أخرجت لجنة النشر للجامعيين كتابًا جديدًا للأستاذ عبد الحميد جودة السحار، في «بلال — مؤذِّن الرسول»، وهو ثاني كتاب له في التراجم الإسلامية، أما الأول فكان موضوعه «أبو ذر الغفاري»، وقد كتبنا عنه في حينه ونوَّهنا به وناقشنا بعض ما جاء فيه.

وقد جرى الأستاذ السحار في كتابه الجديد على نهجه في كتابه الأول، فهو لا يسرد الترجمة سردًا كأنما يتحدث عن مادة جامدة لا تحس ولا تدرك، بل يحاول أن يصور حياة المُترجَمِ له، ويفيض عليها الحركة والشعور والإدراك، ويرسم ما يحدث من التفاعل بين صاحبها وما يحيط به.

وقد صوَّر حياة بلال مذ كان في جاهليته لا أكثر من عبد «أسود اللون، طويل نحيل، خفيف العارضين، ضامر الوجه، كثيف الشعر» يعمل في تجارة مولاه أُميَّة بن خلف، ويقدم القرابين إلى هُبل في الكعبة، ويتقبل ما يخرج من ضرب القداح إلى أن أسلم في فحمة الليل على يد الصديق أبي بكر، وكيف ثبت على الإسلام على الرغم من التعذيب الذي صبَّه عليه سيده، حتى اشتراه أبو بكر لينقذه وأطلقه، ثم كانت الهجرة، والأذان يتولاه بلال بأمر رسول الله، وهكذا إلى النهاية، أو ختام ترجمة الرجل.

ولهذه الطريقة مَزيَّتها الواضحة، فليس كل الناس سواء في طلب التاريخ والرغبة في الاطِّلاع عليه، وكثيرون يزهدون في كتب التراجم، ولكنها إذا سيقت على نحو ما تُساق القصة وطبعت بالطابع الإنساني صارت أخفَّ محملًا وأسهل مطلبًا على القارئ، وأبعد وأخلى مما يستثقل أو لا يطيب له أن يقرأه، فإن الناس شكول، ولكن هذه الطريقة ليست بالسهلة الهيِّنة على الكاتب؛ لأنه يحتاج أولاً إلى ملء فراغ كبير بخياله، إذ كانت كتب التراجم العربية قلما تفيض أو تسهب، وحتى حينَ تفيض تترك كثيرًا مما يشتهي ابن زماننا هذا أن يقف عليه من تفاصيل الحياة، وما أقل ما كتب عن بلال بالقياس إلى غيره، ولم يكن هذا عن ظلم له أو استخفاف به، ولكن أعطى كل امرئ حقه.

ثم إن الكاتب يحتاج وهو يجري على هذا النهج أن يحيط بسِيَر الكثيرين ممن عاصروا المُترجَم له واتصلوا به وكان لهم شأن أو أثر في حياته، ويحتاج أيضًا أن يتصور الحياة في ذلك العصر على نحو أوضح مما يُستفَاد لأول وهلة من التراجم القديمة ليتسنى له أن يُجري حياة المترجَم له مجراها الطبيعي أو القريب من الطبيعي، ويحتاج أخيرًا إلى تحرُّز كثير حتى لا يدفعه إلى عمل أو يقوِّله قولاً ينافي المأثور أو يخرج عما يُنتَظر منه، إذ كان لا يكتب قصة يؤلفها أو يتخيلها، وإنما يرسم صورة حياة بألوان هي أقرب ما تكون إلى الألوان الحقيقية.

فالمشقة التي يتكلفها الكاتب غير هينة على خلاف القارئ فإنه يقرأ ما يشبه القصة، ويخرج منها بفوائد جزيلة، وترتسم في ذهنه للمترجَم له ولعصره صورة حية، ويتأثر — حتى من غير أن يفطن إلى ذلك — بالروح التي بثَّها الكاتب في كتابه وهو يسوق الحوادث.

ومن الغريب أن الأستاذ السحار من خريجي كلية التجارة، ولكنه مع ذلك مَعنِي عناية شديدة بالأدب والتاريخ قراءةً ودرسًا وتأليفًا، فهو مؤلف قصصي وكاتب تراجم على نحو ما وصفنا، وقد آثر إلى الآن أن يكون من يترجم لهم من رجال الصدر الأول من الإسلام، ويدل اختياره لأبي ذر أولاً ثم لبلال ثانيًا على أن أهل الورع والتقوى أوقع في نفسه وأقرب إلى روحه من غيرهم من رجال العمل الذين ساسوا أمور الأمة، أو قادوا جيوشها، أو تولوا الأعمال لها في دولتها التي اتسعت رقعتها بسرعة خاطفة، وإن كان هؤلاء لا يقلُّون تقوى عن أولئك.

ولسنا نحب أن يفهم القارئ أنَّا نفضل نهجًا على نهج في كتابة التاريخ أو التراجم، أو نرى أحدها أولى بالاتباع، فلسنا نذهب إلى شيء من هذا والتاريخ يُكتب على صورٍ شتى وأساليب مختلفة، ولكل أسلوب قيمته ومزيَّته، ونفعه، ولزومه أيضًا، فإن القُرَّاء يختلفون، ويتفاوتون، وليس هواهم جميعًا واحدًا، ولا الذي يوافق بعضهم يوافق البقية؛ فاختلاف الأساليب يتيح لكل فريق ما يوافقه ويجري مع هواه، والشرط هو الصحة والسداد، وتحري الحقيقة والتزامها كائنًا ما كان الأسلوب الذي تُروى به.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.