نشرت «أهرام» الأمس صورة المذكرة الإيضاحية التي أعدتها وزارة الحقانية، بشأن تعديل قانون العقوبات الأهلي فيما يختص بالمطبوعات والصحف.

ولا شك أن الصحافيين الضليعين ورجال القانون سيتناولون هذا التعديل بالبحث والتحميص وإبداء الرأي مما يستنير به أولو الشأن، الأمر الذي لا بد منه في سن القوانين. إن العصمة لا تكون لإنسان أو لطائفة من الناس، كائنة مقدرتهم ما كانت، وفي سَنِّ قانون يسري على الجميع يُستحسَن أن يشترك في البحث والإدلاء بالرأي أكبرُ عدد ممكن من المهتمين بالموضوع؛ ليتسنى سبكه في خير الصيغ الممكنة.

أما الذي يروقه الإيجاز، فيستطيع أن يلخِّص هذا القانون في كلمة واحدة مكرَّرة: «تشديد، تشديد، تشديد» يا لهؤلاء الصحافيين المساكين، يخيل لهم حتمًا فئة «العيال الشقاوة» في البلد!

ولقد نُشِرت صورة هذا القانون قبل أن نعلم بالضبط ما هي التعديلات التي أُدخِلت على قانون الصحافة. أَجَلْ، إن الصحف ذكرت بعض التعديلات القاصرة على فريق من الموضوعات التي عولجت، إلا أن هناك فريقًا آخَر لا بد أن يُنظَر فيه النظرة التي تصون من الناحية الواحدة حقوقَ الناس عند الناس، وتصون حقوق الصحافيين من الناحية الأخرى، وبالجملة لا يمكن الكلام فى قانون ما زال قيد معالجة اللجنة المختصة ببحثه وتعديله.

غير أن هذا القانون وذاك يرتكزان على عقوبةٍ ذات نوعين: السجن، والغرامة المالية؛ فهل تقبل الحكومة من المحكوم عليه مالًا مزيفًا؟ ولو هو نقدها مثل هذا المال لعرض نفسه لعقوبة جديدة. أما الحكومة فتهيء للصحفي سجنًا مزيفًا ليس هو سجنه، ولا هو السجن الذي تعده حكومة محترمة للجرائم السياسية والقلمية في بلادها، وهل الحكومة تعرِّض نفسها لعقوبة ما بهذا التزييف؟ أَجَلْ، إنها تغض هي نفسها من كرامتها وكرامة قومها، وفي ذلك أشد العقاب!

ليس المراد هنا أن الحكومة التي تسن قانونًا تسنه للآخرين؛ لأن لا شيء في الحياة يدوم، فهذه — على صحتها — نظرة محدودة، والتحديد شيء حسن وضروري على شريطة أن لا يزعم أنه الكل في الكل. إن الروح التي تملى على القوانين روح أرحب نظرة، وأشمل إنسانية، وأوفر نبلًا، وعلى كل دولة تحترم نفسها، وعلى كل صحافة تعرف واجبها، وعلى كل فرد ذي أثر فعَّال في الحياة العامة — أن يعتنق تلك الروح، ويعمل على تحقيقها وإيجادها شيئًا فشيئًا ويومًا بعد يوم في حياة الجمهور.

الواقع أن السجن الصحفي الحاضر لا يليق بالصحافة المصرية، ولا ببلاد متيقظة كالبلاد المصرية، والإسهاب في شرح هذا شيء غير ضروري؛ لأنه معروف لدى الجميع، وقد سمعت من عدة صحافيين أنهم كثيرًا ما طالبوا بسجن خاص لهم في أحوال مختلفة في هذه الأعوام الأخيرة، ففازوا بالوعود دون التحقيق بالفعل.

أما اليوم ونحن في طور تعديل قانون الصحافة وتعديل العقوبات الخاصة بها، فالسجن السياسي أو الصحفي أصبح جزءًا من هذين القانونين لا يمكن إغفال أمره بوجه من الوجوه، لا يمكن فرض السجن العادي على الصحافيين؛ لأن جريمة القلم — إلا إذا كانت ترمي إلى الحط من الكرامات الشخصية التي لا علاقة لها بالشئون العامة — لهي جريمة شريفة، في حين التزوير والنصب والسرقة وما إليها من الجرائم الأخرى هي على غير ذلك.

