ولا بد من العودة إلى هذه الزيارة التي انتقل لها المندوب السامي إلى الصبرية يوم الأربعاء؛ ليشارك وزير المالية في الطعام والشاي فيما قيل، وليرى المصريين في الريف، ويراه المصريون كذلك فيما قيل أيضًا.

لا بد من العودة إلى هذه الزيارة؛ لأن حديثها فيما يظهر لم ينقضِ بعدُ، ولعله لا يريد أن ينقضي، وإن كانت الصحف على اختلافها لا تريد أن تقدرها قدرها، ولا أن توفيها حقها، من التفسير والإنكار، مع أنها من أهم الأحداث التي تمس الكرامة المصرية والشعور الوطني مسًّا مؤلمًا حقًّا.

لا بد من العودة إلى هذه الزيارة، فقد يظهر أن بعض الجهات — كما تقول الأهرام صباح اليوم — قد فطن آخر الأمر إلى أنها تستحق التفكير، وتحتاج إلى التفسير، وتدعو إلى السؤال الكثير، وكان المعقول لو أن الأمور تجري في هذا البلد على ما يريد المعقول، أن تكون الفطنة لهذه الزيارة والسؤال عما ستأخذه من الأشكال، وما سترمي إليه من الأغراض، وما ستنتهي إليه من النتائج، قبل وقوعها لا بعده، ولكن المثل الفرنسي يقول: «رب تأخُّر خير من الامتناع.»

والناس يتحدثون بأن هذه الزيارة قد كانت الأولى، ولم تكن الأخيرة، وكانت المقدمة، ولم تكن الخاتمة، وبأن جماعة من الوزراء كانوا يريدون، أو كان يراد منهم أن يسلكوا مسلك وزير المالية، وأن يظهروا ما أظهره صبري بك من أن المصريين كرام حقًّا، يعرفون كيف يضيفون كبار الناس، وكيف يهيئون لهم أحسن الاستقبال.

فإذا صح ما روته الأهرام، من أن هذه الزيارة قد أثارت بعض الملاحظات من بعض الجهات، فقد يكون في هذه الملاحظات المتأخرة ما يصرف الوزراء، أو الذين قد يسعون عند الوزراء، عن أن يذهبوا مذهب زميلهم النابغة الفذ والعبقري العظيم، وإذن فقد لا تحتاج الدولة إلى أن تمهد الأرض على حسابها في بعض الأقاليم لطيارة المندوب السامي، وقد لا يحتاج أهل الريف إلى أن يحشدوا ليستقبلوا المندوب السامي ويودعوه بالهتاف والتصفيق.

وقد لا يحتاج المندوب السامي نفسه إلى أن يستعين بالوزراء على أن يسعى إلى أهل الريف في أماكنهم، ويتفقد شئونهم، ويتعرف آمالهم وآلامهم، ويوزع بينهم هذه الابتسامات الإنجليزية التي ظاهرها فيه الرحمة، وباطنها من قبله العذاب، وقد لا يستخزي الضمير المصري أمام نفسه وأمام الضمائر الأجنبية من أن مصريين قد جمعوا وهتفوا لممثل الدولة البريطانية، التي ما تزال تغصب استقلالهم غصبًا، وتمكن لجيشها في أرضهم، وتملأ جوهم بطياراتها، وتفرض عليهم حياة لا يرضاها الشعب الكريم.

وقد يعلم الوزراء وأعوان الوزراء وأنصار الوزراء أن من الإثم أن تنطلق ألسنة المصريين بالهتاف لأجنبي بيننا وبين بلده خصومة، ما دامت هذه الخصومة قائمة، وأن من الإثم أن تندفع أيدي المصريين بالتصفيق لأجنبي بيننا وبين بلده خلاف، ما دام هذا الخلاف لم يحل، وأن من التفريط في ذات الوطن أن تقول مصر للإنجليز: ردوا علينا استقلالنا، وخلوا بيننا وبين شئوننا، وكفوا أيديكم عن أمورنا، وأن يهتف بعض المصريين، ويصفق بعض المصريين في قرية وزير مصري لممثل الإنجليز، وهم لم يردوا علينا الاستقلال، ولم يخلوا بيننا وبين شئوننا، ولم يكفوا أيديهم عن أمورنا.

قد يكون هذا كله — إن كان صحيحًا ما نشرته الأهرام من أن هذه الزيارة قد أثارت بعض الملاحظات — فالحق أننا نسأل أنفسنا ونطيل السؤال عن هذه الزيارة: كيف كانت؟ وكيف قَبِلها وزير المالية أو دعا إليها؟ ذلك أن وزير المالية لو استشار ضميره المصري لأشار عليه هذا الضمير، وهو حي من غير شك، بأن هذه الزيارة لا تلائم مصلحة مصر، ولا كرامة مصر، ولا سيما مع ما أحاط بها من الظروف والأشكال.

