مجلة «لايف» الأمريكية من كبريات الصحف الأسبوعية في العالم، ومن أعظمها أثرًا في اتجاه الرأي العام الأمريكي، ولها أثرها كذلك في اتجاه الرأي العام العالمي، وقد نشرت أخيرًا مقالًا عن الإسلام أشارت فيه إلى ما يلمسه الإنسان في جميع أنحاء العالم العربي الإسلامي من نهضة تسميها المجلة صراعًا بين العقيدة الإسلامية والحضارة الغربية، وتصفها لذلك بالتوتر الذي أدى إليه هذا الصراع، كما أشارت إلى المركز الاستراتيجي الخاص الذي يشغله العالم الإسلامي الممتد في أفريقيا وآسيا من المحيط الأطلسي عند مراكش إلى حدود الصين في الشرق الأقصى، والمتغلغل في بعض الجمهوريات السوفييتية وبعض بلاد العالم الديموقراطي، ثم ذكرت أن أسس الفلسفة الإسلامية والحضارة الغربية واحدة، وأن بينهما مع ذلك فوارق أساسية يجب التوفيق بينها، وأن اتجاه العالم الإسلامي في الوقت الحاضر سيؤثر في تاريخ العالم، وأن ما لهذا الاتجاه من أثر يتوقف إلى حد كبير على ما للإسلام من قدرة في تكييف نفسه مع تطور الحياة.

وليس مقال مجلة «لايف» إلا حلقة من سلسلة متصلة كتبها ويكتبها رجال الغرب عن الإسلام منذ عهد بعيد. ولا أريد أن أعود الآن إلى ما نشر في هذا الموضوع من كتب ومقالات في القرن العشرين وما قبله، أو أن أذكر تطور الفكرة التي تحتوي عليها هذه النشرات، وإنما أريد لمناسبة المقال الذي نشرته مجلة «لايف»، أن أذكر أن في الإسلام — عقيدة وفلسفة — قدرةً على التطور لم يُجَارِهِ فيها أي دين آخر أو أي فلسفة أخرى في القرون الماضية، وأن الإسلام وفلسفته أكثر قدرة من كل عقيدة وفلسفة أخرى على تيسير ما نسميه اليوم (التعايش السلمي) بين الشعوب والدول، وأنه كان قديرًا على ذلك فيما مضى لولا أن وقفت السياسة الغربية من الإسلام موقف خصومة لم يكن لها من الدين أو من منطق العقل ما يسوِّغها.

ولا حاجة بي في إثبات ذلك إلى أن أرجع إلى عهد الحروب الصليبية، فمن اليسير أن يقال: إن عقلية ذلك العهد كانت تسيغ مثل هذا التفكير الذي يمليه التعصب، وإن قال غير واحد من المؤرخين إن الحروب الصليبية قد دفعت إليها اعتبارات سياسية، وإن الدين اتُّخِذَ علالة لبعث الحماسة في نفوس المحاربين المؤمنين من أتباع السيد المسيح. لا أريد أن أعود إلى عهد الحروب الصليبية، وحسبي أن أذكر الكلمات التي قيلت بعد ذلك، والتي تعبِّر عن تفكير الغرب إزاء العالم الإسلامي وإزاء الشرق كله في العصور الأخيرة، فكلمة رديارد كبلنج (الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا) من الكلمات التي تداولها الناس واعتبرت زمنًا طويلًا من مأثور القول الذي يعبر عن روح فعلية. كذلك لم ينسَ أحد كلمة أحد رؤساء الوزارة البريطانية، ولعله جلادستون، لمناسبة الحرب التركية اليونانية حين قال: (ما أخذه الصليب لا يسترده الهلال.) كما لم ينسَ أحد كلمة الماريشال أللنبي حين فتح بيت المقدس في سنة ١٩١٨ إذ قال: (الآن انتهت الحروب الصليبية.)

