نعم غرام، كلمة تقرؤها فتنكرها؛ لأنك لم تتعود أن تراها في هذا المكان من الكوكب، ولأنك لم تتعود أنْ نتحدث إليك في الغرام وفنونه، والهيام وفُتُونه، والحب وجنونه، فلهذا الموضوع وأشباهه ظروف أخرى يَحْسُن التحدث عنه فيها، ولكنني مع ذلك سأتحدَّثُ إليك عن الغرام.

وليس عليَّ بأس من أن تنكر هذا الحديث أو تعرفه؛ فإني لم آخذ على نفسي عهدًا بأنْ لا أتحدث إليك إلا فيما تُريد، ولعلي أخذتُ على نفسي عهدًا ألا أتحدث إليك إلا فيما أُريد أنَا، وأنَا اليوم أُريد أنْ أتَحَدَّث في الغَرَام والنَّاسُ يَظُنُّون بي العُنف، ويتهمونني بالقسوة، ولكني أؤكد لك أني بريء من العُنف والقسوة. فمع أني حريصٌ كل الحرص، مُصِرٌّ كل الإصرار على أن أتحدث إليك في الغرام، فأنَا لا أريد أنْ أَفْرِض عليك هذا الحديث فرضًا، ولا أنْ أَسُوقه إليك دون أنْ أُبين لك لماذا أسوقه إليك؛ فأنا أريد أنْ آخذك بالإقناع لا بالإكراه، وستوافقني بعد أسطر قِصارٍ على أني لم أخطئ حين اخترت الغرام موضوعًا للحديث في هذا اليوم.

فالغرامُ الذي أريد أن أتحدث فيه ليس غرامًا عاديًّا مألوفًا، وإنما هو غرام مُمْتاز، غرام من الطراز الأول، غرام لا أعرف له إلا مَثلًا واحدًا في جميع أطوار الحياة الإنسانية مُنذ بدأتْ إلى الآن.

وأَظُنُّك تَرى معي أنَّ غرامًا من هذا الطراز خَليقٌ أنْ يكون موضوعًا للحديث في صحيفة سيارة شديدة العناية بالسياسة، فإذا عرفت بعد هذا أنَّ هذا الغرام الحديث كذلك الغرام القديم لا يبرأ من السياسة، ولا يخلص من آثارها، وإنما هو سياسة كُلُّه، عرفتَ أنِّي لم أزدك على شيء طريف، وأني لستُ — كما يقول خصومي — مُجدِّدًا مُسرفًا في التجديد، وإنَّما أنا مُحافظ غالٍ في المُحافظة، وآيةُ ذلك أنَّ الغرام القديم هو الذي دفعني إلى الحديث عن الغرام الجديد.

ولعلك سئِمْتَ المُقدمات، ولعلَّكَ اشتَقْتَ إلى هذا الغَرَام، ولعَلَّك تُحِبُّ أنْ تَعْرِفَ ما هو؟ وما طبيعته؟ ولعلك تستعجلني في أن أصل إلى الموضوع، فقد أصل إليه، وأؤكد لك أني لم أبسط هذه المُقدمة إلا تشويقًا لك؛ لأنَّ الموضوع خليقٌ أنْ تشتاق إليه.

والآن يجبُ أنْ تفتح أذنيك، وأنْ تُصغي لحديث الغرام؛ فالزَّعيم العظيم هتلر مُغرم بالملكة العظيمة نفرتيتي، وأظنك ترى بعد أن سمعتَ هذين الاسمين أنَّ هذا الغرام خليقٌ لا بعنايتي وحدي، بل بعناية الكُتَّاب جميعًا، ومتى ظفر كُتَّابُ السياسة والأدب والفن بموضوع له خطر هذا الموضوع، بل متى ظفر الكُتَّاب والشعراء بعاشق كالزعيم الألماني العظيم، وبمعشوقة كالمَلِكَة المصرية الخالدة؟

