أمَّا أن عهدنا السعيد الذي ننعم في ظله بالعدل الشامل، والأمن الكامل، والنظام المستقر، والرضاء الذي يسع الناس جميعًا، والحق الذي لا يتعرض لتقصير أو تفريط، والكرامة الموفورة، والحرية المكفولة، والحرمات المرعية؛ أمَّا أن عهدنا السعيد هذا الذي ننعم فيه بكل هذه الخيرات مريض، فهذا شيء لا يحتمل شكًّا ولا يقبل جدالًا. وليس أدل على أن مرضه مبرح وعلته مزمنة من هذه الأعراض المؤذية البغيضة التي تظهر عليه وتلم به من حين إلى حين.

وقد كان ظهور هذه الأعراض يؤذي المصريين في فترات متقطعة يبعد العهد بها؛ فيتيح ذلك للمريض شيئًا من الراحة، وللممرضين شيئًا من الأمل، وللشعب المتفرج شيئًا من الانتظار.

ولكن أعراض المرض جعلت تظهر متلاحقة، لا تكاد تريح ولا تستريح في هذه الأسابيع القليلة؛ فالمريض مجهد منهك، والممرضون متعبون مرهقون، والشعب المتفرج لا يكاد يفرغ من قصة حتى يُدفَع إلى قصة أخرى.

فالغريب من أمر العلة أو العلل التي يُمتحَن بها هذا المريض أنها قصص كلها، وأغرب من ذلك أن مدار هذه القصة أو هذه القصص شيءٌ واحد، لا يكاد يختلف على اختلاف الأطوار والظروف. وهذا الشيء هو التضخم الذي يملأ الرجل بنفسه، حتى يشغل بها عن كل شيء، فلا يفكر إلَّا فيها، ولا يُعنَى إلَّا بها، ولا يسعى إلَّا لها.

والحياة مملوءة بالعقبات والمصاعب، يأتي بعضها من الزملاء الذين يعملون معك، ويأتي بعضها من الظروف التي تحيط بك، ويأتي بعضها من النظارة الذين ينظرون إليك، ويأتي أكثرها من نفسك التي تريد أن تكون كل شيء فلا تبلغ مما تريد شيئًا، والتي تحاول أن تقهر العقبات فتقهرها العقبات. وهي من أجل ذلك ذاهبة جائية ورائحة غادية، تصدم بقرونها هذه الصخور المائلة العاتية، فلا تبلغ من الصخور شيئًا، وإنما تحطم قرونها تحطيمًا.

ولعل أظهر علة أجهدت هذا العهد السعيد، وأنهكت قواه، وأرهقته من أمره عسرًا حضرة صاحب المعالي المجاهد الكبير مكرم باشا؛ فهو يمتلئ بنفسه إلى أقصى غايات الامتلاء، لا يستطيع أن يسع غيرها، ولا يستطيع أن يفكر إلَّا فيها، ولا يستطيع أن يعمل إلَّا بها ولها. وهو حين نهض مع الناهضين بشئون هذا العهد السعيد وأعبائه الثقال لم ينهض إلَّا بنفسه، ولم ينهض إلَّا لنفسه؛ فكان زملاؤه يشقون بذلك منه شقاءً عظيمًا متصلًا. شكا منه الدكتور أحمد ماهر باشا رحمه الله غير مرة، وشكا منه زملاؤه الوزراء شكاة موصولة غير مقطوعة.

شارك زملاءه في إعداد الانتخابات واحتمال أوزارها، ثم لم يلبث أن ضاق بالانتخابات وجهر بالشكاة المتصلة؛ لأنها لم تلائم نفسه المتضخمة ومطامعه التي لا تنقضي فاستقال، ثم عدل عن الاستقالة ومضى مع زملائه في الحكم، ينغص الحياة على نفسه وعليهم، يستقيل اليوم ليعدل عن الاستقالة غدًا، ويعتكف اليوم ليعود إلى مكتبه غدًا. يتضامن مع الوزراء في الصباح ليخرج على هذا التضامن في المساء، يقول في مجلس الوزراء شيئًا ويقول في صحيفته شيئًا آخر، يُحْجِم مع الوزراء ويُقْدِم في الشارع، يتهالك في الوزارة ويتحمَّس في الاجتماعات العامة؛ حتى أصبح مصدر التنغيص المستمر لهذا العهد السعيد، وسيظل مصدر التنغيص المستمر لهذا العهد السعيد. قررت نفسه المتضخمة أن تكدر الصفو على رجال العهد منذ بدأ إلى أن ينتهي.