والواقع أن هذه الكلمات المأثورة التي لم ينسها أحد لم تكن تعبِّر عن عقيدة دينية أو تعصب لعقيدة دينية بقدر ما كانت تصور السياسة التي رسمها الغرب إزاء الشرق وإزاء الإسلام، فقد أدى تسلط الدولة العثمانية على العالم العربي الإسلامي من شمال أفريقيا حتى شرق العراق إلى تدهور هذا العالم الإسلامي؛ لأن الدولة العثمانية لم تكن عربية رغم أنها كانت دولة الخلافة الإسلامية، فلما بدأ الضعف يدب في دولة آل عثمان اتجهت السياسة الغربية إلى التسلط على البلاد العربية الإسلامية لاستغلالها. وكان من وسائلها في تنفيذ هذه السياسة إضعاف عقيدة المسلمين في قدرة دينهم على أن يقيم حضارة تكاتف حضارة الغرب، ولم تدرك دولة الخلافة الإسلامية، وقد كانت دولة غير عربية، ما لهذه الخطة في تنفيذ سياسة الغرب من عميق الأثر، ونشأ عن ذلك أن فقدت الدول العربية ثقتها بدولة الخلافة، وعجزت في نفس الوقت عن مناهضة خطة الغرب فوقعت في براثنه دولة بعد دولة، وشعبًا بعد شعب، وأدى فقد الثقة بدولة الخلافة وقدرتها على حماية إمبراطوريتها إلى نهوض الدول العربية الإسلامية واحدة بعد أخرى تدافع عن نفسها وحريتها، وإلى بلوغ المكان الذي تتحدث عنه مجلة «لايف» اليوم.

ولا نزاع في قدرة الإسلام، عقيدة وفلسفة، على ما نسميه اليوم (التعايش السلمي) مع غيره من الأديان والشعوب في أرجاء العالم، فالتاريخ يذكر أن الدول الإسلامية، أيام عزها وسلطانها قد استطاعت أن توثق بينها وبين غيرها من الدول، وأن تقيم معها خير علاقات المودة والصداقة، وما كان بين هارون الرشيد وشرلمان من حسن المودة بعض ما يروي التاريخ قصصه إلى عهدنا الحاضر. والدولة العثمانية نفسها، أيام مجدها وسلطانها، هي التي أقرَّت للأجانب في البلاد الواقعة تحت نفوذها امتيازات تسهل لهم الإقامة في البلاد المذكورة، مستندة في ذلك إلى قواعد الإسلام في معاملة الذميين من أهل الكتاب، وقد بالغ الغرب بعد ذلك في استغلال هذه الامتيازات لصالح رعاياه وتنفيذًا لسياسته، فأدى ذلك إلى ضيق العرب والمسلمين بالامتيازات، وإلى سعيهم لإزالتها ونجاحهم في التخلص منها.

وقد ظهرت قدرة الإسلام على مجاراة التطور منذ بدأ انتشاره بما كان من امتثاله الحضارة الفارسية في الشرق، والحضارة الرومانية في الغرب، وترجمة علمائه كتب أرسطو وأفلاطون، ووضع فلاسفته مذاهب متأثرة بالأرسططالية والأفلاطونية، مما كان له الأثر الواضح في بعث حضارة الغرب منذ القرن الخامس عشر، فلو أن الإسلام كان دينًا جامدًا، ولم يكن قديرًا على مجاراة التطور الفكري في البيئة والزمن مجاراة لا تجني على مبادئه الأساسية وقواعده الرئيسية، لرأينا المسلمين في القرون الأولى وإلى آخر الدولة العباسية يفتكون بغير المسلمين ممن وقعوا في سلطانهم وتحت حكمهم، ولرأينا منهم تعصبًا كالذي رآه الغرب في بعض العصور مما أدى إلى ثورة الإصلاح التي تزعمها لوثر وكالفان وغيرهما.

أمَا وللإسلام هذه القدرة على (التعايش السلمي) وعلى التعاون مع الغرب، أما وقد غيَّر العلم وجه العالم وغيَّر اتجاه الحضارة، أمَا وقد نهضت الشعوب الإسلامية إلى الحرية وآلت على نفسها أن تؤدي ما عليها في إنشاء الحضارة الجديدة من واجب، فإن على الغرب أن يلتمس معها الوسيلة للتعاون على تحقيق هذه الغاية المشتركة لخير الإنسانية وسلامها، وأن يدرك أن العالم الإسلامي مستعد اليوم للتعاون العالمي بصدق وإخلاص، على أن يكون القصد من هذا التعاون لمصلحة الجميع، لا لمصلحة دولة بذاتها أو شعب بذاته، وعلى ألا يجني هذا التعاون على حرية الشعوب الإسلامية أو يسلبها طمأنينتها ورخاءها. إذا تحقَّق العالم الإسلامي من إمكان التعاون بهذا الروح الإنساني الكريم مد ذراعًا لمن يمد إليه أصبعًا، وقبل شاكرًا كل معاونة تبذل لرقيه ورخائه، على أن يؤدي في مقابل هذه المعاونة قسطًا من إمكانياته الروحية والعقلية، ومن الفائض عن حاجاته المادية والاقتصادية.