قُلتُ لك: إنَّ هذا الغَرَام ليسَ له إلَّا مثلٌ واحِدٌ في حياة الإنسان، وهذا المَثَلُ لا يُوجد إلا في الإلياذة، وهو عشق باييس لهيلانة، على أنَّ الشبه بين هذين الغرامين ليس دقيقًا من كل وجه، فقد كانت هيلانة مِلكة على إسبرتا، كما كانت نفرتيتي ملكة من ملكات مصر، وكان باييس ملك طروادة. أما الزَّعيم هتلر فليس ملكًا، ولا ابن ملك، وليس بينه وبين أسرة مالكة صلة من قريب أو بعيد، إنما هو رجل ديمقراطي، وإنْ كان يُحارب الديمقراطية، ويُؤلب عليها أشد التأليب. هو رجل شعبي، وإن كان يشك في سلطة الشعب، هو على كل حال رجل من أبناء الشعب، رجل مثلك ومِثلي لم ينحدر من هذه العناصر المُمتازة التي كتب الله لها الامتياز، وإنما خرج من هذه الطبقات العادية التي تضطرب في الأرض وتَجِدُّ في كسب الحياة.

ولكنه على كل حال زعيم ألمانيا وعَظِيمُها، قد اجتمعت كلها من حوله، ومَنَحَتْهُ من القوة والتأييد، ومن الثقة والحُبِّ أو الخَوف ما لم يَظفر به كثير من الملوك، وهو من هذه الناحية خليقٌ أنْ يُشَبَّه بباييس بن بريام، ملك طروادة.

باييس ذلك الذي عشق هيلانة فخطفها، وأوى بها إلى مدينته العظيمة المُحَصَّنة، فاحتفظ بها هناك أسيرة أجمل الإسار. باييس ذلك الذي أحفظ اليونان جميعًا، وآثارهم جميعًا لحرب مُنكرة اتصلت أعوامًا وأعوامًا، وانتهت بتدمير طروادة، وأنطقت الشعراء بأجمل ما نطق به الشعراء.

فلولا باييس ما كانت الإلياذة، ولولاه ما كانت الأوديسة، ولولاه ما كانت كل الآداب اليونانية، ولا كل ما نَشَأ عنه مِنَ الأدب القَدِيم والحديث. ونحنُ حين نذكر باييس وحده نَظْلِم ونُسْرِفُ في الظلم، ونُوشك أن نغضب السيدات؛ لأنهن حريصات في هذه الأيام على أنْ لا يستأثر الرَّجُل بشيء من دونهن، فباييس قد أثار هذا كله بفضل الحب والغرام، والعشق والهيام، والهوى الذي كان يملأ قلبه لهيلانة ملكة الحسن والجمال، والقد والاعتدال، كما تقول العامة.

ومِنَ المؤكد أنَّ الزَّعيم هِتْلر كانَ يَسْتَطيع أن يعشق مَلكتنا القديمة الجميلة، وأنْ يصلى من عشقها نارًا لا تخمد دون أن يؤثر ذلك في رجوع هذه الملكة العظيمة إلى ملكها العظيم، لو أنه ظل كما كان رجلًا مثلك ومثلي لا يستمتع بقوة ولا سلطان، ولكنه ارتقى، وارتقى حتى أصبح أقوى ألفي مرة من باييس. وأين تكون قوة طروادة من قوة ألمانيا الآن؟

ولذلك استطاع الزَّعيمُ العظيم هتلر أن يقول: إنه مُغْرَمٌ بهذا الملكة العظيمة غرامًا يَمْنَعُه مِنْ أنْ يَأْذَنَ بِرُجوعها إلى مُستقر آبائها، وموطن مُلكها وسلطانها، على حُبِّه للمصريين، وحرصه على إرضاء المصريين، ولكن الإحسان المنظم يقتضي أن يبدأ الإنسان بنفسه فيحسن إليها، وهو يحب، وحبيبته أسيرة عنده، وهو محتفظ بأسيرته، سواء أرَضِي المصريون أم لم يرضوا، سواء أرَضِي الحق أم لم يرض، ومتى كان الحق قادرًا على أن يَثبُتَ للحب والغرام، والعشق والهيام، ويحمل المُحبَّ على أن يفرط فيمن يحب؟