وكان بدء العهد السعيد حافلًا بكثيرٍ من الآمال والأماني، فكانت أعراض المرض التي تلم بالعهد السعيد صادرة عن مكرم باشا، تتلاحق متباطئة مستأنية، فتتيح لزملائه الوزراء أن يتنفسوا وأن يستريحوا، وأن يستعدوا لأزمة مُقْبِلة بعد أن يفرغوا من أزمة مدبرة. ولكن النوبات أخذت تتلاحق مسرعة، لا تعرف أناة ولا تحب مهلًا منذ شهر ديسمبر الماضي، ففي أقل من شهرين بل في أقل من شهر ونصف شهر استقال مكرم باشا ثلاث مرات واسترد استقالته مرتين، وأكبر الظن أنه سيسترد استقالته الثالثة.

استقال في شهر ديسمبر؛ لأن زملاءه أبطئوا في مطالبة الإنجليز بحقوق مصر، ثم استرد استقالته حين قرر الزملاء أن يكتبوا مذكرتهم النائمة إلى الإنجليز. ولم يكن المهم عند مكرم باشا أن تكون المذكرة مستيقظة أو نائمة، ملتهبة أو باردة، قوية أو ضعيفة، وإنما كان المهم أن تُكتَب مذكرة، وأن يُشغَل الناس بمكرم باشا، فلا ينساه زملاؤه ولا ينساه النظارة من أبناء الشعب. وقد مثل مكرم باشا قصته تلك فأحسن تمثيلها، شغل بها الزملاء، وشغل بها الهيئة السياسية، وشغل بها الصحف في مصر وفي خارج مصر، وأضحك بها جمهور النظارة ضحكًا عريضًا.

ثم استقال في شهر يناير الماضي حين أذاع وزير الخارجية من لندرة حديثه المعروف، وأفلح في كل ما فلح فيه في المرة الأولى، فشغل بنفسه رجال العهد السعيد كما شغل بنفسه الصحف، وأضحك من نفسه النظارة ضحكًا عريضًا، واسترد الاستقالة في شهر يناير كما استرد الاستقالة في شهر ديسمبر، وكما استرد الاستقالات التي قدمها قبل ذلك.

ثم لم يكد يتقدم النهار أمس حتى تحدث الناس بأن مكرم باشا مستقيل، أو بأنه يريد أن يستقيل. لم يذهب إلى مكتبه يومين، ولم يذهب إلى البرلمان، ولم يشارك فيما دار في مجلسيه من المناقشات.

قال قوم إن أحداث هذا الأسبوع في القاهرة والأقاليم قد آذت نفسه، وكدرت مزاجه؛ فاستحسن أن يظهر للناس مجاهدًا كبيرًا يشقى بجهاده شباب المصريين، وكره أن يظهر في مرآة ضميره الصافية وفي صفحة تاريخه النقية وعلى يده الطاهرة البيضاء بقعة من هذه الدماء التي أُريقت هنا وهناك؛ فاعتكف من أجل ذلك، فلم يذهب إلى مكتبه، ولم يذهب إلى البرلمان؛ لأن الدماء المراقة لا تسعى إلى الناس في بيوتهم، وإنما تسعى إليهم في مكاتبهم حيث يعملون وحيث ينهضون بالأعباء الرسمية.

وقال قوم آخرون إن إناء مكرم باشا قد فاض بتصريح ممدوح رياض بعد أن امتلأ بتصريح عبد الحميد باشا بدوي. وقد استقال مكرم باشا محتجًّا على تصريح بدوي باشا، فلم يبلغ من استقالته شيئًا، نستغفر الله ونتوب إليه، بل استرد استقالته لا في الشكل وحده، بل في الشكل والموضوع.

لقد قرأنا في الصحف نص الرسالة التي أبرق بها رئيس الوزراء إلى بدوي باشا يبلغه فيها تهنئته وتقديره وتقدير مجلس الوزراء بمناسبة انتخابه قاضيًا في مجلس العدل. فقد اشترك مكرم باشا مع زملائه في تقدير بدوي باشا وجهوده، ومنها بالطبع ذلك التصريح الذي استقال من أجله محتجًّا.

مهما يكن من شيء، فما ينبغي أن يستقيل مكرم باشا محتجًّا على تصريح وزير الخارجية، ويظل صامتًا هادئًا مطمئنًّا لا يستقيل محتجًّا على تصريح الأستاذ ممدوح رياض.

وكلا التصريحين خطير؛ أولهما أغلق أبواب مجلس الأمن في وجه مصر وفي وجه البلاد العربية كما قال مكرم باشا. والآخر طرد من مجلس الأمن قضايا الشعوب المستضيفة عربية كانت أو أعجمية، وأظهر أن المسلمين قد فقدوا ما وصفهم به الحديث الشريف من أنهم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا.

