يصفها بذلك الإنجليز أنفسهم فيما نقلت إلينا رسائل البرق، وفي الحق أن من أعسر العسر أن تجد للسياسة البريطانية في قبرص وصفًا أصدق ولا أدق من أنها سياسة حمقاء، تُسرع بقبرص إلى الفوز بما تريد، وتُسرع بالبريطانيين إلى الخذلان الذي فُرض عليهم فرضًا، والذي تعرفه عقولهم وتؤمن به قلوبهم. ولكنهم يكابرون ويأبون أن يعترفوا به أو يذعنوا لحكمه؛ لأنهم لا يجدون الشجاعة في هذه المرة على احتمال الهزيمة التي ليس منها بد، والاعتراف بأن عصر الاستعمار واستعباد الشعوب قد انقضى ولن يعود.

إنهم يستأنفون في هذه الأيام سياسة النفي بعد أن جربوها، فلم تغن عنهم شيئًا ولم يجنوا منها إلا الهزيمة والخذلان.

لقد نفوا طائفة من زعماء المصريين في أعقاب الحرب العالمية الأولى، ثم اضطرتهم الظروف اضطرارًا إلى إطلاقهم وتركهم أحرارًا يتبوَّءون من الأرض حيث يشاءون، ويعودون إلى وطنهم حين يريدون. ثم فاوضتهم وحاولت أن تصل معهم إلى بعض أغراضها، فلم تبلغ منهم شيئًا. ثم نفت منهم قومًا آخرين إلى صخرة نائية في المحيط، ثم اضطرت إلى أن تطلقهم صاغرة وتردهم إلى وطنهم مخذولة لم يغن عنها نفي أولئك ولا هؤلاء شيئًا، ولم يمنعها من أن تذعن آخر الأمر لما لم يكن بُد من الإذعان له، فتعترف بأطراف من الاستقلال ثم تضطر آخر الأمر اضطرارًا إلى الجلاء والاعتراف لمصر باستقلالها كاملًا موفورًا.

وهي قد جربت النفي في غير مصر، كما جربت القتل والتعذيب والسجن؛ فلم تنتفع بشيء من ذلك نفعًا قليلًا أو كثيرًا، ولم تستطع أن تُكره الشعوب على ما أرادت لها من الذلة والخنوع، وإنما أكرهتها الشعوب على أن ترفع عنها بطشها وتكف عنها بأسها وتصرف عنها كيدها، ثم تحاول بعد ذلك أن تترضى الشعوب وتبتغي الوسائل إلى مودتها بعد أن صبَّت عليها العذاب والكيد ألوانًا. وهي الآن تعود سيرتها الأولى مع هذه الجزيرة اليونانية، فتمكر وتكيد وتعذب وتسجن، وتلجأ آخر الأمر إلى نفي الزعماء.

تخدع بذلك نفسها أكثر مما تخدع أهل قبرص؛ لأنهم يرون ويفهمون أن طموح الشعوب إلى الحرية والاستقلال والكرامة أقوى من كل قوة، وأمضى من كل سلاح وأنفذ من كل كيد، وأعظم من كل سلطان.

والبريطانيون يرون ويسمعون أن حليفتهم وجارتهم فرنسا قد نفت سلطان مراكش وطائفة من زعمائها، وصبَّت العذاب على أحرار المراكشيين، ثم اضطرت آخر الأمر إلى أن تنزل عند إرادة الشعب المراكشي، فتفاوض السلطان في منفاه ثم ترده إلى وطنه كريمًا موفورًا، ثم تفاوضه وتفاوض حكومته وترد إليه وإلى الشعب المراكشي الاستقلال والكرامة، لم يغنِ عنها النفي والعذاب شيئًا.

وهم يرون ويسمعون قصة جارتهم وحليفتهم في تونس كما رأوا وسمعوا قصتها في الهند الصينية، ولكنهم لا يعتبرون بشيء من هذا كله، وإنما يستأنفون المضي في الطريق التي مضوا فيها من قبل ومضت فيها حليفتهم وجارتهم، ثم ارتدوا وارتد حلفاؤهم وجيرانهم خاسئين. وإذا كتب اللَّه الخذلان على قوم أغراهم بالحمق وزيَّن لهم ركوب شهواتهم وصرفهم عن الانتفاع بتجاربهم وتجارب الظالمين من قبلهم ومن حولهم، فتورطوا في الخطأ بعد الخطأ، وأضافوا الأغلاط إلى الأغلاط، وأنفقوا الأموال والرجال في غير طائل، وكسبوا لأنفسهم خزي الهزيمة وسوء السمعة وسقوط الهيبة، وأصبحوا عبرة ونكالًا لمن يريد أن يعتبر ويتعظ، وأضحكوا منهم أولئك الذين أرادوا أن ينزلوا بهم الخسف ويسوموهم سوء العذاب.

