تعلو أصوات أحيانًا باتهام بعض الأعمال الفنية بالإساءة إلى سمعة البلاد، وهذا الاتهام لا يصبح عدلًا ومنطقًا إلا إذا كانت البلاد تحوز في الواقع سمعة طيبة، ثم انقضَّ الفن على هذه السمعة بالتحريف والتشويه فأساء إليها لغرض من الأغراض، أما أن يتصدَّى الفن للجوانب السلبية في المجتمع فيعريها ويهتك عنها أستار الزيف والنفاق لينبِّه الضمائر، ويوقظ الهمم، ويشحذ الرغبة في التغيير والإصلاح، فلا يجوز أن يُتَّهَم بالإساءة إلى سمعة أي قيمة شريفة، فلا توجد إساءة أصلًا، ولا سمعة طيبة تعرَّضَ لها أحدٌ بسوء، إنما يسيء إلى سمعة البلاد — أي بلاد — ما تتردَّى فيه من تخلُّف أو نقص في مقوماتها الحضارية، وما قد يتفشى فيها من جهل ومرض وفقر واستبداد وإهدار لحقوق الإنسان، وتأخُّرٍ في الفكر والعلم والفن، ويسيء إليها أكثر أن تتهاون في الإصلاح ومحو الآفات والسلبيات، ويسيء إليها أكثر وأكثر أن تتَّهِم ما يذكِّرها بواجبها، أو يحثها على مضاعفة العمل بالإساءة إلى سمعتها، وما يخفى شيء مما يجري في بلد عن العالم الذي أصبح وطنًا كبيرًا واحدًا بفضل وسائل الاتصال الحديثة والنشاط السياحي، فالفن هنا لا يفشي سرًّا ولا ينشر نميمة، ولكنه يقوم بوظيفة جوهرية من وظائفه، وهي نقد المجتمع والحياة والإنسان، ويلعب دوره في البناء والجدية العامة الرشيدة النزيهة، ولو أنه تجاهل واقعه ليقدِّم صورة زائفة كاذبة لَخَانَ نفسه، وخان مواطنيه، وخان رسالته، وتحوَّلَ من فن إلى إعلان تجاري أو مخدر من المخدرات. وقد يقال إن البلاد لا تخلو كذلك من إيجابيات فلِمَ لا يركِّز الفن عليها؟ والحق أنه يندر أن يخلو عمل فني ناقد من إشارة إلى إيجابية من الإيجابيات، وحتى لو خلا من ذلك فإن وسائل الإعلام تنوِّه بالإيجابيات صباح مساء، فالمسألة ليست غيرة على الإيجابيات بقدر ما هي ضيق بالنقد وسخط على كشف الحقائق الأليمة وامتعاض مما يذكِّر بالواجب. لنذكر هذا، ولنذكر أيضًا الأعمال الفنية الأجنبية البالغة الجرأة في النقد التي لا ترى بلادُها بأسًا من نشرها في أنحاء العالم دون أن تهتز ثقتها في نفسها فتستحق من أجل ذلك الاحترام، كما تنال الأعمال الإعجاب والتقدير.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.