فلم يكن بدٌّ من أن يستقيل مكرم باشا محتجًّا على ممدوح رياض، كما استقال محتجًّا على عبد الحميد بدوي، ومن أجل ذلك افتُتِحَت الأزمة الجديدة صباح أمس وأُغْلِقَتْ في المساء أو تريد أن تُغْلَق هذا الصباح. والمهم هو أن مكرم باشا أحدث أزمة جديدة شُغِل بها الوزراء، وعُنِي بها رجال العهد السعيد، وتحدثت عنها الصحف، وأذاعها راديو لندرة، ونشرتها روتر في جميع أقطار الأرض. فإذا أُغْلِقَت الأزمة اليوم أو غدًا؛ فسيُشْغَل بإغلاقها الوزراء، وسيتحدث بأنبائها رجال العهد السعيد، وستذيع الصحف أن الأزمة قد انتهت، وسيذيع الراديو مثل ذلك، ويذيع روتر مثله أيضًا. وحسب مكرم باشا من أزماته أن يشغل بها الناس، وتتحدث عنها الصحف، وتذيعها شركات الأنباء.

أمَّا الشعب المتفرج فلن يضحك في هذه المرة ضحكًا ضيقًا ولا عريضًا؛ لأنه مشغول في هذه الأيام بالبكاء عن الضحك، وبالحزن والاكتئاب عن الغبطة والابتهاج. فقد يظهر أن كائنًا بشعًا منكر الخلق قبيح المنظر كريه المحضر قد أخذ يطوف بالحدائق المصرية في القاهرة والأقاليم، ويقتطف منها زهرات كان من حقِّها أن تنمو وتنمو وتزهو وتنضج وتثمر للشعب البائس نشاطًا خصبًا، وقد يظهر أن هذا الكائن البشع ذا المنظر القبيح والمحضر البغيض قد أبى إلَّا أن يشيع الحِداد في نفوس النظارة، فلا يُتاح لها أن تضحك حين تُعرَض عليها القصص المكرميات.

هذه علة واحدة من العلل الكثيرة التي أصابت العهد السعيد، وجعلت أعراضها تظهر عليه متتابعة متلاحقة، لا تريحه ولا تبقي عليه.

وهناك علل أخرى ليست أقل خطرًا من هذه العلة، يعرفها المصريون جميعًا، وليسوا في حاجة إلى أن تُعرَض عليهم أو تُفسَّر لهم. فتصريح وزير الخارجية قد أفسد رأي الشعوب العربية في مصر، وتصريح ممدوح رياض قد أفسد رأي المسلمين في مصر، وموقف الحكومة من مطالب الشعب قد أفسد رأي رجال العهد السعيد في العهد السعيد نفسه.

ومن أجل ذلك اختلفت المذاهب، وتفرَّقَت الأهواء، وأصبح رجال العهد السعيد شِيَعًا وجماعات، تسلك طرقًا متفرقةً متعاكسةً، بعضها يسلك هذه الطرق جهرةً في النهار المبصر، وبعضها يسلك هذه الطرق سرًّا في الليل المظلم، ورئيس الوزراء ينظر إلى أولئك ويتحسس من هؤلاء، ولو استطاع لأراح نفسه من أولئك وهؤلاء باستقالة ترده إلى الهدوء والدعة، وتلقي عن كتفيه أعباء لا يستطيع حملها.

ولكن رئيس الوزراء كزميله مكرم باشا متضخم النفس، لا يؤمن إلَّا بنفسه الضخمة أو المتضخمة؛ فهو واثق كل الثقة بأنه وحده القادر على أن يصرف أمور مصر أحسن تصريف، فيكفل لأهلها الأمن والنظام، ويعصم نفوس الشعب من أن تُزهَق ودماؤه من أن تُراق، ويستنقذ من الإنجليز حقوق مصر كاملة غير منقوصة؛ لأن العناية الإلهية قد اختارته لذلك، وأَلْقَتْ على عاتقه الضعيف هذه الأعباء الثقال.

وقد قُلْتُ في حديث مضى إن التيمس ستثني على رئيس الوزراء ثناءً رائعًا في مقال بارع؛ فقد أهدى هذا الثناء وكتب هذا المقال، ولكن في جريدة الديلي تلغراف. وليس معنى ذلك أن التيمس لن تكتب مقالها، بل معناه أن التيمس ستكتب هذا المقال غدًا أو بعد غدٍ حين تنتهي هذه الأزمات المُلِحَّة، وتهدأ النوبات المنهكة حين يسترد مكرم باشا استقالته الأخيرة، وحين يعود الجامعيون إلى استئناف الدرس استجابةً لدعوة العمداء، وحين يُرفَع الحظر عن الجنود البريطانيين فيذهبون ويجيئون في القاهرة أحرارًا، لا يخشون كيدًا ولا يلقون بأسًا. هنالك تعود إلى الحياة في مصر تلك الابتسامة الفاترة الشاحبة المُرَّة التي مسَّتْها أصبع الموت، وهنالك ترى التيمس وغيرها من الصحف الإنجليزية أَنْ قَدْ آنَ الأوانُ لتهدي إلى رئيس الوزراء أصدق الشكر وأجمل الثناء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.