() (القدر: ٣).

والمتفق عليه بين جلَّةِ المفسرين أنَّ ليلةَ القدر شرفت هذا التشريف لنزول القرآن الكريم فيها، ولا خِلاف بينهم على هذا المعنى، ولكنهم — كعادتهم في تحقيق كل دقيقة وجليلة من تفاصيل الآيات والأخبار القرآنية — يفسِّرون نزول القرآن على وجه من وجوهه المحتملة؛ إذ يجوز أن يكون المقصود به ابتداء النزول، كما يجوز أن يقصد به نزول الكِتاب كله جملةً واحدةً. ويشير القرطبي وابن كثير إلى قول القائلين: إن ليلة القدر اسم جنس لجميع الليالي التي تنزلت فيها الآيات، قد تبلغ عِدتها عشرين أو أكثر من عشرين ليلة على هذا الاحتمال، ولكنه قولٌ لا يأخذ به الكثيرون، وإن أخذوا بتعدد الليالي التي تنزلت فيها آيات الكتاب.

والمفسرون الذين يحققون أن ليلة واحدة من ليالي شهر رمضان يرجِّحون أنها إحدى لياليه العشر الأخيرات، وأنها على الأرجح ليلة السابع والعشرين منه لأسباب لا محل لتفصيلها في هذا المقام.

ومن المفسرين مَن يرى أن نزول القرآن الكريم جُملة واحدة هو المقصود بنزوله في ليلة القدر، يعزِّزون رأيهم بأن ابتداء نزول الآيات كان نهارًا، ولم يكن في ليلة من الليالي؛ لأنه من المتواتر أن النبي ﷺ خوطب بأول آية كريمة وهو عاكف بغار حراء، وقيل له: «اقرأ … فقال: ما أنا بقارئ.» إلى آخر ما ورد في الحديث المشهور، ولكن الأمر الذي لا خلاف فيه أن سورة العلق التي افتتحت بهذه الآيات قد تمَّت بعد ذلك لما ورد فيها من الإشارة إلى الأمور التي حدثت، كما قال الأستاذ الإمام «بعد شيوع خبر البعثة وظهور أُمَّةِ النِّبُوَّةِ وتحرش قريش لإيذائه عليه السلام.»

فلا خلاف على وجه من الوجوه في تشريف ليلة القدر؛ لنزول القرآن الكريم فيها آيات متفرقة أو جملة واحدة، وأن حِكمتها الكبرى أنها هي ليلة الفرقان كما جاء في سورة الدخان: () (الدخان: ٣-٤).

فهي ليلة القدر؛ لأنها ليلة التقدير والتمييز بين الخير والشرِّ، والتفريق بين المباح والمحظور، والأمر بالدعوة والتكليف، وهو أشرف ما يشرف به الإنسان؛ لأنه هو المخلوق المميز بالتكليف، والمخصوص بالتمييز بين جميع المخلوقات، ومن أجل هذا فُضِّل على الملائكة؛ لأنها لا تتعرض لما يتعرض له الإنسان من فتنة التمييز بين المباح والمحظور، وفضيلة الوصول إلى الخير، والامتناع عن الشرِّ بمشيئة الحيِّ المكلف المسئول، وقد افتتحت دعوة محمد ﷺ بالأمر بالقراءة، واقترن تمييز آدم على الملائكة بفضيلة العِلم، كما جاء في وصف الخليفة من الكتاب المبين: () (البقرة: ٢٩–٣٣).

وقد جاء وصف الإنسان بهذه المزية بعد الأمر بالقراءة في أول آية خوطب بها عليه السلام: () (العلق: ٣–٥).

وهكذا ينبغي أن نفهم معنى القرآن ومعنى الفرقان ومعنى التقدير والتمييز الذي خصَّ به الإنسان، ومعنى الأمر الحكيم الذي يفرق في ليلة القدر، بأمر العليم الحكيم.

فالشرف الذي فضلت به ليلة القدر، إنما هو شرف التقدير والتمييز، وشرف القرآن والفرقان، وشرف التكليف الذي رفع به الإنسان إلى منزلة أشرف المخلوقات، وحقَّ عليه أن يذكره؛ لأنه محاسب عليه، فيذكر في كل يوم وليلة أنه مسئول عما يفعل، وأنه مشرف بين الخلائق جميعًا؛ لأنه مناط السؤال والحساب.

وعلى هذا المعنى وحده ينبغي أن نفهم التقدير الذي يرتبط بنزول القرآن وبأمر القراءة والعِلم الذي يفرق به كل أمر حكيم.

