صدرت في العهد الأخير ترجمةٌ إنجليزيةٌ ومنتظرة لكتاب «تمرينات روحية»، الذي ألَّفَهُ شاعرُ اليونان في العصر الحديث «نيقوس كازنتساكيس»، وكثرت الإشارة إليه قبل نقله إلى اللغات الأوروبية.

واسم الكتاب — أو الكُتَيِّب الصغير في الواقع — يدلُّ عليه؛ فهو «تمرينات روحية» ليس إلا، ومعنى ذلك أنه لا يتضمن شروحًا وافيةً، ولا يدعي أنه وصل إلى حلول حاسمة، ولا أنه يحيط بقضايا الروح والفكر، أو بمذهب التدين والاعتقاد.

وكل ما هنالك أنه تمرينات لروح، كأنه تمرينات الرياضيين أجسادهم طلبًا للصحة والقوة، وتدريبًا لأعضائهم على احتمال المشقة والصبر على متاعب الحياة.

وكذلك هذه التمرينات الروحية التي عالجها الشاعر اليوناني الحديث، خليفة «هوميروس» وخليفة «سقراط» في وقتٍ واحد، فإنه يجمع فيها تمريناته التي يَقوى بها على مواجهة الشدائد، وسياسة النفس على احتمال الأزمات، والخلاص من نوبات الضعف والقنوط، ولا يقول: إنه وصل إلى شيء يَحسن الوقوف عنده؛ لأنه يحذر من الوقوف كما يحذر من الرجوع إلى الوراء، وكل ما يعنيه أن يسعى، وأن يواصل المسعى، ويعتبر أن القدرة على مواصلة السعي نتيجة حسنة مطلوبة لذاتها؛ لأنها — على الأقل — دليل على سلامة الروح من داء الركود والجمود، وما هو شر من الركود والجمود؛ وهو التعفن والفساد. هذا هو المقصود من عنوان الكُتَيِّب الصغير.

أما مؤلف الكُتَيِّب، وصاحب التمرينات الروحية كما سمَّاه، فربما صحَّ فيه تقدير كبار النقاد الغربيين أنه أعظم أدباء اليونان الذين اشتهروا بين الحرب العالمية الثانية ومنتصف القرن العشرين، وأنه خليفة جدير بأسلافه الأقدمين من أقطاب الحكمة في عصر سقراط وأفلاطون وأرسطو، ولا يضارع هؤلاء في الحكمة العالية، ولكنه يعوض قصوره عنهم في هذه الحكمة بامتيازه عليهم في البلاغة الشعرية، وفي قدرة الخيال الخصب على الخَلقِ والإبداع.

ولد «نيقوس كازنتساكيس» سنة ١٨٨٣ في جزيرة كريت، وتعلم في مدارس الجزيرة، ثم تخرج في جامعة أثينا في دراسة القانون، وحضر بعد ذلك دروس الفلسفة على الفيلسوف الفرنسي «هنري برجسون»، كما حضر بعض الدروس في الجامعات الألمانية، وأتقن في سياحاته خمس لغات حديثة غير اللاتينية واليونانية القديمة، وأقام سنتين متعبدًا على جبل «أثوس» مع النُّسَّاكِ، وجَال في بلاد العالم شرقًا وغربًا، فزار مصر وفلسطين والصين واليابان وروسيا، كما زار العواصم الأوروبية، والتقى بكبار المفكرين والقادة الاجتماعيين فيها.

وقد تولى وزارة الشئون العامة في وزارة فنزيلوس، ثم تولى وزارة التربية سنة ١٩٤٥ في وزارة سوفوليس، وكان يأوي إلى جزيرة «إيجيا» أيام الاحتلال الإيطالي الألماني لبلاده، ثم نُدِبَ للإشراف على أعمال الترجمة في آداب اللاتينية لهيئة اليونسكو الدولية، ولكنه اعتزل هذا العمل بعد سنة ليتفرغ للتأليف والتفكير، وترك بعده ذخيرة من القصص والملاحم وكتب السياحة — وهي ذريته الباقية كما قال؛ لأنه تزوج مرتين ولم يعقب نسلًا — وتُوفي قبل الاحتفال بعيد ميلاده الخامس والسبعين بأربعة أشهر، محققًا في أيامه الأخيرة ما سَمَّاه بالتمرينات الروحية التي لا تنقطع؛ لأنه أقدم في الخامسة والسبعين على رحلةٍ جوِّيَّةٍ بَحَرِيَّةٍ تمتد من بلاده إلى الصين فاليابان، فالقطب الشمالي، فبلاد الدانمارك، فألمانيا الغربية؛ حيث تُوفي بمستشفى «فريبورج»؛ لأنه لم يحتمل متاعب الرحلة بعد إصابته بالحمى واضطراره إلى اتخاذ الحيطة من مرض الجدري بالحقن الواقية، وهو إلى ذلك يشكو من سرطان الدم، ولا يجهل عاقبة هذه المخاطرة؛ فإنه كتب قبل الرحلة إلى تلميذه ومترجم كُتُبه يقول: «مرة أخرى أقتدي بربِّ النشوةِ الروحيةِ ديونيسس وأُسلِّم نفسي لهذه المغامرة.»

