يُلاحظ الصوم في الأديان الكتابية الثلاثة: الموسوية، والمسيحية، والإسلام. وليس في كُتب العهد القديم نصٌّ على الصيام في وقت معين غير صيام الكفارة يوم عاشوراء، وهو اليوم العاشر من شهر تشرين من السنة العبرية.

وقد استعان العلاَّمة المصري محمود باشا الفلكي بذلك على تحقيق التاريخ الهجري بالحساب العلمي الدقيق؛ فإن الروايات اتفقت على أن النبيَّ ﷺ دخل المدينة واليهود فيها صائمون صيام عاشوراء، فظنَّ بعضُ المتأخرين أنه كان اليوم العاشر من المحرم، ولكنه ظنٌّ ينفيه أن الهجرة كانت في شهر ربيع الأول، وأن دخول المدينة كان يوم اثنين، فلما رجع محمود باشا الفلكي إلى التاريخ العبري تبين له أن العاشر من شهر تشرين يوافق يوم اثنين، ويقابل العشرين من شهر سبتمبر سنة ٦٢٢ ميلادية، وأنه هو اليوم العاشر من شهر تشرين سنة ٤٣٨٣ عبرية.

أما أيام الصيام الأخرى عند اليهود فقد أضيفت مع الزمن، ولوحظ فيها التكفير والاستغفار في أيام المحن والشدائد، ومنها يوم هَدم الهيكل الأول وهَدم الهيكل الثاني، وغير ذلك أيام أخرى من أيام الهزيمة أو الحصار.

والصيام عندهم على درجات ثلاث: يوم كامل، ونهار كامل، ونصف نهار.

فيصومون يوم الكفارة، ويوم ذكرى الهيكل من الغروب إلى الغروب، ويصومون أيامًا غير هذين اليومين من مشرق الشمس إلى مغربها، ويصومون كثيرًا من الشروق إلى الظهر، وهو صوم نصف النهار، وكل الصيام عندهم إمساك عن الطعام والشراب.

وقد ورد عن السيد المسيح أنه صام أربعين يومًا في البرية، ولم يرد عنه أنه أمر بالصوم في وقت معين، ولكن الكنائس المسيحية تلاحظ الصيام قبل عيد القيامة خاصة. وينقسم الصيام إلى إمساك عن الطعام كله، وإمساك عن ألوان معينة كلحوم الحيوان. ومن الصيام ما يبدأ عند منتصف الليل، ومنه ما يُكتفى فيه بوجبة يومية، ولا حرج من التدخين. ويترك الخيار للصائم التابع للكنائس الغربية في كثير من الأحوال.

أما الصيام الإسلامي كما هو معلوم، فهو الصيام من الفجر إلى مغرب الشمس في كل يوم من أيام شهر رمضان.

وهذه الفريضة هي الفريضة المُثلى بين ألوان الصيام الدينية؛ لأنها تَجِيء في شهرٍ معلوم، فيشمل العالم الإسلامي كله، وتصبح هذه العبادة فيه عبادة فردية وعبادة إنسانية عامة في وقت واحد، وهي تجيء في شهرٍ قمري يختلف موقعه من فصول السنة، فلا تقتصر الرياضة النفسية على موسم دون موسم، ولا تختص بالصيف دون الشتاء، ولا بالشتاء دون الصيف. وما دام المعول في فريضة الصيام من أساسها أن نُكَوِّنَ قدرةً على ضبط النفس؛ فالأوفق أن تتقرر بموعد محدود، وألا يملك الصائم إرجاءها مع الكسل والتسويف؛ إيثارًا لوقت على وقت أو لحالة على حالة، فمِن ثم يبدو أن صيام شهر رمضان فريضة مثالية بين ألوان الصيام التي أوجبتها الأديان.

ولم تأت فريضة الصيام دفعة واحدة، بل سار الإسلام فيها على سُنَّتِهِ من التدرج والانتقال من طورٍ إلى طور: فكان النبيُّ صلوات الله عليه، في رواية السيدة عائشة، يصوم اليوم العاشر من المحرم، ويدعو المسلمين إلى صيامه منذ كان بمكة قبل الهجرة، ثم فُرض صيام شهر رمضان في السنة الثانية للهجرة، ووردت الإشارة إلى الصيام مرتين بمعنى السياحة؛ حيث جاء في سورة التوبة: () (التوبة: ١١٢)، وحيث جاء في سورة التحريم: () (التحريم: ٥)، ورجح القول في التفاسير أن المقصود بالسياحة في الآيتين الصيام، وهو معنى جميل يدل على حقيقة الصيام الجوهرية، وأنه سياحة من عالم الجسد إلى عالم الروح، فلا يكون قصاراه الإمساك عن شهوات الجسد ساعات من اليوم، ولا يزال الغالب عليه أنه سُمُوٌّ عن تلك الشهوات كأنه رحلة إلى مكان قصي منه، وانتقال من مجال إلى مجال.

تشتمل الكرة الأرضية على أكثر من ثلاثمائة مليون مسلم، إذا حسبنا المكلفين منهم بلغوا نحو ستين مليونًا من سِنِّ الصِّبَا إلى سِنِّ الشيخوخة التي تطيق الصيام، لكننا لا نبالغ إذا قلنا: إن الكرة الأرضية لا تخلو اليوم من خمسة أضعاف ذلك العدد يلتزمون الصيام طوال العام، ولا يقصرونه على شهر رمضان، ولا على الصيام الإسلامي فيه.