أوَ يستطيع العالم الإسلامي أن يثق في إمكان التعاون على هذا النحو، وبهذه الروح؟ هذه هي المسألة. فمشكلة العالم الحاضر مشكلة ثقة من جانب كل جماعة بنوايا الجماعة الأخرى، ومشكلة الثقة هذه هي التي حالت ولا تزال تحول دون اجتماع الكبار من ساسة الشرق والغرب للقضاء على جو التوتر الذي يسود العالم منذ سنين، وهي التي تثير في النفوس الشك في أن يؤدي اجتماع هؤلاء الكبار، إذا اجتمعوا، إلى نتيجة يطمئن لها العالم ويثق بصفاء القصد في تصويرها وتنفيذها.

وفي مقال مجلة «لايف» عبارة تثير في النفس مشكلة الثقة في قدرة العالم الإسلامي والسياسة العالمية الحاضرة على التعاون لإمكان (التعايش السلمي) والتعاون الصادق المشترك، لإقامة الحضارة التي يرسم العالم الحديث خطوطها الرئيسية يومًا بعد يوم، فقد ذكرت المجلة أن أسس الفلسفة الإسلامية والحضارة الغربية واحدة، وأن بينهما مع ذلك فوارق أساسية يجب التوفيق بينها، فماذا تقصد المجلة بهذه العبارة؟ قد يكون صحيحًا أن بين الفلسفة الإسلامية والحضارة الغربية هذه الفوارق الرئيسية، لكن بين المذاهب السياسية في البلد الواحد فوارق أساسية كذلك يصعب التوفيق بينها، ولم يحل ذلك دون تعاون الهيئات التي تؤيد هذه المبادئ في الأمور المتفق عليها لمصلحة وطنهم ولخير أبنائه جميعًا، فبين مبادئ المحافظين ومبادئ العمال في إنجلترا فوارق أساسية لم يستطع أي منهم التغلب عليها، ومع ذلك فبين المحافظين والعمال مبادئ مشتركة كذلك مكَّنتهم من التفاهم في كثير من الأمور لتحقيق أكبر قسط من الخير لبلادهم وللإمبراطورية البريطانية كلها. أما ومجلة «لايف» تقرر أن أسس الفلسفة الإسلامية والحضارة الغربية واحدة، فكيف لا يستطيع العالم الإسلامي وأصحاب الحضارة الغربية أن يتفاهموا إلا أن تحول مشكلة الثقة دون هذا التفاهم، وأن يكون للنوايا السياسية الظاهرة أو الخفية الأثر الأكبر في تجسيم المشكلة بين الفريقين كما جسمتها بين الكتلتين الشرقية والغربية؟

ولا حل لمشكلة الثقة إلا أن يدرك الناس جميعًا، والساسة في مقدمتهم، أن التطور الذي فرضه العلم على العالم في هذا القرن العشرين يفرض علينا أن نلتمس الوسيلة التي تجعل من العالم كله وطنًا لبني الإنسان جميعًا، وأن نعمل لجعل الحياة مستطاعة بسلام في هذا الوطن كما عمل أسلافنا فأصبحت الحياة مستطاعة بسلام في الوطن الواحد وإن ترامت أطرافه، وأصبحت الفكرة الوطنية ذات قدسية يؤمن بها الجميع. لقد أصبح الانتقال اليوم بين القاهرة ونيويورك أكثر يسرًا مما كان الانتقال في أوائل هذا القرن بين القاهرة وأسوان، أو بين نيويورك وسان فرانسيسكو. ما بالك بالانتقال بين القاهرة وأوروبا أو القاهرة وآسيا؟ فالفكرة العالمية تفرض الآن نفسها فرضًا على بني الإنسان كما فرضت الفكرة الوطنية نفسها على أبناء الوطن الواحد في القرون الأخيرة، ولا محيص لنا عن أن نذعن لهذا الغرض وأن نقبل حكمه طائعين راضين بدل أن نلزم به إلزامًا ونقسر عليه قسرًا.

إذا تحقق ذلك زالت مشكلة الثقة وأمكن التفاهم. والعالم الإسلامي يقدِّر هذه الحقيقة، لكن تقديرها من جانب واحد لا يكفي، فإذا قدَّرها الجميع مد العالم الإسلامي ذراعًا لمن يمد إليه أصبعًا، وآذن ذلك بإشراق فجر جديد تنعم فيه الإنسانية بالطمأنينة والسلام.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.