وقد يعرض هنا لمن يشاء، موضوع حالة السجون المصرية ووجوب إصلاحها، ونقد الفكرة السائدة فيها التي هي فكرة «التعذيب»، مع أن هذه الفكرة قد قُضِي عليها في البلدان الأخرى في السجون وفي المدارس جميعًا؛ لأنها لا تتفق مع الطبيعة البشرية، ولا مع المراد من معنى العقوبة، ولا مع الغاية من القوانين، وكثيرًا ما تكون «العدالة» في السجون المصرية هي الظلم بعينه للصحفي والمجرم السياسي؛ إذ كيف تسوِّي بين رجل أميٍّ اقتصرت «عقليته» على ثلاثة أو أربعة أفكار لا يتجاوزها طول العمر، وبين رجل مثقف يعوزه الغذاء الفكري الذي أَلِفه، والترهف النسبي الذي لا يأبه له رجل الشارع، ويتألم من معاملة السجَّانين أنفسهم، وهو الذي اعتاد بين الناس معاملة غير تلك؟ إذا نحن أضفنا كل هذا وما يتفرع عنه إلى معيشة السجن الخاصة، وجدنا سجن الصحفي مكررًا مترادفًا وعقوبته متعددة النواحي، أَوَليس عجبًا أن القانون الذي لا يتكلم إلا باسم العدل، ولا غاية له إلا العدل — يكون هو أداة الجور والظلم؟

***

وبعدُ، فإن مصر تعرب في كل فرصة عن رغبتها في رفع وطأة الامتيازات الأجنبية عن كاهلها، وتفصح عن مضضها من الحيف النازل بها أدبيًّا واجتماعيًّا وقوميًّا من جرَّاء تلك الامتيازات؛ فكيف، وقد وصلت إلى هذه المرتبة من الإدراك والإحساس، تسجل هي بقانونها على نفسها أنَّ النصَّاب واللص وغيرهما من المجرمين الأجانب الذين يبرأ منهم قومهم، لَهُمْ أفضلُ حتى من أكبر قادة الفكر فيها؟ أَوَليستْ المطالبة بإلغاء الامتيازات الأجنبية في مثل هذه الحال وكأنها مناورات أطفال؟

في هذه العجالة موضوعات شتى يستحق كل منها بحثًا مشبعًا أو سلسلة أبحاث، غير أن الإشارة إليها تكفي، وكما كنت منذ البدء واثقة من أن قانون الصحافة سيتعدل تعديلًا عظيمًا، فأنا كذلك اليوم واثقة من أن هذا القانون سيفرد للصحافيين سجنًا لائقًا بهيئة محترمة في بلاد محترمة، تلك الهيئة التي على رغم زلَّاتها، قد خدمت البلاد كثيرًا وستخدمها في الغد كثيرًا.

***

من الكلمات التاريخية ذات الطنين والدوي ولكنها فارغة جوفاء، كلمةٌ قالها الشاه عباس الكبير الذي أتى بكثير من الإصلاحات والنظم، دون أن يقوم بتأسيس مستشفى واحد، وعندما سُئِل في ذلك أجاب: لا أريد مستشفى في بلاد فارس؛ لأني لا أريد أن يمرض الفُرْس!

وفي ذلك نقول مهما أُدخِلَ من التعديل المنتظَر على قانون الصحافة، فذلك التعديل يظل من بعض جهاته فارغًا طنانًا — ومؤذيًا! — ككلمة عباس الكبير شاه الفُرْس، إن لم يفرد هذا القانون للصحافيين والمجرمين السياسيين سجنًا خاصًّا.

فَلْيعتبر أولو الشأن بذلك، وَلْيستخرجوا من هذه الكلمة المغزى المتطابق وهذا الجانب من القانون الذي يعالجون، ولا شك عندئذٍ في أنهم سيعملون.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.