لا نبالغ إذا قلنا: إن العالم الإنساني يشتمل اليوم على ثلاثمائة مليون رجل وامرأة وفتى يصومون ألوانًا من الصيام، ويصبرون عليها شهورًا، أو يصبرون عليها طوال العام، على الدوام.

منهم من يصوم عن الدسم والأطعمة النشوية، ومنهم من يصوم عن السوائل إلا بمقدار، ومنهم من يقرن الصيام بصلوات جسدية لا تقصد بها الصلاة، ولكنها من باب الصلاة في التزام بعض الحركات بميقات.

ومنهم من يقنع بوجبتين، ومن يقنع بوجبة واحدة، ومن يقضي شهرًا أو أكثر من شهر على فاكهة معلومة؛ كالبرتقال أو العنب أو الثمرات المنوعة، أو عصير بعض هذه الثمرات.

يصومون ولا يقصدون العبادة والاستغفار، ولكنهم يقصدون الجمال حينًا، والصحة حينًا، والدربة الرياضية حينًا آخر، وأشدهم عناء بصيامه وقيامه من «يتعبد» في محراب الجمال.

وكُنا قديمًا نعلم أن النساء يبدأن بفريضة الصيام بعد الأربعين، وأنهن يحسبن الصيام والشباب موسمين لا يتلاقيان، وربما تحرجت الحسناء أن تجهر بالصوم لئلا يُقال: إنها ناهزت الأربعين، وإنها جاوزت السن التي تنقطع فيها للدنيا، وأقبلت على السن التي تذكر فيها الدين، وإن لم تنقطع له طوال السنين.

كانت الحسناء تحسب هذه المخالفة من الدلال الذي يُسمح به للحِسَان، وقد تحسبه دلالًا على الخالق الذي مَتَّعَهَا بالنَّضرة والشباب، وإن لم يكن من قبيل الدلال الذي تحمده منها مخلوقات الله، أو تحتمله على كل حال، وإن لم يكن هين الاحتمال.

كان هذا أيام زمان!

أما الزمان الحديث فقد عكس الآية وفرض على الحسناء صيامًا لا تبالي به في غير زهرة الشباب.

فهذا الصنف من الطعام ممنوع، وهذا الصنف من الشراب غير مأمون، وهذه الوجبة توزن بمقدار، وتلك الوجبة لا تقبل بميزان كائنًا ما كان.

وهكذا يومًا بعد يوم، وشهرًا بعد شهر، وسنة بعد سنة، فإذا حانت سِنُّ الأربعين فقد يخشى أن يقال: إنها يئست من إعجاب العيون، وتحيات الألسن، وقياس الهندام، فتمضي الكهلة في صيامها؛ كي تلزمها شبهة الشباب، ولو لقيت في سبيل هذه الشبهة جهد طاقتها من العذاب.

كان رمضانًا واحدًا بعد الأربعين، فأصبح رمضانًا كل شهر، قبل الأربعين وبعد الأربعين، ومدى السنين.

وقد دان الرجال بهذه الفريضة كما دان بها النساء، فمن كان يستثقل الصبر عن وجبة أو وجبتين، أصبح العام عنده محتملًا بغير مئات الوجبات، من شتى المأكولات المطبوخات وغير المطبوخات، وهان على ضخامة الجاه ما هان على ضخامة اللحم والشحم، فصبر الضخام على الجوع والظمأ والسفر، وصبروا على الاستشفاء لغير مرض، والتجرع بلا دواء، وظنَّ أضخمهم مكانًا وجثمانًا أنه ظافر رابح بعد هذا الصبر الطويل، إذا حسبوه من المهازيل، وهبطوا به إلى وزن الريشة بعد الوزن الثقيل.

درس في الأدب.

نعم درس في الأدب لهذه القرون الحديثة من القرن الثامن عشر إلى القرن العشرين وما سيليه.

درس لهذه القرون التي بدأت بالسخرية مِمَّن يصومون في سبيل الروح والضمير أيامًا قد تطول إلى شهر ولا تزيد عليه، فإذا بهم يصومون في سبيل الجسد أو في سبيل المظهر الذي فوق الجسد شهورًا وسنوات، ولا يضمنون القبول، ولا ييأسون من الرحمة بعد ذلك؛ رحمة الهزال والإعياء، ورحمة الاستدواء والاستشفاء.

صيام في مستشفى العلاج طلبًا للصحة، وصيام في ملعب الرياضة طلبًا للرشاقة، وصيام في كل مكان وعلى كل مائدة طلبًا للنظرة المُعجبة، والعين المُستحسِنة، ونزولًا على حكم الأزياء. وهي تختلف مع الأذواق والآراء كل صيف وشتاء، إن لم نقل كل صباح ومساء.

بعض التواضع أيُّها القرن العشرون.

كان كثيرًا عليك أن تعترف بصيام واحد، فها أنت اليوم تعترف بألوان من الصيام، وأنواع من العذاب، تارة في سبيل الأجسام، وتارة في سبيل الثياب.

درس في الأدب، وكذلك تكون الدروس والآداب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.