كنا في أول الشباب نسمع لفظ الإضراب أو لفظ الاعتصام، فلا نكاد نحقق بهذين اللفظين معنى. وإنما نفهم مِنْ قُرْب أو مِنْ بُعْد أن طلاب الحقوق، أو أن فريقًا من طلاب الحقوق قد امتنعوا عن الاستماع لدروسهم، أو امتنعوا عن الاختلاف إلى مدرستهم.

وكنا في الأزهر نُعجَب بهذه الظاهرة الغريبة — ظاهرة الامتناع من سماع الدرس والاختلاف إلى المدرسة — وهذه الحرب الخفية الرفيقة التي تُثار بين الطلاب والمدرسة أولًا، ثم بينهم وبين الحكومة ثانيًا. ويظهر أن الأزهريين شُغِفوا بهذه الظاهرة، وأحبوا أن يكون لهم إضراب كما للطلاب المطربشين إضراب؛ فجعلوا يطالبون بالإصلاح، ثم يُضْرِبون، ثم يجتمعون في الأزهر ليخطبوا، ثم يخرجون إلى الشارع ليتظاهروا، ثم يجتمعون في حديقة الجزيرة ليخطب فيهم صديقنا الأستاذ علي عبد الرازق وزير الأوقاف الآن، وكان زعيمًا من زعماء الإضراب في ذلك الوقت.

ثم تتتابع الأحداث ويصبح الإضراب شيئًا مألوفًا في بيئات الطلاب، وتصبح المظاهرات شيئًا مألوفًا في بيئاتهم أيضًا، كما يصبح قمع المظاهرات والاصطدام بين الشباب والشرطة شيئًا مألوفًا كذلك.

وما أظن أن الإضراب تجاوز هذه الحدود قبل الحرب العالمية الأولى، ولكنه على كل حال قد أصبح ظاهرة اجتماعية لها خطرها، تحسب الحكومة لها الحساب كل الحساب، وتُعنَى الصحف بها العناية كل العناية، ويكتب فيها لطفي السيد مدير الجريدة مُطالِبًا بإصدار الدستور، ومتمثِّلًا قول الشاعر العربي القديم:

وإنما أولادنا بيننا

أكبادنا تمشي على الأرض

وتضطر الحكومة لها آخر الأمر إلى إحياء قانون المطبوعات، وأخذ الصحف بشيء من العنف. حتى إذا انقضت الحرب العالمية الأولى بلغت هذه الظاهرة أقصى حدود العنف، فتجاوزت الطلاب إلى غيرهم من الموظفين، وكان من أمر الثورة الوطنية ما هو معروف.

ولكن الإضراب في كل هذه الأوقات كان ظاهرة سياسية أكثر من أي شيء آخر. كان الغضب من الإنجليز والسخط على تسلطهم واعتدائهم على استقلال مصر وحقوقها، هو الذي يُدفَع إليه ويُغرى به في أكثر الأحيان. فأمَّا بعد أن أُعلِن الاستقلال وصَدَر الدستور ونهضت مصر ببعض أمرها؛ فقد ظل الإضراب مظهرًا من مظاهر الغضب السياسي على الإنجليز، أو على ظلالهم في مصر، أو على حكومات القلة، ولكنه لم يلبث أن أخذ شكلًا جديدًا يتصل بالحياة الاجتماعية الخالصة، ويُراد به لفت الدولة إلى أن هناك آفاتٍ في هذه الحياة الاجتماعية يجب أن تُزال، وعيوبًا يجب أن يمسها الإصلاح … ومهما يكن من شيء فقد ظل الإضراب المنظَّم المتصل اتصالًا يقصر أو يطول مقصورًا على القاهرة والإسكندرية، يتجاوزهما أحيانًا إلى المدن الكبرى حين تحدث الأحداث السياسية ذات الخطر.

وكانت عامة الشعب تنظر إليه على أنه نوع من البدع، له قيمته ولكنه بدع على كل حال. أمَّا الآن فقد جعل الإضراب يصبح شيئًا مألوفًا مقبولًا عند الخاصة والعامة جميعًا، فليس الطلاب وحدهم هم الذين يضربون، وإنما يضرب العمال كما يضرب الطلاب، ويقيم الطلاب في مدارسهم بعد الإضراب، ويقيم العمال في مصانعهم بعد الإضراب أيضًا، وتضطرب الحكومة إلى إخراج أولئك وهؤلاء بقوة الشرطة من المدارس والمصانع.

والمضربون من أولئك وهؤلاء يريدون أن يكون إضرابهم عامًّا شاملًا، فيمنعون القلة من مقاومة الإضراب والاختلاف إلى المدارس والمصانع، ويصطدمون بقوة السلطان التي تريد أن تحمي حرية التعليم والعمل، ثم جعل الموظفون أيضًا يضربون، فرجال التعليم الحر يضربون ويعتصمون بمدارسهم كما يُقال في هذه الأيام، والمهندسون يضربون أسبوعًا وينذرون الحكومة بالاستقالة الإجماعية في آخر هذا الأسبوع إذا لم يُجابوا إلى ما يطلبون، والمتخرجون من دار العلوم ينذرون بالإضراب عن تعليم اللغة العربية إذا لم يُجابوا إلى ما يطلبون، والإلزاميون يقررون الإضراب ويمهلون الحكومة خمسة عشر يومًا، فإن لم تنصفهم أنفذوا ما قرروا.