***

والمنقول إلى اللغات الأوروبية من مؤلفات كازنتساكيس كثير، أشهره — عدا كتب الرحلات — قصة زوربا الإغريقي، وقصة المسيح العائد، وملحمة الأوديسي الشعرية التي تمم بها ملحمة هوميروس المشهورة، ومن أجلها — على الأرجح — رشَّحه لجائزة نوبل الأديبان العالميان دكتور «شواتيزر» و«توماس مان»، ولكنه توفي في شهر أكتوبر سنة ١٩٧٥، بعد ترشيحه عِدة مرات، وهو بشهادةِ عارفيه أَوْلَى بالجائزةِ مِمَّن سبقوه إليها في السنوات الأخيرة.

***

وليس كتابه الصغير «تمرينات روحية» آخر مؤلفاته أو خاتمة تجارية وتمرينات، وليس هو — على أية حال — خلاصة الحكمة التي استمدها من عِراك الأيام، ومراجعة العواقب بعد طول العهد بالنجاح والخيبة، ونوبات الرجاء واليأس، فإنه قد فرغ من كِتابة تمريناته الروحية وهو في نحو الأربعين، وكان الكتاب بهذه المثابة أحرى أن يُسمى برنامجًا لتنظيم العمل المقبل مِن أن يُسمى خلاصة للخبرة الماضية والحياة المدبرة، وإنما اتخذ الكتاب الصغير مكانه بين مؤلفات الشاعر الكثيرة؛ لأنه صورة صغيرة تجمع ملامح الصورة الكبيرة في حَيِّزٍ محدودٍ، وكأنه بذلك صورة تُحمل في الجيب، ويُعاد النظر إليها كل حين، وقد اشتاق أن يراها من قرَءُوه في ترجماته إلى اللغات الأخرى ولم تكن لهم معرفة باليونانية الحديثة، وكان أكثرهم شوقًا إليها أولئك الذين اطلعوا على آرائه المتفرقة في رواياته وقصائده المطولة، فجددت في الزمن الأخير عهدهم الأول بتلك الآراء التي عرفوها منذ سنوات، وأعجبهم من هذا الكتيب الصغير أنه صورة صغيرة جدًّا بالقياس إلى الصفحات التي تعد بالألوف في مصنفاته الآخرى، ولكنها على صغرها تدل على صاحبها من قريب.

يقول الشاعر لنا في كتبه المطولة ما فحواه: إن واجبات الإنسان ثلاثة: واجبه الأول نحو عقله، وواجبه الثاني نحو قلبه، وواجبه الثالث أن يتحرر من سلطان عقله وقلبه؛ ليعلو بنفسه عن غواية الضرورة والعادة، بل عن غواية الأمل والعزاء.

واجبه الأول نحو عقله ينظم له فوضى الحياة، ويربط الصلة بين أجزائها برباط القوانين الفكرية ونواميس الطبيعة والوجود، وواجبه الثاني نحو قلبه يطلقه من قيود الفكر، ويتخطى حدود المنطق، ويعلو به مع وجدانه وضميره فوق طبقات المناقشة والإقناع.

أما الواجب الثالث فهو الذي يحرره من سلطان تفكيره وسلطان عاطفته، ويجعله قادرًا على اليأس إذا خانه الرجاء، وقادرًا على الشقاء إذا تعذرت عليه النعمة.

هذه الآراء موزعة بين مؤلفاته في كلام كثير، ولكنه يترك التفصيلات ويرجع إلى أسلوب جوامع الكَلِم حين يلخصها في سطور معدودة من تمريناته الروحية.

ومن أمثلة الكَلِم الجامعة في تمريناته الروحية قوله: «ما هي السعادة؟ هي أن تقدر على كل تعاسة، وما هو النور؟ هو أن تحملق بملءِ عينيك في كل ظلام.»

