نشيدُ الحربِ معروفٌ، ولعلَّه أَقْدَم نشيد عَرَفَهُ الناسُ يوم كانوا لا يَعْرِفون من فنِّ النغم غيرَ صيحات يوقعونها على وطء الأقدام ودقِّ الجذوع.

أما نشيد السلام، فالسؤال عن أصله وعن حقيقته كثير!

فربما أطلقوه على الأناشيد التي تُرتَّل في المعابد للصلاة والدعاء، ويعم هذا الإطلاق لولا أن بعض هذه الأناشيد أقرب إلى الحرب من أناشيد الميادين؛ لأن أصحابها يسألون الله أن يُنكِّل بأعدائهم ويُمكِّنهم من مقاتلتهم، ويحاولون أن يُشرِكوا معهم ربَّهم في قتالهم؛ فهي من أناشيد الصلاة والدعاء ولكنها ليست من أناشيد السلام.

وليس أندر من أناشيد السلام التي وُضِعَتْ للسلام خاصة، ولم يَنْظُر فيها واضعوها ومنشدوها إلى عداوة أو مناجزة، ونسبتها إلى أناشيد الحرب كنسبة الآحاد إلى العشرات.

إلا أن الموسيقى كلَّها قد تصبح نشيدًا واحدًا للسلام في رأي أستاذ من أساتذة الموسيقى الشرقيين، وهو الأستاذ خليل الله ويردي صاحب كتاب «فلسفة الموسيقى الشرقية» … لأنها لغة عالمية إنسانية؛ إذ لُوحِظ فيها هذا المعنى، وتعوَّد الناس أن يسمعوها على هذا الاعتبار؛ فهي أفعل الوسائل في تقريب النفوس من النفوس، وتفاهم الطبائع والعقول، مع كلام يُقال فيها على أنغامها، أو بغير حاجة إلى كلام.

وكتابه «فلسفة الموسيقى الشرقية» سِفْرٌ ضخمٌ يقع في نحو ستمائة صفحة، ويدور على مباحث كثيرة عن الموسيقى الشرقية والموسيقى الغربية … تتناول ضبط الأوزان العروضية أوزان الشعر والزجل والموشحات. النوطة الموسيقية تخوض في أسرار الأنغام حتى يوشك أن تُرَدَّ إليه جميعُ النواميس في الكون، على حد قول فيثاغورس الحكيم القديم: «إن الكون عَدَدٌ.» وإنَّ العَدَد نِسَب تتقارب وتتباعد على قواعد الفن الإلهي الذي تُستلهَم منه جميع الفنون.

والأستاذ خليل يؤمن باللغة الموسيقية العالمية، ولكنه في الوقت نفسه يقول باختلاف الأمزجة في موسيقى كل أمة، وينتقد الذين ينقلون الأدوار فيترجمون الكلام ويُودِعُونه أوزانًا كأوزانه في اللغة المترجم منها؛ إذ هو يرى أن الأوزان أَوْلى بالترجمة من الكلمات، فإذا استمعنا إلى دور إيطالي أو ألماني وأردنا أن نترجمه، فالمطلوب هنا ترجمة الألحان أولًا حتى توافق مزاج الأمة التي تُترجَم إليها، ثم ترجمة الكلمات على حسب تلك الألحان.

أما الذين يحتفظون بالنغمة الإيطالية أو الألمانية ويُحمِّلونها معانيَ الكلمات العربية، فهم يخلطون شيئين لا يقبلان الاختلاط، ويقومون بنصف الترجمة ونصفها الآخر — وهو الجوهر المُهِمُّ — غير مفهوم.

قال في فصل عن الموسيقى وبناء السلام: «فلنقرِّرْ إذن أن الموسيقى روح وجسد، وأن الروح هي الفكرة الفنية التي لا يُمارَى فيها، أما الجسد فهو الأنغام والأصول التي تلبسها الفكرةُ لتصل إلى السامعين. فتصوير الفكرة الفنية وإخراجها هو الأسلوب الإنشائي، ويُقسَّم إلى أساسي وشكلي. فالأساسي يختلف عند كل مؤلف غير مقلد، كما يختلف في الشعر أسلوب المتنبي عن أسلوب البحتري مثلًا. أما الشكلي فيختلف كاختلاف القصيدة والموشح، أو كاختلاف البشرف والتقسيم.»

