وليست وزارة حازمة، ولا مشبهة للحازمة إذا لم تنظم كل شيء تنظيمًا يمكنها أن تبسط سُلطانها عليه؛ تخضعه لما تُريد.

ومن الذي يستطيع أن يزعم أنَّ وزارتنا ينقصها الحزم من قريبٍ أو مِنْ بَعِيدٍ، ومن ذا الذي يستطيع أن ينكر أنَّ وزارتنا حَازِمَةٌ من جميع أطرافها، ومن جميع جهاتها، يأتيها الحزم من كل مكان، وينبع منها الحزم كما ينبع الماء من العيون الغزار؟! حزم عنيف مخيف.

قد ذاقه الوزراء المُفوضون وذاقه الإنجليز من الرجل الطيب فعرفوا أنه مُرٌّ ممض، ليس إلى احتماله من سبيل وذاقه أهل المنصورة، وأهل القليوبية من وزير الداخلية فعرفوا أنه ملتهب محرق. وذاقه الأساتذة والمعلمون، والطلاب والتلاميذ من وزير التقاليد فعرفوا أنه منغص يبعث الكآبة في النُّفوس، ويُدْمِي القلوب حزنًا وألمًا. وذاقه المستشارون الملكيون من وزير المالية، فعرفوا أنه يُثير الغيظَ أَوَّل الأمر ويُثير الابتسام آخر الأمر، وأَنَّه مُرٌّ عذب وحامض حلو. وذاقه السماسرة من وزير المالية فأحبوه وكرهوه وخافوه وطمعوا فيه؛ لذلك غضبوا ثم رضوا ثم غضبوا وهم يترجحون الآن بين الغضب والرضا. يريدون أن تطول اللذة وتتصل الغبطة ويبقى الابتهاج. وذاقه المحامون من وزير الحقانية فكانوا إليه نهمين، وبه كلفين، يتهالكون عليه كما تتهالك الطير على الماء بعد عبور الصحراء، لا يذيقهم وزير الحقانية منه لونًا إلا استزادوه وطمعوا منه في لون آخر. أنذرهم فاستعذبوا الإنذار، ولم يقنعوا به، ولم يروا فيه إلا مُقَدِّمةً كهذه المُقَدِّمات التي تسبق الطعام لتوقظ الميل إليه والرَّغبة فيه؛ فألحوا على الوزير في أنْ يَزِيدهم فتفضل عليهم بقانون.

ويظهر أن طعام الوزير لذيذ، وأنَّ المحامين جياع، فلم يكادوا يذوقون القانون حتى كلفوا بقانون آخر، أو بقوانين أخرى. انظر إليهم يتلقَّون القانون فرحين به، يكاد الفرح أن يطير بهم في الجو، ويبلغ بهم السماء. يجتمعون فيدرسون ثم يعلنون إنكارهم للقانون، وخلافهم له، وامْتِنَاعَهُم عن تنفيذه، يَزْعُمون أنه مخالف للدستور، وأن لا طاعة لحاكم في مخالفة الدستور، ويصرون على أن يظل مكرم لهم نقيبًا، وقد أمرت الوزارة أن لا يكون مكرم لهم نقيبًا، ويكلفون نقيبهم أن يعلن موقفهم هذا إلى الوزارة، فيفعل النقيب لا مترددًا ولا مصطنعًا للأناة.

وأنا مُعْتَذِرٌ إلى المُحامين إن أعلنت لهم أني لا أفهم موقفهم هذا، كما يعلنونه وكما يريدون أن يفهمه الناس، وإنما أَفْهَمُه على وجهه الصحيح. فهم لا يُنكرون القانون إلا طمعًا في قانون آخر، وهم لا يعصون الوزير إلا ليحرضوه على أن يُلح عليهم بالتشريع؛ لأَنَّهُم قد ذاقوا لذة هذا اللون من ألوان الاضطهاد.

فالوزير مصري، والمصري كريم بطبعه [لا يُسأل] إلا أَعطى ولا يدعى إلا أجاب. وقد سأل المحامون فأعطاهم الوزير، والمحامون يجددون السؤال والوزير يستأنف لهم العطاء. فَهَذا مَجْلِسُ الوزراء قد اجتمع أَمس، وهذه الصحف تُنْبِئنا صباح اليوم بأن الأريحية قد هزت وزير الحقانية، ثم انتقلت هذه الهزة من الوزير إلى زُمَلَائِهِ، فإذا الأريحية تهز المجلس كله هزًّا، وإذا المجلس كله سخي كريم مُتَأَهِّبٌ للعطاء، مُتَعَجِّلٌ لإرضاء السائلين.

طلب المحامون الأهليون قانونًا، فستجُودُ الوزارة بقانونين: أحدهما للمحامين الأهليين، والآخر للمحامين الشرعيين؛ لأنَّ الوزارة لا تُريد أن تعطي فريقًا وتحرم فريقًا، لا تريد أن تطعم المحامين الأهليين وتدع المحامين الشرعيين تحرق قلوبهم الغيرة، ويتلهب ريقهم قرمًا إلى ما يأكله إخوانهم الأهليون. طلب المحامون الأهليون قانونًا فسيظفرون به غدًا أو بعد غد، وسيظفر بمثله المحامون الشرعيون.

