قد تكون عناوين الأبحاث العلمية في بعض الأحيان مخيفةً بعض الشيء، على سبيل المثال: أقرأ حاليًّا بحثًا بعنوان «أغشية لحافية متعددة الوظائف وثلاثية الأبعاد من أجل قياسات قلبية زمكانية وتحفيز للقلب يمتد عبر نخاب القلب بأكمله».

جورب للقلب.
جورب للقلب.

أو بعبارة أخرى: جوارب كهربائية للقلب.

ابتكر فريق من العلماء — بقيادة جون روجرز من جامعة إيلينوي إربانا-تشامبين — شبكة من الإلكترونيات يُمكن أن تُغلِّف قلب الشخص الحي، وتقيس كل شيء من درجة الحرارة إلى النشاط الكهربائي. وهي عبارة عن غلاف فائق الرقة يشبه الجلد، ويبدو مثل شبكة من مربعات سوداء صغيرة تتصل ببعضها عبر أسلاك على شكل حرف S. تحيط الشبكة بالقلب على نحو محكم، وتلائم شكله، إلى جانب كونها رقيقة ومرنة، وتقيس دقات القلب دون إعاقتها مطلقًا.

تهدف هذه الشبكة إلى مراقبة القلب مراقبة تفصيلية غير مسبوقة، واكتشاف أنماط النشاط الكهربائي غير الطبيعية التي تسبق الأزمات القلبية. ومع الوقت قد تتمكن كذلك من التدخل عبر منح القلب دفقات كهربائية.

ظهرت «الجوارب القلبية» منذ ثمانينيات القرن العشرين تقريبًا، لكن نماذجها الأولية كانت جوارب بالمعنى الحرفي للكلمة؛ إذ كانت عبارة عن أغطية قماشية تشبه في شكلها شكل القلب، وتحوي أقطابًا كهربائية تم تثبيتها في أماكن محددة من خلال حياكتها. اتَّسمت تلك الأجهزة ببدائيتها، وكانت الأقطاب الكهربائية تلقى صعوبة في الاتصال الملامس للقلب على نحو لا يحدث به أي تغيير؛ إذ إنه من المعروف عن القلب أنه عضو دائم الحركة.

تمكنت الجوارب الجديدة من حل تلك المشاكل، وتطلب تصنيع هذا الجورب قيام طالبَي الدراسات العليا: ليجور شو، وسارة جوتبرود، بإجراء مسح للقلب المستهدف، وطبع نموذج ثلاثي الأبعاد له، ثم صياغة الإلكترونيات وفقًا للخطوط الخارجية للنموذج، يعقبها إزالة تلك الإلكترونيات ووضعها على القلب الحقيقي. وقد صمم الطالبان الجورب بحيث يكون دائمًا أصغر قليلًا من العضو الحقيقي. وهكذا يحتوي القلب تمامًا على نحو مُحكَم، ولكن دون تقييده على الإطلاق.

يأتي ذلك كله جزءًا من خط الإنتاج المذهل للإلكترونيات المرنة والقابلة للتمدُّد الذي ابتكره روجرز. تتكون الأجهزة التي يبتكرها في معظمها من المواد المعتادة الصلبة الهشة، مثل السليكون، إلا أنها تتجنب الزوايا القائمة والأسطح المستوية التي نراها في الإلكترونيات التقليدية، وتتسم بكثرة المنحنيات والمرونة التي تميز الأنسجة الحية. وقد تناولت في مقالاتي اختراعه للشرائح الإلكترونية التي تشبه الوشم، والكاميرات المحدبة التي استوحاها من أعين الحشرات، بل وحتى الأجهزة الإلكترونية القابلة للتحلل مع الوقت.

يعتبر الجورب القلبي مثالًا نموذجيًّا على تلك الأجهزة؛ إذ تحتوي المربعات السوداء بالغة الصغر على عدد من المجسات المختلفة التي تحدد درجة الحرارة، والضغط، ودرجة الحموضة، والنشاط الكهربائي، بالإضافة إلى صمامات ثنائية مشعة للضوء (تبعث تلك الصمامات ضوءها عبر صبغات حساسة للجهد الكهربائي، والتي تبعث بدورها أضواء مختلفة الألوان بناءً على نشاط القلب الكهربائي.) وفي الوقت نفسه تتيح الأسلاك المرنة — التي تشبه حرف S وتصل بين تلك المربعات — للشبكة التمدد أو الانثناء دون أن تتمزق. وهكذا تتمدد الشبكة وتنقبض مع تمدد القلب وانقباضه.

حتى الآن، اختبر الفريق جهازه على قلوب أرانب تم عزلها، وعلى قلبٍ واحدٍ من متبرعٍ متوفًّى. وبما أن تلك الأعضاء كانت موصولة بمضخات اصطناعية، كان في وسع الفريق تغيير درجة حرارتها أو حمضيتها عن عمدٍ؛ ليروا ما إذا كانت تلك المجسات ستتمكن من التقاط التغييرات. وقد كان بالفعل؛ حيث استشعرت تلك المجسات تحوُّل ضربات القلب المنتظمة إلى اختلاجات غير منتظمة.

يعتقد روجرز أن الاختبارات على المرضى الأحياء ستُجرى قريبًا، بل إن الأطباء الذين يعمل معهم أكثر تحمسًا منه للإسراع في خُطى البحث. يعلق روجرز على ذلك قائلًا: «نحن علماء نتمتع بطريقة تفكير حذرة للغاية، بينما لدى الأطباء مرضى يُحتضَرون؛ لذا هم على استعداد كبير لتجربة تقنيات مفيدة.»

يكمن التحدي الرئيسي في إيجاد وسيلة لتزويد الجهاز بالطاقة على نحو مستقل، والتواصل معه لاسلكيًّا، حتى يتسنى زرعه داخل الجسم لفترة طويلة. وفي نهاية المطاف، يرغب روجرز كذلك في إضافة مكونات إلى الجهاز تستطيع تحفيز القلب، بجانب تسجيل ما يصدر منه، وإصلاح أية اضطرابات شاذة، وليس فقط التنبؤ بها فحسب.

يقول رونالد برجر، الباحث في مؤسسة جونز هوبكنز الطبية: «إنه إنجاز رائع وتقدم عظيم في علم المواد.» غير أنه يتشكك حيال فائدة الجهاز في تشخيص أمراض القلب أو علاجها فيضيف: «لا أرى بوضوح التطبيق العلاجي لتلك المجسات. ربما يوجد علاج ما يكون التطبيق الأمثل له من خلال المعايرة الدقيقة باستخدام المجسات المتقدمة، لكني لا أعرف بالضبط ما هو ذلك العلاج.»

لكن برجر يضيف أن ذلك الجورب يعدُّ تقنية واعدة جدًّا كأداة بحثية، ويتفق معه بعض العلماء الآخرين الذين تواصل معهم في هذا الشأن. فرغم كل شيء، يستطيع العلماء استخدام الجهاز لتحقيق ما لا تستطيع التقنيات الأخرى تحقيقه؛ ألا وهو قياس نشاط القلب الكهربائي وتغيُّراته المادية ومقارنتها عبر تقنية تغطي سطح القلب بالكامل، وكل هذا يجري وقت حدوث هذا النشاط.

An Electric Sock for the Heart by Ed Yong. Not Exactly Rocket Science. February 25, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.