فالشعب المصري في خصومة مع الإنجليز، والوزير المصري — مهما يكن، وسواء أراد أم لم يُرِد — مُكلَّفٌ أن يعرف هذه الخصومة، وأن يَرعَى حقَّها، وهو في منصبه ليُدافع عن مصر، وليُقرب بينها وبين الإنجليز بالدفاع عن حقها، وبحفظ كرامتها، وبإظهارها مظهر القوي العزيز لا مظهر الضعيف الذليل.

فالوزير المصري — مهما يكن، وسواء أراد أم لم يرد — محامٍ عن مصر، لا ينبغي له أن يقصر في ذات موكله، ولا أن يفرط في حقه بحال من الأحوال، وليس من الترفع عن التقصير في ذات مصر، والتفريط في حقها بحال من الأحوال أن يدعو وزير من وزراء مصر ممثل الإنجليز إلى حيث يلقاه المصريون، طوعًا أو كرهًا، بالهتاف والتصفيق، والخصومة بيننا وبين الإنجليز ما زالت قائمة.

ولو أن وزير المالية استشار عقله، وهو كبير من غير شك، لما قَبِل هذه الزيارة ولا دعا إليها في هذه الظروف التي نحن فيها، ولما انفرد بها على هذا النحو الذي كان؛ فإن زملاءه ناس مثله يحسون ويشعرون، ويفكرون ويسألون عما كان، وعما يمكن أن يكون، وما نظن أنهم قد ذاقوا هذه الزيارة كما ينبغي أن تذاق، وأساغوها كما ينبغي أن تساغ، وهضموها كما ينبغي أن تهضم؛ فإن ابتداء وزير المالية بها، وإعراضه عن دعائهم — كلهم أو بعضهم — إليها، ليس من شأنه أن يرضيهم، وليس من شأنه أن يملأ قلوبهم ثقة وأمنًا واطمئنانًا.

ثم لو استشار وزير المالية عقله أيضًا؛ لأشار عليه هذا العقل الكبير بأن الظروف التي نحن فيها تفرض على الوزراء وأشباه الوزراء أن يرعوا أقصى ما يستطيعون من الدقة والاحتياط فيما يكون بينهم وبين الإنجليز من الصلات، فحديث الإنجليز عن العهد الكرومري كثير جدًّا في هذه الأيام، ويرددونه في مصر، ويرددونه في إنجلترا، ويأتون من الأعمال ما يدل على أنهم يريدون الجد ولا يريدون الهزل.

والعهد الكرومري معروف، معروف في جملته وتفصيله، قوامه تسليط القوة على مصر، وأخذها بالحزم من غير تفريق بين مصر الشعبية ومصر الرسمية، بحجة إنقاذ الشعب من ظلم الحكام، وحماية الشعب من طغيان السلطان، ونظن أن وزراء مصر، سواء أكانوا من أنصار الشعب أم لم يكونوا، لا ينبغي لهم وهم وزراء أن يعينوا من قريب أو من بعيد على إعادة هذا العهد الكرومري أو تقريبه، أو على أي عمل من شأنه أن يخيل إلى الناس أن هذا العهد قد عاد، أو أنه يوشك أن يعود.

في ذلك تفريط في حق مصر، وفي ذلك إساءة صارخة إلى مصر الرسمية، وإلى مصر الشعبية، فكلتاهما تكره أن يعود العهد الكرومري، وكلتاهما ترى من الذلة والهوان أن يعين أي مصري على أن يعود هذا العهد. ووزير المالية رجل ذكي، وهو يفهم عنا حق الفهم ما نريد أن نقول، وهو يوافقنا من غير شك على أنه لو استشار ضميره لصرفه عن هذه الزيارة، ولو استشار عقله لصرفه عن هذه الزيارة، ولو استشار منفعته المحققة الدائمة لصرفته عن هذه الزيارة أيضًا.

فقد يكون في هذه الزيارة شيء من الجاه الظاهر، وارتفاع الشأن العارض، ولكن الحكماء يفكرون في غدٍ وفي أمس أكثر مما يفكرون في اليوم.

وبعد، فإنا نرجو أن يكون صحيحًا ما تحدثت به الأهرام من أن هذه الزيارة قد أثارت بعض الملاحظات، ونرجو بنوع خاص أن تقع هذه الملاحظات موقعها الذي ينبغي لها من نفوس الوزراء جميعًا، فيعلموا أن الصلة بينهم وبين دار المندوب السامي يجب أن تقوم على الدقة والفطنة، وعلى الحذر والاحتياط.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.