ومن حقائق البداهة التي يَدِين بها المؤمن بالله أنه — سبحانه وتعالى — يقدِّر الأقدار، ويقسم الأرزاق، ويُحيِي ويُميت، ويجري قضاءه في صروف الحوادث وأطوار الحياة والأحياء، ولكن اقتران ذلك بليلة واحدة من ليالي الزمن أمر لا يقول به المؤمن بالإله الواحد السرمد الذي لا أول له ولا آخر، ولا تأخذه سِنَةٌ ولا نوم، وإنما يختلف هذا الاعتقاد من بقايا الأديان التي كانت تعدِّد الأرباب، وتخص كلَّ ربٍّ منها بوقته وسمائه، أو تشبهه بما يشبه الإنسان من أعمال أصحاب التصريف والسلطان من بني نوعه المحكمين فيه، وتجعل للسعود والنحوس أيامًا تتعلق بمطالع النجوم ومدارات الأفلاك، ويستنزلها العارفون بأسرار النجوم عندهم؛ توسلًا إليها بشفاعة القرابين والضحايا ورموز الطلاسم والعبادات.

ومن بقايا تلك العقائد الوثنية تسرَّبت عقيدة التقدير في إحدى ليالي السنة، وسرت إلى بني إسرائيل بعد اختلاطهم بِعُبَّادِ النجوم والأرباب الأرضية أو الفلكية في أرض بابل، فأخذت سبيلها مع سائر الخرافات والإسرائيليات إلى عامة المسلمين، فظهرت في تلك الأساطير التي أحاطت بأخبار ليلة القدر وعدلت بتلك الليلة المباركة عن معناها الذي يتصل به شرف الإنسان وشرف التمييز والتكليف إلى معنى يناقضه ويُبطِل حكمته ويبطل حكمة الإسلام في جملته؛ لأنه يرتهن السعادة والشقاء والمثوبة والجزاء بغير الأعمال والمقاصد، ويعود بها إلى أرصاد الليالي والأيام ورموز الشفاعات والقرابين.

كان قدماء البابليين يحتفلون بِسَنَتِهم الزراعية ويبتهلون إلى أربابهم في مطلعها أن يُغدِق فيها المطر، ويُورق فيها الشجر، ويجعلها سنة أمن ورخاء ونعمة وثراء؛ لاعتقادهم أن أرباب النجوم تقضي في الليلة الأولى من مطلع السنة كل ما يُقضى من أمور الخصب والجدب والرزق والحرمان والحياة والموت، وكان من عقائدهم أن للأعمار شجرة تخضرُّ أوراقُها أو تذبل مع اخضرار الشجر على الأرض وذبوله، فمَن كُتب له العيش اخضرَّت ورقته، ومَن قُضِيَ عليه بالموت ذبلت ورقته وسقطت فلم يبق منه غير عود كعيدان الحطب بغير روح، وكان من عقائدهم مع هذا أن اخضرار الورقة وذبولها مرتهنان بمراسم الصلاة وطلاسم السحر التي يتولاها الكُهَّان ويفرضون من أجلها القرابين والهدايا على طُلَّاب الصلوات والدعوات.

وقد نقل الإسرائيليون كل ذلك إلى عيدٍ من أعيادهم التي اختلطت فيها عبادة الإله بعبادة الأرباب الوثنية، ثم تسرَّبت منهم إلى عامة المسلمين، وانخدع بها من غير العامة مَن كان يحسب أن القوم ينقلون ذلك عن مصادر الكتاب الصحيحة، فأضافوا إلى ليلة القدر أكثر ما كان يُقال عن مراسم السَّنَةِ الزراعية عند البابليين، ومراسم التكفير عند كُهَّان إسرائيل.

ولعل انتقال بعضهم بليلة القدر إلى منتصف شهر شعبان، مع وضوح نسبتها إلى شهر الصيام في القرآن الكريم، إنما جاء من ذلك الاعتقاد القديم في السَّنَةِ الزراعية؛ إذ كان شهر شعبان إنما سُمي بذلك لانشعاب عيدان الشجر فيه على ما جاء في روايات الجاهلية، فهو أشبه بما كان يقال في بابل القديمة عن شجرة الحياة، وعمَّا يُعرض لها من «انشعاب» الأعمار بين الاخضرار والذبول، لكنه في الواقع «انشعاب» آخر بين العقائد الإسلامية في صميمها وبين العقائد التي تخلفت عن عبادة الأوثان والأرباب من دون الله.

فالعقيدة الإسلامية في صميمها لا تتمثل في شيء كما تتمثل في التكليف والتمييز، وفي المخلوق العاقل المسئول الذي يُدان بعمله ولا يُصيبه الجزاء أو الغفران من عمل غيره، وهنا تتشعَّب العقائد بين ليلة القدر في شريعة المسلم وبين أشباه هذه الليالي في كل شريعة يُناط فيها قدر الإنسان بغير الأعمال والنِّيَّات.

وإن المسلم لَيَعُود إلى إسلامه الصحيح كلما احتفل بليلة القدر، وهو يذكر أنها ليلة فرقان وحساب، وأنه يدعو الله فيها ليشرف بما شرفتْ به الليلة المباركة من آيات التقدير والتذكير.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.