والبريطانيون لا يجنون بما يصنعون في قبرص على السياسة البريطانية وحدها ولا على المكانة البريطانية وحدها، وإنما يجنون على أصدقائهم وحلفائهم جميعًا. فقبرص جزيرة يونانية منذ عرفها التاريخ، وأهلها يونانيون إلى اليوم وإلى غد، وكل إساءة إليها إساءة إلى الشعب اليوناني كله. والدولة اليونانية حليفة لبريطانيا العظمى تشاركها في حلف الأطلنطي، فهي إذن تجني على دولة صديقة حليفة مشاركة لها في هذا الحلف الذي تشترك فيه دول أخرى لا تستطيع بريطانيا أن تستغني عن ودها وعونها.

فإذا أخرجت اليونان واضطرتهم إلى ترك هذا الحلف أساءت بذلك إلى سياسة هذا العالم الغريب الذي يسمي نفسه باسم ليس أقل منه غرابة، وهو العالم الحر؛ أساءت إلى الولايات المتحدة الأمريكية وإلى فرنسا وإلى الدول الأخرى المشاركة في حلف الأطلنطي، وقلبت سياسة الديمقراطية الغربية في هذا القطر من أقطار أوروبا رأسًا على عقب، وفتحت بيدها لخصوم الغرب بابًا لم يكن هؤلاء الخصوم يحلمون بأنه سيُفتح لهم دون أن يبذلوا في فتحه جهدًا أو يلقوا فيه كيدًا.

والدولة اليونانية عضو في حلف آخر تعتمد عليه الديمقراطية الغربية كل الاعتماد، وهو حلف البلقان … فإذا أحرجتها بريطانيا العظمى بسياستها هذه الحمقاء في قبرص، فقد تضطرها إلى الخروج من هذا الحلف، وينهار بذلك هذا البناء الذي اعتمد عليه الغربيون، وظنوا أنه سور يحول بينهم وبين خصومهم من الشيوعيين، وكانت النتيجة الظاهرة لهذا كله أن بريطانيا العظمى قد أضاعت على السياسة الغربية قطرين خطيرين من أقطار الأرض؛ هذا القطر الذي تقوم فيه الدولة اليونانية من جهة، وقطر العالم العربي بحلفها السخيف الأحمق في بغداد.

وكذلك تثقل الحساب الذي يجب أن تؤديه بريطانيا العظمى أمام حلفائها أولًا وأمام شعبها ومصالحها ثانيًا، وليس لذلك كله سبب إلا أن هذه الدولة البريطانية التي عُرفت قديمًا بالكياسة وأصالة الرأي، قد ركبت رأسها، ولم تستجب إلا للعناد الذي لا يؤذيها وحدها، وإنما يؤذي معها حلفاءها جميعًا.

وبريطانيا العظمى تعلم حق العلم أن ضم قبرص إلى وطنها اليوناني لم يكن ليضرها شيئًا، فالدولة اليونانية حليفتها، وما كانت لتمانع في أن تستمر القواعد البريطانية في قبرص ما دامت هذه القواعد ضرورة من ضرورات الدفاع الغربي. والأمريكيون لهم قواعد كثيرة في بلاد مستقلة ليست مستعمرة لهم، وإنما هي حليفة تشاركهم في السياسة والمصالح المختلفة، وتحتاج إلى ما يحتاجون إليه من الدفاع عن نظامها الاجتماعي ومصالحها المختلفة.

فللأسطول الأمريكي قواعده في الثغور الأوروبية، وللسلاح الجوي قواعده في أرض أوروبا، وما نعرف أن لأمريكا في أوروبا مستعمرات أو شيئًا يشبه المستعمرات.

كيف غفلت بريطانيا العظمى عن هذه الأوليات التي لا يغفل عنها أيسر الناس حظًّا من التفكير المستقيم في الأشياء.

مهما يكن من شيء، فإن من المحقق أن نفي الزعماء القبرصيين إن دل على شيء، فإنما يدل على أن السياسة البريطانية قد فقدت في هذه الأيام أخص ما كانت تمتاز به من الفطنة وحسن النظر في عواقب الأمور، وإن نفي هؤلاء الزعماء بشير ينبغي أن يستقبله أهل قبرص، وسيستقبلونه بهذا الرضى المُر الذي تعرفه الشعوب المظلومة حين يشتد عليها اليأس وتعظم بها المحنة، والذي يملأ النفوس ثقة والقلوب أملًا ويزيد العزائم مضاء ونفوذًا، والمقاومة شدة وثباتًا، وينتهي غدًا أو بعد غد برجوع المنفيين إلى وطنهم كرامًا موفورين قد مُلئت أيديهم ببشائر الفوز.

وأنا مطمئن كل الاطمئنان إلى أن هؤلاء الزعماء المنفيين سيعودون في يوم قريب كما عاد سلطان مراكش، وسيعودون ومعهم ما يريده أهل قبرص من تحقيق الآمال وإرضاء الكرامة اليونانية التي غالبت الخطوب والأحداث قرونًا طوالًا، وعرفت آخر الأمر كيف تقهرها وتنتصر عليها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.