دائمًا وأبدًا ما يتزوَّد مركز الإحساس بالمخ مجدَّدًا بأحاسيس وفيرة. وكما قال حيوان الزغبة في «أليس في بلاد العجائب»: الحياة وفرة. إذا رغبت في إثارة جنون أحدهم، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، أغلق عليه النوافذ وأسدل الستائر على حواسه، فعندما يكون المخ محرومًا، سيأكل نفسه.

ولكي يُعاد ملء المخ بالخبرات مرةً أخرى، يجب أن تكون الخبرات قابلةً للتخلص منها؛ فالكوب يجب إفراغه لكي يُملَأ مرةً أخرى. معظم ما نراه ونسمعه ونشمُّه ونلمسه ونتذوقه، ومعظم ما نقوله ونفعله، سريعًا ما يُنسَى؛ فالخبرات تتلاشى، مخلِّفةً وراءها أثرًا مشوشًا على أقصى تقدير في الذاكرة. فالأكثر أهميةً هو ما يحدث الآن وليس ما حدث في الماضي.

إن تلاشي الخبرات لمتعة. الجمال عابر ومتنوع المشارب، متقلِّب وتشوبه بعض الشوائب، والحيوية حركة، ولكن في دائرة التلاشي والتجدُّد تلك التي لا تتوقف، تكمُن الكآبة أيضًا، وهو شعور سابق لوداعنا الأخير. يوجد جزء من العقل يتمرد، ويرغب في حفظ كل شيء، وتكديس الخبرات كنوع من الحواجز ضد الفناء، وهذا لا ينجح؛ فسِجِلُّ الخبرات يصبح سِجِلًّا للفقدان والاضمحلال، فيتحول كلُّ تذكار إلى تذكار بالموت. فالمخ حين يكدس الذكريات يكتنفه الحزن.

قدرتنا المكتشَفة حديثًا على تحويل الخبرات اليومية إلى بيانات مخزَّنَة تزيد من الضغوط؛ فهي تزيد التوتر بين القابلية الطبيعية والضرورية للتخلص من الخبرات والرغبة التي لا طائل منها رغم تفهُّمنا لها، لجعل الخبرات دائمةً وعدم التخلي عنها أبدًا. ويحيط المغرورون والأنانيُّون أنفسهم بآلات التصوير والميكروفونات والماسحات الضوئية، ويقضون حياتهم في تسجيل كلِّ شيء؛ فخبراتهم بطبيعتها لا تُقدَّر بثمن، فعلى غرار سبائك الذهب، يجب أن تُحفَظ كلُّ واحدةٍ منها في خزانة محصَّنة.

غريبو الأطوار وحدهم هم مَن يصلون لهذه التصرفات المتطرفة، فتسجيل الحياة هي النزعة التي لم تحدث قط، ومعظمنا يشعر بالسعادة بأن الخبرات قابلة للتخلُّص منها. نحن نرغب في الخبرة التالية وليس السابقة. وحتى بالنسبة للأشخاص الذين يُخرِجون هواتفهم دائمًا لالتقاط الصور، أو تصوير مقاطع الفيديو، أو إرسال رسائل نصية أو تغريدات أو تدوينات، أو يشاركون لحظات حياتهم بأي طريقة أخرى، فإن السعادة تكمن في عملية التسجيل نفسها وليس في الحدث المسجَّل. وفعل التسجيل نفسه خبرة قابلة للتخلُّص منها، وكذلك أدوات التسجيل والمشاركة؛ فهي تصبح قديمة.

هذه مشكلة لمشغلي الشبكات الاجتماعية أو الذين يستفيدون ماديًّا من احتفاظنا بالتسجيلات؛ فلا يرغبون إلا في تحويلنا إلى أشخاص حزَانَى مثقلين بالذكريات، وجعلنا نهتم بتسجيل الخبرة بنفس قَدْر اهتمامنا بالخبرة ذاتها. يريدون أن نعيش بأثر رجعي، أن نفكِّر في حياتنا باعتبارها «خطًّا زمنيًّا»، ولكننا نصيبهم بالإحباط، فنشعر بالملل من التسجيل، فننطلق نحو الخبرة الجديدة والأداة الجديدة، وكلما زادت قابلية التخلص منها، كانت أفضل؛ رسائل فورية، مدونة، رسالة نصية، تغريدة، صورة متحركة، منشور مُثبثٌّ، إنستجرام، لقطة فوتوغرافية، مقطع فيديو. كلمات وأصوات وصور ذهبت أدراج الرياح، كانت موجودةً واختفت.

لا يمكنك حبسنا، مهما حاولت جاهدًا؛ فخططك كئيبة، ومحكوم عليها بالفشل.

Disposable Experience: A Celebration by Nicholas Carr. Rough Type. June 20, 2013.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.