أستأذن صديقي الدكتور طه حسين في حيدان جديد عن محجة الواجب الذي تفرضه الأمانة التي يحملها العلماء — غيري — فما للأطفال الكبار، من أمثالي، صبر على الجد الصارم، ولا للجهال المساكين، من أمثالي أيضًا، طاقة على الوعور والحزون، والحفر والنقر، التي يعانيها السائر على درب العلماء، كان الله في عونهم، وحمانا مزالق البحث، ولا ورَّطنا في مآزق التحقيق، ولا كتب علينا الغرق في هذه اللجج الراغية! وهبنا لا نغرق في هذا البحر العظيم؛ فهل يدخل في طوق سمكة صغيرة أن تغاطس حوتًا مهولًا؟ وماذا يكون من أمري إذا بلعني الحوت وألقاني في جوفه المظلم؟ لقد كان يونس — عليه السلام — قويًّا متين الأسر فوسعه أن يقاوم ويناضل وينافح في بطن الحوت، حتى أنجاه الله سبحانه بفضله وكرمه وقدرته، فخرج سالمًا غير مهضوم، أما أنا فلست بنبيٍّ ولا أعرف لي كرامة، وهب لي كرامة في بعض قومي، فأي كرامة لي عند الحيتان؟ وآه من معدتها حين تقبل عليَّ وتقلِّبني كما يقلَّب الخروف على نار الشواء، وتذيب جلدي الرقيق، وتطحن عظامي الهشة، وتُفْنِي مني طبقة بعد طبقة، فأرتدُّ غير شيء كما كنت قبل أن يستدرجني أبواي — عفا الله عنهما — إلى هذه الدنيا التي تغص بحارها بالحيتان التي تبلع الأنبياء، وأجمها بالسباع الجائعة، وبقيتها بالكلاب النابحة والحمير الناهقة.

وفي مرجوي أن لا يتبعني الدكتور طه في هذه المرة، فقد جشَّمني تعقُّبُه لي مشقةً وعناءً، وحمَّلني نصبًا كثيرًا وبلاءً عظيمًا، وأخجلني فقرأت كتابًا طويلًا عريضًا؛ فورمت عيني، ونحل جسمي، ونشف دمي، وتحطَّم رأسي، فأنا بالراحة خليق وبأن أستجمَّ حقيق، وقد ضمنت حلم الدكتور زكي مبارك ووثقت من إمهاله لي، حتى تثوب روحي التي كادت تزهق، وتنتظم أنفاسي التي بهرها الجري وراءه في هذه الفيافي والموامي، ويا ما أقدره على العَدْو، وأبرعه في الوثب، وأعرفه بالمسالك والمخارم والدروب والمضايق! ويا ما أثبت رجله فوق الصخور المشرفة على المهاوي، وأحذق قدمه في مواطن الزلل! وقاتل الله العرج؛ فإن لي رجلًا واحدة أطلع بها، وله رجلان سليمتان يستقيم عليهما، ويضرب بهما، وتسند كل واحدة منهما أختها، وما عسى صبر ذي العرج على جري السليم!! فهو خليق أن ينظرني حتى أبلع ريقي وأفيق، وأحب أن أضمن من الدكتور طه إغضاءه عن توثُّبي، وانجرافي عن الطريق الذي يحتم عليَّ أن أضرب في حزونه بعرجي وضعفي.

ثم إني مُزمع أن أطير — في هذا المقال — إلى فلسطين؛ فقد ورد عليَّ منها أن «أبا جلدة» قبض عليه الشرطي هناك وهو نائم في كهف في جبل أشم، من جبال نابلس، فحزنت عليه وأسيت له، ولم يبق لي عقل لزكي مبارك أو «النثر الفني»، وكيف يسعني أن أفكر في «النثر الفني» و«أبو جلدة» عانٍ أسير!! و«النثر الفني» حر طليق، ينعم بالهواء والقبول والرضى والحمد، وقد أثنينا عليه ببعض ما هو أهل له، فلا بأس عليه إذا تركناه يجترُّ الثناء إلى مثل اليوم من الأسبوع القادم، وذاك أصح له، فإني أخاف عليه التخمة، وأشفق عليه من عواقب الكظة، أما أبو جلدة ففي الوثاق. فهو إلى الغوث أحوج، وبالنجدة أولى، ولو كان الدكتور زكي مبارك يعرفه كما عرفته لصاح بي من كرم النفس: «اذهب إليه فما هذا بيوم الكتب.» ولو كان الدكتور طه يعرفه معرفتي لتمنى أن يكونه ولا يكون أوحد العلماء، ولو كنت أنا في فلسطين حين كبَّلوه، لتسللت فدخلت في وثاقه وحللته عنه.