وإذا كان باييس قد أبى أن يُسلم هيلانة، ونصره الطرواديون جميعًا على هذا الظلم، وتعرَّض الطرواديون جميعًا لتلك الحرب المُنكرة التي مَحقت مدينتهم مَحقًا، وسَحقت سُلطانها سَحقًا، وجعلتها أحاديث، فكيف يقبل الزعيم العظيم أن يسلم الملكة وهو يعلم حق العلم أنَّ الفلك قد دار، وأنَّ الأيامَ قد تَغَيَّرت، وأنَّ مِصْرَ لا تُقاس إلى اليونان القُدماء، ولا تستطيع، بل لا تفكر، بل لا تحلم بأنْ تتهيأ لاستنقاذ المَلكة المصرية العظيمة كما تهيأ اليونان لاستنقاذ المَلكة اليونانية الحسناء فاستنقذوها؟

إذن فالزَّعيم العظيم مُطْمَئِنٌّ إلى أنه سيحتفظ بعشيقته سواء رضي المصريون أم لم يرضوا، سواء رضي الحق أم لم يرض، ولكن السؤال الذي يستحق التفكير هو رأي الملكة العظيمة نفسها: أتلقى حبًّا بحب، وعشقًا بعشق، وغَرامًا بغرام؟

فقد كان يُقال: إنَّ هيلانة أحبت باييس، وكانت تُؤثر المُقام معه في طروادة، فهل أحبتْ المَلِكة نفرتيتي زعيم ألمانيا العظيم؟ وهل آثرت أنْ تُقيم معه في ألمانيا العظيمة؟ أم هل تصبو هذه الأسيرة العزيزة إلى وطنها الذي كان عزيزًا في أيامها، فأصبَح ذليلًا في هذه الأيام؟ سؤال لا سبيل إلى أن يظفر بالجواب؛ لأنَّ مَلِكَتنا العَظيمة القديمة العانية البائسة لا تستطيع أن تسمع، ولا تستطيع أن تُجيب، ولا تستطيع أن تُعرب عما تجد، ولعلها لا تستطيع أن تجد شيئًا.

ومتى أحست التماثيل، ومتى استطاعت التماثيل أنْ تشعر أو تقول؟ مهما يكن من شيء؛ فزعيم ألمانيا عاشق لابنة فرعون، وفي مصر أربعة عشر مليونًا يعشقون ابنة فرعون هذه، ولكنَّ رجلًا واحدًا قادر على أن يُرضي عشقه؛ فأمَّا هذه الملايين، التي تَبْلُغ أربعة عشر أو خمسة عشر، فعَاجِزَة عن أنْ تُرضي عشقها، مضطرة إلى أن تكتفي بهذا الشوق الذي يحرق أفئدتها، ويُؤرق ليلها، ويعلمها أن القوة حق، وأن الضعف حق، وأن اليقظة حق، وأن النوم والغفلة حق أيضًا.

وأظرفُ ما في الأَمْرِ أنْ تَتَحَدَّث بعض الصحف إلى وزير ألمانيا المُفَوَّض لتعرف منه أحق أنَّ الزَّعيم العظيم قد شغفه حب الملكة العظيمة؛ فيُجيبُ الوزير بأنَّ هذا الأمر موضوع مُفاوضات دبلوماسية فلا ينبغي أن يدور حوله الحديث. مَعذرة يا سيدي الوزير، ليكن هذا الأمر موضوع مفاوضات دبلوماسية، فإنا نتخذه مع ذلك موضوعًا للحديث.

وماذا تخاف من هذا الحديث وأنت مُطمئن إلى أنَّ أسيرتنا العزيزة لن تخرج من بلادك إلا إذا أذنتم لها في الخروج؟ لقد ثار اليونان لهيلانة فاقتحموا البحر، وأشهروا الحرب، وغيروا وجه الأرض، واستردوا مَلِكتهم، وعادوا بها أعِزَّاء، أفَلَا يُؤذن لنا نحن — المصريين — في أن نُعلن حُزننا وشوقنا إلى هذه الملكة العظيمة التي تحفظ في مَتحف من متاحف برلين وأنوفنا راغمة؟

هذا كثير، وأكثر منه أن نَقْبَله أو أنْ نمتنع عن الخوض في هذا الحديث.

أرأيت أيها القارئ العزيز أني لم أكن مَازحًا، ولا مُداعبًا، ولا مُخطئًا حين تحدثت إليك في هذا الغرام؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.