ثم سأل: ما هو طابع الموسيقى الحقيقي؟ هل هو في روحها أو في جسدها أو في أسلوب إنشائها؟

وأجاب عن سؤاله: «بأن الفكرة الفنية نفحة علوية تهبط على المؤلف، وهي نفحة عامة لا تختص بقوم ولا ببلد، فقد تجول في نفس العربي كما تجول في نفس الإفرنجي! كعاطفتَي الحب والحزن اللذين تخامران كلًّا منهما على سواء. ومهما اختلف الأسلوب الإنشائي الأساسي في التعبير عن أية فكرة، فإنها تظل عند جميع البشر واحدة لا تتغير … ولا يخفى أن القطع الموسيقية ليست هي الموسيقى، كما أن مصنفات العرب في الشعر والأدب ليست هي اللغة العربية. فاللغة هي الحروف والكلمات والقواعد والأصول المرعية. وبها تتميز كل لغة، وبها وحدها تختلف الموسيقى الغربية عن الشرقية في الوقت الحاضر، مع أن الأصوات واحدة عند سائر الأمم.»

إذا سُئِل المؤلف: لماذا حدث هذا الاختلاف؟ فجوابه عن السؤال جواب فني يرجع إلى تقسيم السلم وتركيب الأنغام؛ فإنه ينقسم على طريقتين. أَحْدَثهما وأَسْهَلهما تقسيم السلم إلى أجزاء متساوية … ينقسم عددها على ستة بغير باقٍ، وهي الطريقة الإفرنجية … والأجدر أن تُسمَّى صناعية أو مُشوَّهة؛ لأن الأنغام التي تتولد منها لا تُمثِّل الطبيعة ذات الألوان الحية الزاهية … أما الطريقة الثانية القديمة، فهي تقسيم السلم إلى أبعاد صوتية متفاوتة حسب أحكام إحدى سلاسل النسبة المتصلة، وهي طريقة أمم الشرق عامة، وتتفرع أشكالًا وفق أذواق كل أمة … وتُعرَف هذه الطريقة الطبيعية أيضًا لأن أنغامها منسجمة متجاذبة علمية دقيقة ومتفقة مع ذلك النظام الرياضي العام الذي قال القدماء إنه يشمل كل ما حَوَتْه البسيطة …

وهنا بيت القصيد.

فالأستاذ خليل يعتقد أن تعميم هذه الطريقة العربية ممكن وواجب، وأنها متى عمَّت جميع الأمم تقاربت أذواقها وتقاربت دواعيها النفسية، وكانت الموسيقى سلمًا إلى ذلك الأوج الرفيع الذي قصرت على بلوغه دعوات الساسة والمصلحين ومذاهب الفلاسفة والحكماء.

وقد كان الكونت برنادوت سفير هيئة الأمم في فلسطين، يُعجَب بهذه الفكرة ويرجو الخير من ورائها لقضية السلام والوفاق بين هيئة الأمم؛ ولهذا أرسل كتابه إلى لجنة نوبل بالسويد، فكتبت إلى المؤلف خطابًا تقول فيه: «تسلَّمْنا نسخته مشفوعة بخط الكونت برنادوت، ونود أن نعرب لكم عن خالص امتناننا وتقديرنا لتلطفكم بإرسال هذه الهدية التي حُفِظت في مكتبة المؤسسة كذكرى ثمينة. أما بشأن عملكم فإننا نستند إلى قانون المؤسسة الذي أرسلناه إليكم، ومنه تعلمون من لهم حق الاقتراح والترشيح لإحدى الجوائز، وتأكدوا أنه حينما يتقدم كتابكم بالطريقة المرسومة وفاقًا لوصية ألفرد نوبل سَيَنَالُ كل الالتفات الذي يستحقه، وفي هذه الحال نرى أن ترجمته إلى الإنجليزية أو الفرنسية سهل جدًّا على المحكمين.»

ثم مضت على هذه الرسالة أربع سنوات، ولم يُسمَع من اللجنة خبر عن رأيها في الكتاب من حيث يستحق جائزة الأدب أو جائزة السلام.

والذي نراه أن هناك لبسًا في المسألة بين طلب الجائزتين؛ فإن جائزة الأدب غير جائزة السلام، والمحكمون في الجائزتين مختلفون؛ فالبرلمان النرويجي هو المختص بالحكم فيمن يستحق جائزة السلام، واللجنة السويدية هي المختصة بالحكم فيما يستوفي شروط الجائزة الأدبية، وتتلخص هذه الشروط في خدمة الفضيلة وتعزيز القيم الروحية والإيمان بالمثل العليا.

ولم يحدث فيما نذكر أن جائزة السلام أُعْطِيَتْ مؤلفًا في الأدب أو الفن غير مرة واحدة، فنالها السير تورمان أنجل منذ نيف وعشرين سنة؛ لأنه نشر كتبًا وفصولًا عدة تُعزِّز قضيةَ السلام وتُبيِّن مساوئ الحرب وأضرارها بالظافرين والمغلوبين.