أي والله يا ناس، أبو جلدة خسارة! وإني لأكاد أنقم عليه من فرط الجزع، فقد كنت أرجو أن يطول خروجه على حكومته لتكثر المادة عندي لرواية أكتبها عنه! ولكنه وثق واطمأنَّ فأُتي من مأمنه، وأبى إلا أن ينام!! سبحان الله العظيم! وهل هذا وقت النوم يا سيدي!! وماذا أصنع أنا الآن؟ وكيف أتم روايتي؟! ويقول النبأ الذي جاءني إنه كان نائمًا نومًا عميقًا هادئًا، ولكني أشك في ذلك، وأكاد أوقن أنه كان يغطُّ ويشخر شخيرًا عاليًا سمعه الشرطة والجند فأقبلوا على أنغامه، لتفسد روايتي ويحبط سعيي ويضيع عليَّ جهدي. وإذا لم يكن الأمر على ما أتصور، فأين ذهب الكلب الذي لم يكن يفارقه؟

فقد كان لأبي جلدة كلب صغير، ولم يكن يتركه يغيب عنه لحظه، وكان إذا نام ربطه إلى رسغه بخيط أو سير، فإذا لمح الكلب قادمًا تحرك، فيستيقظ النائم ويتناول بندقيته، ويتربص وراء صخرة، حتى يتبيَّن، فإذا كان الطارئ من الأولياء، لم يصنع شيئًا، وإلا سدد البندقية إلى قلبه وشد الزناد، فيتطرح الواغل الثقيل إلى أقرب صخرة فتدفعه عنها كارهةً له، إلى أخرى تحتها، فترده الثانية عنها بصكة في صدره تنطبق لها أضلاعه، وتتلقاه الثالثة بلكمة في رأسه تفتت عظمه وتتناول الرابعة قدمه وتدليه منها وتقول له ملاطفة معزية: «استرح يا صاحبي عندي لحظة، فقد أجهدك اللعب بين الصخور، وتملَّ بالنظر إلى هذه الهاوية السحيقة، فإنها تبدو جميلة من هذا المرقب العالي.» وبعد أن يأخذ حظه من الراحة، يشيع في نفسه الإحساس بجمال الوادي فيحن إلى قربه، وتشعر الصخرة العطوف بوجيب قلبه وصبوة فؤاده، فتخلي رجله فيهوي إلى قاع الوادي، ويبقى هناك ناعمًا بالقرب والوصل، وأبو جلدة يرنو معجبًا ويتأمل مغتبطًا بما أعانه الله عليه من التوفيق.

وأبو جلدة رجل حذر، فكيف تأتَّى أن ينام هذه النيمة العميقة التي لم يفتح منها عينه إلا على القيد؟ ومن حذره ما حكوه من أن نفرًا من الشبان أعجب به، وافتتن بشجاعته وحسن بلائه وحلاوة فكاهته، فأرادوا أن يلحقوا به ويخرجوا معه، فأبى وردَّهم ردًّا جميلًا؛ لأنه خشي أن يفشو عليه الأمر إذا كثر أتباعه، وأن يذيع سره فلا يبقى له أمن أو دعة.