وقوله: «كيف ينطلق النور من الكوكب البعيد في هذا الفضاء السحيق؟ إن شعاع النور يصل إلينا اليوم من نجوم ماتت قبل دهور، ولكن النجم يموت وشعاعه لا يموت.»

وقوله: «مت كل يوم، وتولد كل يوم. وليست الفضيلة الكبرى أن تظفر بالحرية، وإنما الفضيلة الكبرى أن تكافح في سبيلها.»

وقوله: «ليست صلاتي توسلًا للعطاء، ولا هي اعترافات عاشق، ولا هي مبادلة ومساومة: هات وخذ، وأعطني وتقبل شكري، وإنما صلاتي بلاغ جندي لقائده، وبيان عما صنعه في ميدانه وفي ميادين المعركة الواسعة، وعما لقي من العقاب وما ينوي غدًا أن يذلل به تلك العقبات.»

وعلى هذا الأسلوب تتوالى الكلمات كلمة كلمة، أو التمرينات الروحية تمرينًا بعد تمرين، ونتيجتها كلها أن الوصول إلى النتيجة بعيد، وأن التقدم في الطريق هو الغاية القصوى، وأنه لم ينته قط ذلك الطريق.

لكننا نحن قد ننتهي من هذا الفلسفة ومن مَثيلاتها في الثقافة الغربية إلى نتيجة محققة واضحة، تستحق عناء البحث عنها والتأمل فيها، وهي أن الفكر الغربي يشعر بإفلاس العقيدة المادية، ويكفر بها بعد اطمئنانه إليها، وأنه يرى أن المحاولة الروحية خير من الاستقرار على الإيمان بالمادة العمياء، وإن لم تكن لتلك المحاولة نهاية استقرار.

نتيجة «التمرينات الروحية» هو الكفر بالمادة. وعند هذا القرار نلتقي بالشاعر اليوناني الكبير وبأمثاله من الحائرين بين المفكرين، وإنه لقرار أثبت من القرار الذي اطمأنوا إليه قبل قرن واحد، وظنوا أنهم مطمئنون إليه مدى الزمان، ولم يكن لهم مذهب وراءه إلى غير الظلام.

***

وعلى أن القارئ العربي يلتقي بشاعر اليونان الحديث في أكثر من ملتقى واحد؛ لأن هذا الشاعر من المعجبين بالثقافة العربية، ومن المؤمنين بفضلها على الحضارة في القارة الأوروبية وفي العالم بأسره، وهو في رحلاته إلى الأندلس يتغنى بتلك الثقافة، ويسمي مدينةَ قرطبة باسم «أثينا الغرب»، وهو أكبر ثَناء يضفيه اليوناني المثقف على مدينة من المدن، ويُذكِّر الغربيين بما استفادوه من عِلم العرب في ثمرات الأرض وثمرات الروح، وبما ينبغي أن يستفيدوه من فضائل التوفيق بين المطالب الإنسانية والمطالب الإلهية كما بسطها الإسلام. وعنده أن الفن العربي الذي يتمثل في هندسة البناء يوحي إلى الناظر أنه بناه أُناسٌ يفكرون ويَحِسُّون، ويجمعون بين انتظام التفكير ودقة الإحساس.

ويظهر من إشاراته أنه اطلع على أطرافٍ من الشعر العربي، فوجد فيه الشواهد التي ينشدها في تمريناته الروحية، وأولها مسئولية الكفاح والنهوض بالأعباء، ومن شواهدها فيما نقله عن ذي الإصبع العدواني قوله:

وانْزلْ إلى الهَيْجا إذا

أبطالها كرهوا النزولا

وإذا دُعيتَ إلى المهمـ

ـم فكن لفادحه حَمُولا

وربما فات الشاعر أن يتابع مُفكري العرب فيما يجهله من لُغتهم وديانتهم وما سمَّاه بالتصوف الغامض في أقوالهم ودراساتهم، ولكنه لم يقصر في استطلاع الحقيقة التي يدركها، ولا في الاعتراف بالفضل الذي يطويه سُوء النِّيَّةِ وسُوء التفكير عند الآخرين.

ونعود إلى تمريناته الروحية من طريق رحلته الأندلسية، فنقول: إنها لم تكن رحلة وحسب، ولكنها كانت زادًا من أزواده النافعة إلى الغيب المجهول، وإنه تخطى الوطن والزمن ليستوفي نصيبَه من جهود الإنسان في كل وطن وكل زمن، فخرج من الرحلة بنصيبٍ وافرٍ وزادٍ مقيم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.