ولن تعطل النقابة الأهلية وحدها، بل ستعطل معها النقابة الشرعية؛ رفقًا بها، وإشفاقًا عليها، فَمَاذَا تَصْنَعُ وحدها بالحياة بعد أنْ تسبقها أختها إلى الموت؟! ستعطل النقابتان إذن، وستعطلان بقانون — نستغفر الله — بل بقانونين. والمحامون جياع، فليعجل الوزراء في تهيئة الطعام، وإذن فليعد القانون — نستغفر الله — بل القانونان في سرعة لا تُشبهها سرعة، وليقرهما الوزراء اليوم أو غدًا، وليعرضا على البرلمان ولينظرهما عَجِلًا، وليُقرهما ولتصدرهما الدولة، وليقدم الطعام إلى هؤلاء المُحَامِين الجياع قبل آخر الأُسبوع. وقد زَعَمَ أَصْحَابُ السِّياسةِ أَنَّ الحكم إنما هو البصر بعواقب الأمور، والاستعداد للغد، والتهيؤ للطوارئ. ووزارتنا بارعة في الحكم، تحسن العلم بغدٍ كما تحسن العلم بأمس.

وهي تقدر أن المحامين لن يشبعوا، وأن القانونين الجديدين لن يُهَدِّئا من هذا الجُوع الذي يحرِّقُ أَجْوَافهم تَحْريقًا؛ وهي لذلك تُهيئ لهم قانونًا جديدًا، يصدر بعد هذين القانونين فيه تنظيم لشئونهم، وإصلاحٌ لأُمورهم، وردٌ لهم إلى الصواب. ويظهر أنَّ هذا القانون الذي يهيأ منذ زمن طويل سيكون مُقنعًا مُغنيًا، لا يجوع المحامون بعده أبدًا، سيعلمهم كيف تكون الطاعة، وسيعلمهم كيف يكون الإذعان. سيخرج أمورهم من أيدي عامتهم إلى أيدي خاصتهم، وسيخرج اختيار هذه الخاصة من أيديهم إلى أيدٍ أُخْرَى أبصر منهم بالاختيار. سيردهم إلى ما رد إليه المِصْرِيِّون جميعًا حين غير الدستور، فإنَّ الدِّيمُقراطية الجامحة قد أفسدت الشعب فلم يكن بُدٌّ من رده إلى الاعتدال. وهذه الديمقراطية الجامحة قد أفسدت المُحامين فليس بد من ردهم الاعتدال. وهي قد أفسدت الطلاب، فلا بد من إغلاق أنديتهم وحل اتحاداتهم وأخذهم بأندية جديدة واتحاد جديد، لا يعبث بها جموح الديمقراطية.

أرأيتَ أن وزارتنا حازمة حقًّا، ينبع منها الحزم كما ينبع الماء من العيون الغزار؟ في كلِّ يوم قانون، وفي كل يوم نِظَام، لكل شيء قانون ولكل شيء نظام: قوانين للمُحامين، قوانين للمُعلمين، قوانين للطلاب، قوانين لما شئت، وقوانين لما لم تشأ.

وما قيمة الوزارة إذا لم تُهيئ القوانين؟ وماذا يصنع البرلمان إذا لم يشرع القوانين؟ وماذا تصنع الجريدة الرَّسمية إذا لم تنشر القوانين؟ وكيفَ يَعِيشُ المِصْرِيُّون إذا لم تنظم حياتهم بالقوانين؟ ولكن ما رأي الوزارة في أن المحامين سيظلون جياعًا لن تشبعهم القوانين التي ستصدرها، كما لم تشبعهم القوانين التي صدرت إلى الآن؛ لأنهم جياع إلى العدل والحق لا إلى النظم والقوانين. ستصدر القوانين إثر القوانين إنْ طَالَ عمر الوزارة وسيلتهمها المحامون التهامًا وسيكون سباق بين المحامين والوزارة، هذه تشرع وأولئك يلتهمون، وسنرى أيُّ الفَرِيقَينِ يعجز صاحبه، أهي الوزارة التي ستضطر المحامين إلى التخمة، أم هم المحامون الذين سيضطرون الوزارة إلى العجز والإفلاس؟

أما أنا فناصح للوزارة، مُخلص في النصح لها وأود لو تسمع لما أقدم إليها من النصح؛ لِتَدَع التشريع فلن تقنع المحامين ولم تبلغ به منهم شيئًا. إنما السبيل أن تُحيل المحامين جميعًا إلى مجلس التأديب فهم جميعًا مُسْتَحِقُّون للإحالة إلى مجلس التأديب؛ صدر الأمر إليهم فعصوه، وهبط الوحي عليهم فخالفوه، وما جزاء من يعصي الأمر ويُخَالِفُ الوحي إلَّا أَنْ يُساق إلى مجلس التأديب. وسيكون طريفًا حقًّا أن يُحَال المُحَامون جميعًا إلى مجلس التأديب، وسيكون في ذلك اعتبار لمن لا يعتبرون، ووعظ لمن لا يتعظون، وتأديب لمن لا يتأدبون.

وسيبحث المحامون عمَّن يدافع عنهم أمام مجلس التأديب فلا يجدون، فيلتمسون المدافعين عنهم في بلاد الشرق والغرب؛ وتنشط لذلك حركة التجارة. وسيعجز مجلس التأديب عن مُحاكمة هذه المئات فيُعيَّن قضاة ومستشارون، وتشهد مصر حركة لم يشهدها بلد من قبل، ونشاطًا لا عهد به للأمم والشعوب، وتقيم الوزارة للعالم كله دليلًا على أنَّ مِصْرَ النَّاهِضَةَ قد أصبحت في مُقدمة البلاد الحيَّة تشق لها سُبُل الرُّقي وتقودها إلى الكمال، وعلى أنَّ الإنجليز غُلَاة قُسَاة مُسرفون حين يضنون على مصر بالاستقلال، وعلى أنَّ الأجانب كلهم غلاة قساة مسرفون حين يترددون في إلغاء الامتيازات.

اللهم إني مخلص فيما أقدم للوزارة من نصح، فاجعل وزارتنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.