أما القاعدة المطَّرِدة فهي توجيه هذه الجائزة إلى الساسة والقادة الذين يعملون في عامهم عملًا يُصلِح بين الأمم أو يَفُضَّ مشكلة من المشكلات الدولية، أو يؤسِّس هيئة عالية تعالج هذه المشكلات. وقد استحقَّها من الملوك قيصرُ الرُّوس نقولا الثاني، واستحقها من رؤساء الجمهوريات روزفلت وويلسون، واستحقها من الوزراء والقادة كثيرون.

ولا يُشترَط في الكتاب المُرشَّح للجائزة الأدبية أن يدور على موضوع السلام من الناحية السياسية أو الناحية الفنية، بل يكفي فيه أن يخدم قضية السلام بالواسطة، وأن يكون في منحاه عونًا على التفاؤل بالخير والثقة بالمثل العليا والإيمان بجدوى الجهاد في سبيل الكمال ويطالب الوجدان والضمير.

وربما جاء اللبس من هنا في تقديم الكتاب إلى لجنة نوبل، فحار الكتاب بين المحكمين الذين يراجعون أعمال الرؤساء والوزراء، وبين المحكمين الذين يراجعون أعمال الأدباء ونوابغ الفنون.

وإذا سُئِلْنا رَأْيَنا قلنا: إنَّ الفنَّان الذي يُعمِّم الموسيقى على أصول متقاربة تُوافِق جميعَ الأذواق وتصلح للتعبير عن شعور كل أمة، جدير ولا ريب بجائزة السلام.

ولكننا نُحِبُّ أن نُقرِّر هنا رأيًا عن خطأ شائع بين الناس؛ إذ يتناولون أسباب الحرب ودواعي السلم ومساعي الإصلاح والتوفيق.

فالشائع على الألسنة أن توحيد اللغات والعقائد والفنون يمنع الحروب ويدني الشعوب إلى الوفاق والمسالمة.

ولكننا نرجع إلى التاريخ الماضي وإلى التاريخ الحاضر، فنرى أن الحروب التي نشبت بين أمم تتكلم بلسان واحد وتدين بعقيدة واحدة لم تكن قط أقل من حروب الأمم التي لا وحدة بينها في اللغة والعقيدة.

فالحرب بين النمسا وألمانيا ليست أقل من الحرب بين النمسا وروسيا، والنزاع بين الأمم المُسْلِمة ليس أقل من النزاع بين المسيحيين وغيرهم، وليس التابعون للمذهب البروتستانتي مثلًا أقل حروبًا فيما بينهم من أتباع لوثر وأتباع البابوات، وليست العلاقات بين أمم الجنس الأصفر أسلم من العلاقات بينها وبين البيض من الآريين وغير الآريين.

ومن الجهود الضائعة محاولة التوفيق بين الأمم في اللغة أو المذهب، فما نشأت لغة يُقال إنها عالمية إلا انقسمت هي نفسها إلى عدة لهجات بعد جيل واحد أو جيلين، وما قام داعٍ إلى التوحيد بين الأديان إلا انقسمت دعوته طوائف طوائف في حياته أو بعد مماته، كما حدث في دعوة القادياني ودعوة البابا، وكما يحدث كل يوم بين أصحاب الطرق والأذكار.

فليس اختلاف اللغات والعقائد هو علة الخلاف، بل اختلاف اللغات والعقائد هو في حقيقته نتيجة لتلك العلة، وإلا فلماذا يحدث الخلاف بين لغة ولغة وعقيدة وعقيدة وتتسع بينها مسافات الخُلْف مع الزمن وعلى تفاوت الأحوال والبلدان؟!

إن السلام مطلوب والعمل له مشكور، ولكنه لا يأتي من هذا الطريق ولا يتحقق بهذه الوسيلة.

فليختلفِ الناس ما شاءوا، فهم مختلفون ولا يزالون مختلفين، ولْيَعْمَلُوا للسلم مختلفين يُفلِحوا في عملهم كما يفلحون إذا عملوا له متفقين. وسواء اتفقوا في اللغة والجنس أو لم يتفقوا، فمسألة السلام مسألة أخرى غير مسألة اللسان والسلالة.

هي مسألة المطامع والحاجة إليها والاستغناء عنها، وليست هذه في لبابها على الأقل مسألة اتفاق في القاموس أو اتفاق في شهادات الميلاد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.