ومن حذره أيضًا أنه اشتهى يومًا أن يأكل «الكنافة» وهي معروفة مشهورة، وأهل نابلس حذاق في صنعتها، ونحن في مصر نصنعها ونتقنها، وأعني أهل بيتي أنا، وقد بلغ من إتقانهم — أي أهل بيتي — لها وبراعتهم فيها، أن الناس يكونون مارين في الطريق فتسطع أنوفهم رائحتها المغرية فيتريث المعجل ويقف المتمهِّل، ويذهل المكروب عن همه، وينسى الواجد وجده، ويَشْدَه الذي فقد ماله عما صار إليه من الفقر، وتتسلى التي ثكلت واحدها، وتراهم جميعًا قد اصطفُّوا وحوَّلوا أنوفهم إلى نوافذ بيتنا، وجعلوا ينفخون صدورهم من قوة الشم وعظمه، ويقولون بعد أن يفرغوا صدورهم من الهواء استعدادًا لشمة أخرى أعظم وأقوى: «الله!»

وأكون أنا ناظرًا إليهم من النافذة — فما أقوى على ترك الدار في يوم الكنافة مخافة الهجوم والسطو — وأرى نشوتهم بأرج كنافتنا فأهز رأسي مسرورًا، وأقول: «معذورون والله فكيف لو ذقتموها يا محرومون؟»

وأمضي إلى الباب فأحكم الرتاج!

ولسنا نصنعها الآن؛ فقد مات أبي وأنا طفل وماتت أمي منذ عامين وبعض عام، ومات صهري وحماتي، أيضًا، فكل من في البيت حزين يلبس السواد ولا يطعم الحلواء، وسيموت لي جيران ثقلاء بإذن الله وأمره ولا نصنعها فلا يطمع أحد في أكلها عندنا.

ولكن كنافة نابلس فوق هذا كله. فتأمل! ولا قِبَلَ لي بوصفها، ولكني أقول إن كل جارحة فيك تنقلب معدة حين تجيء الكنافة النابلسية، بل مسام الجلد نفسها تتَّسع وترحب وتصبح أفواهًا، فإذا أقبلت من بعيد محمولة في الصحفة الكبيرة، على أيدي الخدم، وثب الجالسون إلى أقدامهم ورفعوا أيديهم و(كبروا)، ثم عكفوا عليها وهم كما يقول ابن الرومي:

والعداوات تستعر والخصومات تتفاقم على موائد الكنافة النابلسية، وما رأيت في فلسطين عامة ونابلس خاصة قومًا متحابِّين جلسوا إليها إلا قاموا وهم ألدُّ الأعداء، والكلام على مائدتها قلة أدب وضعف ونقص في المروءة، وحماقة لا دواء لها، وبلاهة وقلة عقل، وعند أهل الغرب مثل يقول: «زر روما ولتمت بعد ذلك.» ولكن أهل فلسطين يقولون: «كل كنافة نابلس، ولتمت إذا شئت بعد ذلك.» يعني أن الذي يأكلها يذوق لذات الحياة كلها فلا زيادة بعد ذلك لمستزيد.

وأعود إلى أبي جلدة، فأقول إنه اشتهاها مرة — ومن ذا الذي لا يشتهيها! — وهو معتصم بجبال نابلس، فلقي في بعض الطريق رجلًا يعرفه ومعه ابنته، فكلفه أن يجيئه بصينية منها، واستبقى الفتاة، وقال لصاحبه: «هذه فتاتك معي، وسأكون على رأس الجبل أنظر، فإذا عدت ومعك أحد، أو بدا لي منك ما يريبني، فسأذبحها تحت عينك.»

وعاد الرجل بالكنافة، فقال له أبو جلدة: «دونك يا صاحبي، كل نصفها.»

وامتنع هو حتى أتى الرجل على النصف، وانتظر ساعة؛ فلما لم تظهر على الرجل أعراض التسمم، دفع يده فالتهم الباقي.