وضباط الشرطة أنفسهم يهمُّون بالإضراب ذات يوم وذات ليلة، فيرُدهم عن ذلك عطف ملكي كريم، ولكنهم ينتظرون وينتظرون ثم ينذرون بالإضراب حين ينتصف هذا الشهر إذا لم يُجابوا إلى ما يطلبون. ويُقال مثل ذلك عن ضباط الجيش، وقد قيل مثل ذلك عن رجال القضاء.

وليس لهذا الإضراب كله فيما يظهر إلَّا سبب واحد، وهو فساد النظام الاجتماعي وظمأ الناس إلى العدل وحاجتهم إلى أن يعيشوا كرامًا كما ينبغي لكل إنسان أن يعيش كريمًا، وكذلك أصبح الإضراب شيئًا مألوفًا شاملًا لا ينكره أحد، لا من الطلاب ولا من الموظفين ولا من حماة الأمن ولا من حماة الوطن ولا من عامة الشعب. وهذا رقي ليس في ذلك شك، فهو دليل على شيئين أساسيين في كل حياة اجتماعية حرة؛ أحدهما: شعور الإنسان بنفسه واعترافه بوجوده وإيمانه بحقوقه، والآخر: غضبه لهذه الحقوق إن أصابها شيء من الانتقاص، وحرصه على أن يستكملها، ويحوطها ويحميها، مهما يكلفه ذلك من الجهد والمشقة والعناء.

هذا رقي من غير شك لم يكن منه بد، فالتعليم ينتشر سواء أردنا أو لم نرد، واتصالنا بالعالم المتحضر يزداد سواء أردنا أم لم نرد، والصحف والراديو والسينما تنقل إلينا سيرة الأمم المتحضرة، وتظهرنا على ما تبذل الشعوب في أوروبا وأمريكا لاستكمال حقوق الإنسان وحمايتها وتحقيق العدل الاجتماعي.

مهما تكن الظروف، فليس لنا بد من أن نرى ونسمع ونفهم ونتأثر ونفعل بعد ذلك كما يفعل غيرنا من الناس.

كل هذا حق، ولكن هناك حقًّا آخر يجب أن نفكر فيه فنطيل التفكير، وهو أن انتشار ظاهرة الإضراب — في هذه الأيام على هذا النحو وبهذا الشمول — يدل على أن نظامنا الاجتماعي قد أصابه مرض خطير يجب أن نطب له ونُعْنَى بإبرائه منه؛ فهؤلاء المصريون على اختلافهم لا يُضْربون حبًّا في الإضراب ولا رغبةً في الفراغ، وإنما يضربون لأنهم لا يعرفون كيف يعيشون. أجورهم أقل جدًّا من حاجاتهم، وقد فرض النظام الاجتماعي عليهم وعلى أُسَرِهم ألوانًا من الحرمان القاسي، لا يستطيعون أن يحتملوها، ولا يرون من الحق ولا من العدل أن يحتملوها؛ فهم يقومون على المرافق العامة فيتيحون للأمة أن تحيا وأن ترقى، ويتيحون لأصحاب الغنى والثراء أن يضيفوا مالًا إلى مال، ونعيمًا إلى نعيم. فمن حقِّهم على الدولة أن تكفل لهم حياة كريمة راضية، لا يجدون فيها بؤسًا ولا حرمانًا، ولا يتعرضون فيها لبأسٍ أو شقاء.

والغريب أن الدولة لا تشعر بخطر هذه الظاهرة، ولا تقدرها حق قدرها، ولا تحتاط لها حق الاحتياط، فهي تقاوم الإضراب هنا وتقاوم الإضراب هناك، تلاين حينًا وتخاشن حينًا، وتقف دائمًا موقفًا رخوًا يشبه موقف المتفرجين. وتوشك إن مضت على هذا النحو من شهود الظواهر الاجتماعية الخطيرة كما يشهد النظارة لعب الممثلين، أن تنظر ذات يوم فإذا كل شيء من حولها انهار، وإذا بمصر معرضةً للخطر الذي ليس بعده خطر، وهو الانحلال وضياع المرافق وانتشار الأمور، وما ينتج عن هذا كله من ضياع الحقوق واضطرار العالم الخارجي إلى أن يتدخل في شئوننا ليردنا إلى النظام، أو ليرد إلينا النظام.

فمصر في مركز جغرافي لا يسمح للعالم الخارجي بأن ينظر إلى فساد الأمر فيها غير مكترث بذلك أو مهتم له.

وإذن فلا بد للدولة من أن تحزم أمرها ومن أن تواجه المشكلة الاجتماعية مصممةً على حلها. وليس هذا الحل يسير ولا قريب المنال؛ لأنه يحتاج إلى إعادة النظر في كل شيء: في الضرائب التي تُجبَى، وفي النفقات التي تُنفَق، وفي الأجور التي تُعطَى، وفي أسس الميزانية كلها بوجه عام.

ثم في إرضاء غير الموظفين من الطبقات، وأظنك توافقني على أن النظام السياسي الذي تخضع له مصر الآن ليس هو الذي يستطيع أن ينهض بهذا العبء الذي لا ينهض به إلا أولو العزم من الناس.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.