته حتى مَلَّ الجمهور سماعها، ولم ينجح أيضًا في تحليل أخلاق أشخاصه، فأخفق في شرح العواطف، وكان أسلوبه وسطًا بين الجيد والرديء، ولكن روايته تُعَدُّ حادثة عظيمة في تاريخ التمثيل؛ فهي الأساس الأول للتراجيدي الإفرنسية، وعلى نهجها مشى المؤلفون فيما بعدُ.

أتى بعد جوديل مؤلفون كثيرون لم يحسنوا تأليف التراجيدي الإفرنسية، إلى أن أتاح الله لفرنسا كاتبها الشهير روبير جارينيه (١٥٣٥–١٦٠١) ألَّف جارينيه ثماني روايات من نوع التراجيدي، ثلاث منها اقتبس مواضيعها من الروايات الرومانية، وثلاث اقتبس مواضيعها من روايات الإغريق، وواحدة اقتبسها من رواية الشاعر Arioste أريوست، والثامنة اقتبسها من الحوادث التاريخية الدينية وسماها «اليهود»، أما رواياته الرومانية فهي: بورسي وكورنيلي، ومارك أنطوان. ورواياته الإغريقية هي: هيبوليت، ولاترود، وأنتيجون. والرواية التي اقتبسها من رواية Arioste هي برادامنت. وقد وجد الأدباء في رواية برادامنت ورواية اليهود الهيكل العظمي لروايتي أستير وأتالي لشاعر فرنسا الشهير جان راسين. وكان جارينيه ذا أسلوب جميل، ولم تُحدِث رواياته في الجمهور مللًا؛ وذلك لجمال قالَبِها التمثيلي، فإن كان جوديل أول من وضع أساس التراجيدي، فجارينيه هو أول من نفخ فيها تلك الروح التي تعيش بها إلى الآن.

ثم أتى بعد جارينيه كاتب آخر اسمه أنطوان دي مونتكريان (١٥٧٥–١٦٢١) ألف سبع روايات تمثيلية: اثنتان منها اقتبسهما عن الرومان والإغريق «رواية القرطاجينية سوفونيزب» ورواية «ليلا سين»، وثلاث منها اقتبسها من الحوادث الدينية «رواية أمان ودافيد وسوزان» ثم رواية «برجري»، ورواية «الإيكوسيز» وهي خير ما كتب، وأهداها لجاك الأول شارحًا فيها حياة الملكة إليزابيث محلِّلًا أخلاقها تحليلًا يقرب من الحقيقة. ومشى هذا الكاتب في تأليف رواياته على آثار جارينيه، أما حياته فكانت ملأى بغرائب الحوادث، قيل عنه إنه قتل رجلًا في بِراز ثم هرب إلى إنكلترا، ثم عاد فيما بعدُ لفرنسا، واشتغل بحوادث البروتستانت بعد أن ألَّف جيشًا للدوق دي روان، ومات في مناوشة صغيرة عام ١٦٢١.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.