وباعة الصحف في فلسطين يسمونه «الملك أبو جلدة»؛ لأن الحكومة عجزت عنه، وقد سيرت عليه قوات شتى كبيرة فما صنعت شيئًا ولا نالت منه منالًا؛ لأن منطقة نابلس جبلية وعرة، والطريق يكون على جانب الجبل، والجبال الأخرى تشرف عليه، ففي وسع فئة قليلة أن ترد جيشًا لجبًا، وكنا نرى الجنود والشرطة يرابطون عند مداخل المنطقة ولا يجرءون أن يتوغلوا فيها، وكانوا لما وقع في قلوبهم من رهبة أبي جلدة، يفزعهم كل صوت مباغت، وما أكثر ما كنا نراهم مختبئين وراء الصخور — حتى عند المداخل — وخيلهم مشدودة على جانب الطريق، فما يدرون ما يصيبهم من أبي جلدة إذا تعرضوا وانكشفوا له. ولم يكن أبو جلدة يسيء إلى الأهالي، وإنما كان خروجه على الحكومة، وكان الأهالي لهذا يعطفون عليه ويكتمون ما يعلمون من أمره، وكان هو يركب الشرطة بالدعابة العملية، فيبعث بالكتب إلى رؤساء الشرطة يتحدَّاهم أن يخرجوا للقبض عليه، وحدث مرة أن كان نفر من الشرطة عليهم ضابط مرابطين في مخفر، وكان الضابط جالسًا إلى مكتبه في الغرفة، والرجال بسلاحهم على الطريق، فما راعهم إلا ظهور أبي جلدة وصاحبه لهم فقال: «لا تخافوا فأنتم في حماي، هاتوا هذا السلاح.»

وناول صاحبه السلاح وتركه معهم ودخل على الضابط وقال وهو يسدد إليه البندقية: «ارفع يديك.»

وجرده وأوثقه وتناول السماعة، وطلب رئيس الشرطة، فجرى بينهما حديث كهذا:

– السلام عليكم.

– عليكم السلام. من؟

– مخفر البوليس.

– هل جد شيء؟

– نعم.

– ماذا؟

– أبو جلدة في المخفر.

– إيه …؟ تقول إيه …؟

– أبو جلدة في المخفر.

– قبضتم عليه؟! سأحضر حالًا.

– لا. لم نقبض عليه.

– سأحضر حالًا بقوة كبيرة.

– هو قبض علينا.

– إيه..؟ ماذا تقول؟

– أقول إن أبا جلدة قبض على المخفر.

– كيف؟ أنت مجنون …

– لا، بل أنا أبو جلدة.

– يا خبر أسود …

– السلام عليكم.

وكان كفه الأذى عن الناس، واقتصاره على مناوأة الحكومة، وفكاهته، وشجاعته وحسن تدبيره، كل ذلك كان يحبِّبه إلى أهل فلسطين، ويجعله في نظرهم أشبه «بروبين هود» ذلك الخارج العظيم الذي اشتهر في القرون الوسطى في إنجلترا، ولو طال عهد خروجه ولم يقبض عليه، لتحول شيئًا فشيئًا، من شقي هارب من القانون إلى وطني متمرد على حكم أجنبي، وكانت عناية الصحف به وتلوينها أخباره بهذا اللون، كفيلة بأن تحدث هذا التحول؛ لأنه كان مواظبًا على قراءتها، لا يفوته منها شيء، ولو تم هذا التحول لكان حادثًا يذكر في تاريخ الحركة الوطنية في فلسطين، وهذا ما كنت أتطلع إليه وأترقبه، من أجل روايتي، ولكنه شاء أن ينام، ولو أنه مات أو قتل لعذرته، ولكنه نام!! تصور هذا!! فأنا لذلك عاتب عليه متعجب له، ولولا حبي له وأُنسي بالتفكير في شخصيته لنقمت عليه وسخطت ولعنت. وقد كنت أفكر في زيارة أخرى لفلسطين لعلي أستطيع أن ألقاه وأجالسه وأحادثه، فالآن لا لقاء ولا حديث؟ لأنه نام، بففف!

والاعتقال خاتمة لا أكتم أبا جلدة أنها لا تعجبني، ولا تليق به، ولا تصلح لروايتي، فليعذرني إذا رفضت هذا المصير، ولم أعترف به في الرواية، وإذا كان لا يروقه اختراعي فالذنب له. ومن قال له إن النوم يجمل به؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.